يبدو الاحتفال الأميركي بمقتل زعيم تنظيم "داعش" غريبا، بل ـ عند بعضهم ـ يبدو مُريبا؛ من حيث علاقته بالتعادل/ التوازي بين القوة الأولى في العالم، وإرهابي يقود تنظيما إرهابيا طارئا في ظرف زَمَكاني استثنائي مشحون بالصراع متعدد الأقطاب.

ويتصاعد مؤشر الاستغراب والارتياب حين يعلم الجميع أن هذا الإرهابي/ البغدادي لا يتوفر على شيء من التاريخ النضالي الذي يكفل له التحوّل إلى رمز مواجهة دائبة مع الغرب (عكس "بن لادن" الذي صنع رمزيّته من خلال تاريخ نضالي طويل في الجهاد الأفغاني)، كما لا يمتلك الكاريزما الشخصية، بل ولا أيّا من مُقوّماتها التي تجعله محطّ آمال الغاضبين الناقمين على الغرب، أو على العالم الحديث في صورة الغرب.

عندما تنجح الولايات المتحدة في قتل هذا الإرهابي المتدثر بحزامه الناسف، فهذا لا يختلف عن النجاح في قتل رئيس عصابة لتهريب المخدرات في هذا المكان أو ذاك المكان. أن تبتهج القوة الأولى في العالم/ أميركا بقتل هذا الإرهابي العابر/ الطارئ في مسيرة الإرهاب، يُشْبه أن يبتهج ديناصور ضخم بقتل ذبابة!.

البغدادي، وغيره من قادة الظاهرة الإرهابية ليسوا أكثر من أدوات يُعبّر بها الفكر الإرهابي عن نفسه

الابتهاج هنا، في مثل هذا السياق اللاّمتكافئ جدا حدّ المفارقة، يُضْمر معنى هزيمة من نوع ما. أن تبتهج "النخبة الحاكمة" في الدولة الأعظم/ الأقوى على مستوى العالم/ الولايات المتحدة، وأن يكون الابتهاج على نحو مؤسساتي واستعراضي بمقتل فرد إرهابي (كانت تعلن عن استهدافه واستهداف تنظيمه منذ سنوات)، يعني أنه انتصر عليها بسنوات الصمود التي أثبتت عجزها عنه، وانتصر عليها بكل هذا الرعب الذي يبدو لها أنها تحررت منه بقتله. هذا على الأقل معنى من معاني الاحتفال/ الاحتفاء الكبير بهذا الإنجاز: مقتل الإرهابي البغدادي.

ليس معقولا ولا مقبولا أن تبدو الإدارة الأميركية وكأنها ـ بمقتل هذا الإرهابي ـ تخرج من عنق زجاجة خانقة، أو كأنها تتحرّر من رعب كبير كان يَتَلَبَّسها طوال السنوات الست الماضية.

لا يجوز أن نمنح الإرهاب والإرهابيين أكبر من حجمهم الطبيعي، هم ليسوا قادة دول عظمى، ولا حتى قادة دول صغرى، البغدادي ليس هتلر ولا ستالين. محاولة توظيف هذا الانجاز الصغير كورقة انتخابية يمنح الإرهاب والإرهابيين دعاية واسعة، بل دعاية صلبة/ مؤكدة بالوقائع، لم يكن الإرهابيون ولا مشايعو الإرهاب يحلمون بها.

كل الغاضبين والناقمين والثائرين المبعثرين على امتداد العالم، وخاصة العالم الإسلامي، سيؤكد لهم هذا الاهتمام الأميركي المبالغ فيه بمقتل هذا الإرهابي، أن أي تشكيل عصابي إرهابي يمكن له أن يتسبب لعدوهم اللدود/ الولايات المتحدة بكل هذا الإيذاء، وبكل هذا القلق، بل وأنهم يستطيعون الوقوف/ الصمود أمامها ـ موقف الند ـ لسنوات قد تطول!

هذا تصوري للمشهد من موقعي كدارس للظاهرة الإرهابية، وكمشارك في تحليلها خلال العشرين سنة الماضية، حيث أدرك ـ عن معرفة أكيدة واقعية ـ ضررَ أن يُمنَح الإرهابي كل هذا الاهتمام. كثيرون لديهم الاستعداد للمغامرة، حتى بأرواحهم، للظفر بمثل هذا الاعتراف بهم ـ ولو كمجرمين شديدي الأذى لأعدائهم ـ من قبل أقوى دول العالم على الإطلاق.

لا يجوز أن نمنح الإرهاب والإرهابيين أكبر من حجمهم الطبيعي

طبعا، كل هذا النقد لطبيعة تعاطي الإدارة الأميركية مع الحدث لا يعني تقليلا من الإنجاز المُتقن، ولكنه يعني ضرورة أن يوضع المنجز في سياقه كمنجز أمني روتيني، وأن يكون التعامل السياسي والإعلامي معه بمستواه الذي يجب أن يكون فيه.

