عرض لتقنية التعرف على الوجوه خلال معرض في لاس فيغاس
عرض لتقنية التعرف على الوجوه خلال معرض في لاس فيغاس

واحد من صفات الأذكياء الشائعة أنهم يستطيعون قراءة الوجوه، ولغة العيون، ويلمسون المشاعر، ولديهم البديهة الكافية لفهم الأحاسيس لدى الطرف الآخر، والتصرف على أساسها.

شركات التقنية تريد أن تفعل الأمر نفسه كجزء من تطوير القدرات "الذكية" للتقنية، بحيث تستطيع رصد العواطف الإنسانية بدقة وتفصيل، مهما حاول الإنسان إخفائها، ثم بعد ذلك تريد بيع هذه المعلومات بشكل تجاري بطبيعة الحال.

هذا الأمر ليس مجرد احتمال نظري للمستقبل، بل قد بدأ بالفعل، وهناك استثمارات كبيرة فيه، ويحقق نجاحات سريعة، على يد شركات كثيرة تعمل في مجال يسمى بـ"الذكاء الاصطناعي العاطفي" (Emotion AI).

على سبيل المثال، شركة Realeyes البريطانية متخصصة في مساعدة المعلنين على معرفة ردود أفعال الناس العاطفية نحو الإعلانات قبل بثها تلفزيونيا. هذا له قيمته الكبيرة تسويقيا لأنه سيساهم في تحقيق استفادة مضمونة للمعلنين من الحملات التلفزيونية المكلفة، وخاصة أننا في زمن أصبح جذب الانتباه فيه لإعلان معين وسط آلاف الرسائل التي نراها كل يوم أمرا ليس بالسهل.

في المستقبل، قد يكون النجاح من نصيب أولئك الذين يملكون الوجوه الجامدة، والعيون المتيبسة

الشركة تأسست في عام 2007 بهدف "مساعدة الكمبيوترات على فهم العواطف". الشركة جمعت استثمارات بقيمة 38 مليون دولار، وقامت بتحليل 420 مليون لقطة فيديو عالية الجودة لأشخاص يشاهدون فيديوهات منوعة، وتم ربط تعابير وجههم بالعواطف الستة الرئيسية: الغضب، الخوف، السعادة، الحزن، الاندهاش، والاحتقار، كما تم التحليل بناء على الانتماء العرقي والجغرافي للشخص، بحكم أن تعابير الوجه تختلف بين الناس حسب ثقافاتهم وأعراقهم.

في 2009 وباستثمارات زادت عن 60 مليون دولار، أسست الأميركية ـ المصرية د. رنا القليوبي شركة Affectiva والمتخصصة في المجال نفسه، والشركة بالإضافة للتركيز على العاطفة والإعلان، تركز كذلك على الحالة العاطفية لسائق السيارة وتأثيرها على سلامة القيادة. نجاح الشركة دفع BBC لاختيار د. رنا كواحدة من أهم 100 امرأة في العالم في 2019، والشركة نفسها تقيم مؤتمرا سنويا متخصص في مجال الذكاء الاصطناعي العاطفي (Emotion AI Summit).

نظام آخر يستفيد من تحليل عواطف الإنسان تبناه الاتحاد الأوروبي ويتم تجريبه حاليا في ثلاث دول أوروبية لمساعدة موظفي الأمن والهجرة في المطارات على تحليل أدق تفاصيل تعبيرات الوجه وصوت المتحدث وحركة العين لمعرفة مدى صدقه في الإجابات التي يقدمها الراغب في دخول الدولة، وعندما يقرر الجهاز أن هذا الشخص مشبوه، يتم التحقيق معه بشكل مكثف.

أميركا تدرس استخدام نظام مشابه على حدودها مع المكسيك اسمه (Avatar)، وهو اختصار لجملة (الموظف الافتراضي الأتوماتيكي لتقييم الصدق مباشرة).

شركة أخرى اسمها CompanionMx عملت على تطوير نظام يسمح لمستخدمه بمعرفة حالته النفسية، وتنبيهه في حالة حاجته لزيارة الطبيب النفسي، وتم بالفعل تجربة هذا النظام مع بعض وحدات الجيش الأميركي.

من الأمثلة الكثيرة ذلك نظام يتم ربطه مع مراكز استقبال الاتصالات (Call Centers) أو برامج الدردشة مع العملاء وذلك لمعرفة الحالة النفسية للمتصل من صوته، والتعامل معه على هذا الأساس. نظام آخر يقدم إنذارا عندما تكون الحالة النفسية للموظف متوترة بشكل يدفعه لاتخاذ قرارات خاطئة، وجربته عدة بنوك بما يخص موظفي الاستثمار في أسواق الأسهم.

هناك أنظمة أخرى لمساعدة الشركات على تقييم الأشخاص عاطفيا في المقابلات الوظيفية، وأخرى خاصة بشركات التأمين، وبعضها خاص بالتحقيق الجنائي، وهناك أنظمة لمساعدة مرضى التوحد على التعبير عن عواطفهم.

سردت كل هذه الأمثلة لأؤكد على مدى ما تحقق من تقدم في هذا المجال، واستخداماته العديدة، وكونه يتحول سريعا إلى صناعة هامة، بل أن دراسة أميركية تقول بأن سوق تقنيات الذكاء الاصطناعي العاطفي سيبلغ حجمه حوالي 41 مليار دولار في عام 2022.

بشكل عام، تقوم هذه التقنية على بناء تعلم عميق لدى الآلة لفهم عواطف الناس من خلال تعابير الوجوه وحركة العيون ولغة الجسد وتغيرات الصوت، ومن خلال تصوير مئات آلاف الفيديوهات للناس في مختلف الحالات النفسية، وتحويل قاعدة المعلومات هذه إلى "بيانات ضخمة" تستخدم تقنيا لقراءة العواطف.

لا شك أن هذه التقنية ـ بقدر ما قد تكون مفيدة ـ ستقتل جزءا أساسيا من خصوصية الإنسان

الأهمية الأساسية لهذا المجال أنه سيحول الروبوتات من آلة ذكية جدا إلى آلة تستطيع التفاعل العاطفي مع الإنسان، وتغيير بعض تصرفاتها وقراراتها على هذا الأساس، كما سيساهم في جعل هذا التفاعل أقرب ما يكون للتفاعل الإنساني العادي.

رغم ذلك كله فإن الجدل حول هذا المجال ما زال كبيرا، فبينما يقول باحثون إنه مجال قائم على أدلة غير علمية، ويرون استحالة قدرة الآلة على الوصول لتقييم دقيق لعواطف الإنسان من خلال مراقبة تصرفاته، ويتخوفون من الاعتماد على هذه التقنية، وارتكاب أخطاء بسبب ذلك، فإن هناك من يدافع بشراسة عن هذا المجال ويرى أنه المستقبل الأكيد لأن عواطف الإنسان تبدأ بشكل معين عبر الموصلات الدماغية ليتفاعل جسم الإنسان معها.

لكن على كل حال، لا شك أن هذه التقنية ـ بقدر ما قد تكون مفيدة ـ ستقتل جزءا أساسيا من خصوصية الإنسان، وستخترقه لصالح من يملكها، وستسمح لمدراء الشركات أن يراقبوا موظفيهم بشكل غير مسبوق، وستتدخل في المستقبل العملي للناس، وستساهم في زيادة سيطرة التقنية على الإنسان.

في المستقبل، قد يكون النجاح من نصيب أولئك الذين يملكون الوجوه الجامدة، والعيون المتيبسة، لأنهم استطاعوا أن يحموا عواطفهم من الاختراق التقني!

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.