يتجاهل بعضهم حقيقة أن الانتفاضات المفاجئة التي اندلعت في عدد من البلدان العربية والأجنبية لم تكن ناجمة عن مؤامرة خارجية بالمقام الأول، (رغم عدم إنكارنا أن ضعف المناعة يسهِّل الإصابة بالعدوى،) إنما هي ناجمة بشكل عام عن الإحباط نتيجة البطالة والعوز، أو الخيبة من إمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية، أو فقدان أي أمل في الإصلاح، لأن السلطة ـ كما يقول المثل ـ هي "الخصم والحكم،" وأن "حاميها حراميها".

لا شك أن دراسة التاريخ ليست بحثا في الماضي فحسب، وإنما هي استخلاص عبر منه من أجل بناء المستقبل. إننا نكاد لا نعيش أبدا في الحاضر، بل نعيش إما في الماضي أو في المستقبل، لأن الزمن ينصرم بسرعة بحيث يصبح ماضيا، أو يلد من رحمه المستقبل.

المهم هو اتخاذ القرار الصائب في اللحظة الحاسمة، ذلك القرار الذي يجنب وقوع مصيبة ويضمن حسن الختام. لا يحكم التاريخ بالضرورة على الحصاد، وإنما على البذور الصالحة، لا يحكم التاريخ على النتائج، وإنما على الحكمة في الاختيار.

أملي كبير أن يحدث انتقال سلمي للسلطة لا يعترضه أحد

على سبيل المثال، هل ينسى التاريخ زعيمين آسيويين استطاعا أن يبدلا أحوال بلديهما من صورة إلى نقيضها، فنقلاهما من الفقر والتخلف إلى الرخاء والتقدم؟ هل ينسى التاريخ زعيما أفريقيا قضى عقودا من الزمن في السجن متشبثا بفكرته السامية التي لم يحد عنها حول المساواة والعدالة بين الأعراق، حتى تكلل صبره وجلده بالانتصار، فخرج من زنزانته بعد أن ألغيت التفرقة العنصرية، لينصب رئيسا على البلاد؟

وهل ينسى التاريخ أن ذلك المناضل اختار بمحض إرادته ألا يرشح نفسه من جديد، رغم قاعدته الشعبية الواسعة، بل أتاح المجال لغيره كي يكمل ما أرسى له حجر الأساس؟

هل ينسى التاريخ زعيما آخر في أميركا الجنوبية لم يشأ الاستسلام للقروض الدولية التي تنهك بلاده، فتجعل المواطن يئن تحت وطأة التضخم النقدي، وتضطر حكومته على الخضوع لتحالفات ناجمة عن تلك الديون المنهكة؟

هل ينسى التاريخ زعيما عمل على إعادة بناء اقتصاد وطني حر، يخلق فرص عمل للشباب، ليحوز شعبية في الداخل واحتراما دوليا في الخارج؟

أمام ما يشهده لبنان من أحداث عاصفة، لا بأس أن نطرح الأسئلة المتخيلة التالية عن قادة افتراضيين. هل يمكن أن ينسى التاريخ، يا ترى، زعيما مفترضا يقوم بتوحيد أمته المشتتة والمتصارعة، ويعامل قومياتها وأديانها وطوائفها سواسية، فيخلق لجميع أبنائها حلما يعيشون على أمله ويتشبثون بتحقيقه؟

هل ينسى التاريخ زعيما مفترضا يختار عدم الانحياز لهذا المعسكر أم ذاك عندما ينشب صراع بين أطراف شعبه، فيحيى بموقفه المنصف أمل الوحدة الوطنية؟

على نقيض الأسئلة السابقة، هل ينسى التاريخ زعيما مفترضا يتمحور حول ذاته ولو أدى ذلك إلى إنهاك اقتصاد بلده؟ هل ينسى التاريخ زعيما مفترضا يعيش وهم استعادة أمجاد الماضي وإعادة بناء إمبراطورية سالفة، ولو على حساب توريط بلده بعزلة دولية؟

هل ينسى التاريخ زعيما عمل على إعادة بناء اقتصاد وطني حر؟

هل ينسى التاريخ زعيما مفترضا يخوض معارك بدافع إلهاء شعبه بالاقتتال تحت شعارات قومية طنانة كيلا يواجه الفساد والاستبداد؟ هل ينسى التاريخ زعيما مفترضا لا يملك من أمره شيئا، لأن سلطته مختطفة، لكنه يقبل الجلوس كدمية على الكرسي صاغرا حبا منه للسلطة، ولو كانت شكلية؟

لفت نظري خلال متابعتي للأزمة اللبنانية، وقبلها العراقية، وقبلهما الجزائرية والسودانية، التشابه بين كلمتين في اللغة الإنكليزية هما Arrogance و Ignorance. تعني الأولى الغرور، والثانية الجهل.