فهو كمنجز أمني/ عسكري كان يجب أن يخرج أحد ضباط الجيش المشرفين على العملية فيعلن عنه بصورة عابرة، بصورة لا تمنح الإرهابي قيمة تتجاوز قيمة قائد عصابة مافيا قُتِل في إحدى المواجهات. بعد ذلك يُترك للإعلام تحليل انعكاسات ذلك على الأحداث في مناطق الصراع التي كان الإرهابي مساهما فيها، ويكون التحليل عابرا ومحايدا؛ بصورة طبيعية غير احتفائية، أي بصورة لا تصنع من عناصر الإجرام الإرهابية أبطالا عالميين/ أسطوريين.

هذه رؤيتي من زاوية الانعكاسات المعنوية لتضخيم الإرهابي من خلال إبراز خبر مقتله كمنجز استثنائي، وما يتبع ذلك من تحوله إلى مصدر إلهام لملايين المتدينين التقليديين/ المتطرفين.

أما الزاوية الأخرى فتتعلق بما يعنيه ذلك في مسار حياة الظاهرة الإرهابية ذاتها. بمعنى: هل الإرهاب الديني ظاهرة نشأت على يد البغدادي، أو ارتبط نشاطها وحضورها المتوحش بحضوره كقائد استثنائي غير مسبوق، وبالتالي، فنهايته تعنني ـ بالضرورة ـ نهاية الإرهاب، أو حتى ضموره وانحباسه في صورته الأولى؟

الحقيقة أن البغدادي، وغيره من قادة الظاهرة الإرهابية ليسوا أكثر من أدوات يُعبّر بها الفكر الإرهابي عن نفسه في الواقع. مقتل الإرهابي، أي إرهابي، مجرد إنجاز عابر وهامشي؛ إذا ما قيس بالمنجز المنتظر المتعلق بتفكيك منظومة الفكر الإرهابي. فـ"داعش" لم تأتِ من فراغ، لم تنشأ على أرضية استثناء فكري أو فقهي، أو على ضفاف مدونة عقائدية، ليست عقائدها وشرائعها مجرد هرطقة منبوذة؛ كما هو الحال معها كدولة/ كتنظيم.

كل ما تقوله داعش، وكل ما فعلته وتفعله من سلوكيات في غاية التوحش، مسطور ومشرعن في المدونات الرائجة في الخطاب الديني الإسلامي منذ بدايات عصور التدوين وإلى اليوم. صحيح أنها من المسكوت عنه الآن، من الذي يحاول الوُعّاظ المُتَدَثِّرين برداء العلم الديني صرف الأنظار العمومية عنه، لكن الجميع ـ أقصد الجميع من جماهير المهتمين بالفكر الديني ـ يعرفون أنه موجود في بطون الكتب المعتبرة، وفي مقولات الفقهاء المبجلين على امتداد التاريخ الإسلامي.

قبل سنتين تقريبا، وعندما كانت داعش في قمة توحشها، عندما كانت تُحرق الأحياء بالحركة البطيئة، وتُزهق أرواح الأبرياء رجما بالحجارة، قلتُ: لن يستطيع أحد أن يرصد على داعش ولو فعلا واحدا ليس له سند تاريخي وفقهي في التراث الإسلامي. وقلتُ: كل ما تفعله داعش هو التطبيق العملي لما هو مسطور في الكتب الإسلامية المعتبرة على امتداد العصور.

النقد لطبيعة تعاطي الإدارة الأميركية مع الحدث لا يعني تقليلا من الإنجاز المُتقن

ما تختلف به داعش عن غيرها من حركات التأسلم أنها مارست التطبيق دون أن تداهن أو تماحك أو تراعي هذا الظرف المحلي أو ذاك الظرف العالمي. وقد تحولت داعش إلى مصدر إلهام لكثير من مراهقي المتدينين لهذا السبب، فالشباب المؤدلجون في مقتبل الأعمار يتوفرون على مثالية تقفز بهم على كل الظروف والاستثناءات التي يتعلل بها كهول المتدينين. وداعش هي التطبيق المثالي للنظرية التي نشأ المراهق على تقديسها، ورأى ـ عن يقين عقائدي ـ أن خراب العالم ناشئ عن التنكر لها أو المداهنة فيها.

إذن، الفكر المؤسس لداعش هو الخطر وليست "دولة/ تنظيم داعش" التي تذهب/ تزول وتجيء/ تقوم تبعا للظروف. ليست دولة داعش ولا رموز قيادتها هم الأهم في محاربة الإرهاب، فنشأة داعش صاحبتها ظروف مساعدة، كإتاحة مجال حيوي لها من قبل المستفيدين من وجودها، وكدعم بعضهم لها، بالمال أو بالسلاح، أو بإخراج العناصر الإرهابية من السجون...إلخ عناصر الدعم المقصود وغير المقصود، المباشر وغير المباشر، من قبل أطراف متعددة. وكل هذه عوامل مساعدة تنتهي بانتهاء ظروفها.

بيد أن العنصر الأساس، العنصر الذي يمنح كل هؤلاء المحاربين روح المقاومة حتى الموت، أو حتى المقاومة بالموت، يكمن في الفكر الديني المتطرف الذي يجعل كوادر هذا التنظيم الإرهابي يبذلون أرواحهم في سبيله؛ باعتباره التجسيد العملي لإرادة الله الشرعية في العالم.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.