يؤدي وجود أي من هاتين الصفتين لدى أي مسؤول إلى سوء تشخيص الداء، مما يؤدي حتما إلى الخطأ في وصف الدواء. أما إذا اجتمعت الصفتان معا في شخص واحد، فإنهما ستؤديان حتما إلى كارثة.

نجد في المثال اللبناني الأحدث شخصيات عدة تعاني من إحدى علتي الغرور والجهل أو من كليهما معا، ولعل "التجاهل" ـ أي "الإنكار" ـ أسوأ من الجهل.

من الشخصيات التاريخية القديمة التي ينطبق عليها اجتماع الجهل مع الغرور شخصية "نيرون" Nero الذي أحرق روما وجلس يتفرج مستمتعا على أنغام الموسيقا. كذلك هي شخصية "كاليغولا" الروماني، ذلك الإمبراطور المجنون الذي ألَّف ألبير كامو مسرحية تصور مزاجيته الرعناء، وأنتج عنه فيلم سينمائي شهير يصور غرائزه الجامحة. نجد أيضا "رومولوس"، الذي ألف فريدريش دورنمات مسرحية كوميدية ساخرة عن إدارته العبثية لشؤون الحكم.

في الواقع، منذ عصر الكتاب الإغريق إلى عصر شكسبير، وصولا إلى عصرنا الحاضر، نجد أمثلة عديدة في عالم الدراما على الغرور أو الجهل أو كليهما معا، وأوضح مثالين على ذلك هما ريتشارد الثالث وماكبث.

من المعروف أن البطل التراجيدي شخص سامي المركز والطباع، لكنه يقع عادة في زلة، وهذه الزلة تودي به وبمن من يحب إلى مصير مأساوي. لكن اجتماع هاتين الصفتين لا يشكل زلة، بل علة متأصلة لها عواقب وخيمة.

بالتالي، فإن النتيجة الطبيعية لارتكاب جرائم ضد الإنسانية أن تنزع عن أولئك الشخصيات هالة البطولة، ليمتزج العنف الدموي بالكوميديا فيها، كما في المسرحيات الحديثة التي نوهنا إليها، بحيث عكست تفسيرات سياسية لاذعة الانتقاد، وأخفت في ثناياها إسقاطات على أزمنة وأمكنة أخرى مختلفة من العالم.

يحكى، على ذمة الراوي، أن الرئيس السوري شكري القوتلي قال للرئيس جمال عبد الناصر عشية الوحدة بين البلدين: "أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس. أنت أخذت شعبا يعتقد كلّ من فيه أنه سياسي، ويعتقد 50 في المئة من ناسه أنهم زعماء، ويعتقد 25 في المئة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد 10 في المئة على الأقل أنهم آلهة".

هل ينسى التاريخ زعيما مفترضا يتمحور حول ذاته ولو أدى ذلك إلى إنهاك اقتصاد بلده؟

ينطبق هذا الكلام على الشعب اللبناني كما ينطبق على الشعب السوري، فحرية التعبير التي تمتع بها اللبنانيون طويلا تفسر خروجهم إلى الشوارع منتفضين بهذا الشكل العفوي، بمختلف الأديان والأقليات والطوائف والأطياف الاجتماعية، حتى أن رقصات الدبكة وحفلات الشواء تخللت تظاهراتهم بطرافة وظرف استثنائيين.

على الأقل، لن تتهم المتظاهرات اللبنانيات بالتطرف الإسلامي. أما قوات الجيش والشرطة، فتقف حتى الآن موقفا مشرفا يتسم بالحياد وضبط النفس، فهي متواجدة على الحواجز من أجل حماية الأرواح والحيلولة دون احتمال إلحاق بعض جماعات من المتظاهرين الغاضبين أذى بالممتلكات العامة أو قيامهم بما يتجاوز إشعال دواليب السيارات احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية والمعاشية.

أملي كبير أن يحدث انتقال سلمي للسلطة لا يعترضه أحد، وألا تتسلل إلى ميادين التظاهرات ـ كما سبق أن تسللت في مدن عربية أخرى ـ قوى غامضة الهوية تؤجج لهيب الفوضى وتقنص ضحايا أبرياء، فتحيل ثورة شعبية تنادي بالإصلاح إلى بركان يحرق الأخضر واليابس.

كم ذكرتني تظاهرات لبنان بقصيدة نزار قباني "يا ست الدنيا يا بيروت" التي أنشدتها ماجدة الرومي بصوتها الرائع، فبيروت كانت ولا تزال عاصمة الحرية.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!