رئيس البرلمان المصري علي عبدالعال
رئيس البرلمان المصري علي عبدالعال

قانون جديد يضاف إلى لائحة القوانين المقيدة للحريات في مصر، قدمته النائبة غادة عجمي إلى رئيس البرلمان منذ أيام. قانون يليق بدولة مثل كوريا الشمالية التي تسمح فيها السلطات للمواطنين بقائمة من عدد معين من قصات الشعر، لا يمكن لهم أن يصففوا شعرهم من خارجها.

صدمني القانون عندما قرأته لسبيين، الأول هو التعدي الواضح على فكرة الحرية الشخصية للمواطن المصري. والثاني هو كثرة الألفاظ الفضفاضة التي يحتوي عليها القانون. فالقانون إن تم إقراره، من الممكن أن يتم استخدامه لتوجيه تهم مطاطية لأي شخص في أي وقت.

مثلا المادة الثالثة تقول "يجب على كل من يكون في مكان عام احترام القيم والعادات والتقاليد والثقافة السائدة في جمهورية مصر العربية". والسؤال هو ما هي القيم والعادات والتقاليد السائدة في مصر؟ من منا يمكنه أن يحددها في عبارات واضحة لا خلاف عليها، بشكل يجعلها تشريعا قانونيا يحق للدولة معاقبة من يخالفه؟ ولو كان الأمر بهذه البساطة فلماذا لا ينص القانون على هذه العادات والتقاليد في مواده؟

لماذا تتدخل الدولة من الأساس في اختيار ملابس المواطنين؟

وهل هذه القيم والعادات ثابتة وواحدة أم متنوعة ومختلفة؟ فمثلا هل عادات من يعيش في سيناء أو من يعيش في النوبة هي نفس عادات من يعيش في قلب العاصمة أو في حي غاردن سيتي أو المعادي؟

ببساطة هذه النظرة تتجاهل فكرة التنوع والتعددية الموجودة في مصر، ولا ينقصها إلا أن تطالب المصريين جميعا بالوقوف انتباه في طابور عسكري وكأنهم جنود في معسكر.

ولماذا تطالب نائبة برلمانية بقانون لاحترام التقاليد السائدة، في حين أن وجودها في البرلمان هو في ذاته نتيجة مباشرة للتمرد على التقاليد. فوجود المرأة في البرلمان كان ضد التقاليد السائدة منذ حوالي 60 سنة فقط، حتى نجحت نساء عظيمات في كسر هذه التقاليد. نساء مثل درية شفيق ومنيرة ثابت اللتان دافعتا لسنوات عن حق المرأة في الترشح للمناصب السياسية، وراوية عطية التي صارت أول نائبة برلمانية في تاريخ مصر سنة 1957. فلولا هؤلاء البطلات اللاتي قاومن التقاليد بكل جرأة، لكان وجود السيدة غادة في البرلمان من الأصل غير ممكنا ولما سمعنا بهذا القانون العجيب.

نأتي للمادة الرابعة والتي لا تقل كارثية عن سابقتها والتي تنص على الآتي: "لا يجوز الظهور في مكان عام بزي أو لباس غير محتشم أو لباس يحمل صورا أو أشكالا أو علامات أو عبارات تسيء للذوق العام".

والسؤال هنا هو من يحدد ما هو الزي المحتشم؟ فهل أصبحت وظيفة الدولة الآن أن تحدد شكل أو طول الفستان الذي ترتديه المرأة وهي ذاهبة إلى عملها؟ وهل مثلا سيقدم لنا القانون في مسودته، لو تم إقراره، تفاصيل محددة عما هي الأشكال أو العبارات التي تسيء للذوق العام؟ وهل من الممكن لأي جهة أن تحدد ما هو الذوق العام لـ 104 مليون مصري وتضعه في نصوص قانونية؟

ولماذا تتدخل الدولة من الأساس في اختيار ملابس المواطنين؟ ألا يعد ذلك شكلا من أشكال تغول الدولة الواضح على الحريات الفردية؟ ولماذا الهوس بملابس المرأة التي بالطبع ستكون الضحية الأولى لهذا القانون بحجة عدم الاحتشام؟ فربما ما يراه ضابط شرطة مسؤول عن تنفيذ هذ القانون تربى في أسرة محافظة لباسا غير محتشم، تراه سيدة نشأت في مجتمع متحرر نسبيا، لباسا مناسبا جدا لها.

كان من الأجدر بسيادة النائبة أن تقدم قانونا يغلظ العقوبات على التحرش الجنسي، فنسبة التحرش الجنسي في مصر وصلت إلى أكثر من 99 في المئة بحسب دراسة للأمم المتحدة أجريت عام 2013. أو على الأقل أن تقدم استجواب لوزير الداخلية عن سبب عدم التعامل مع بلاغات التحرش الجنسي بالجدية المطلوبة. فلا يخفى على أحد أن كثيرا ما يتم تجاهل بلاغات التحرش أو التعامل معها بعدم جدية من منطلق أن المرأة هي السبب الرئيسي لحصول التحرش بسبب ملابسها غير المحتشمة. فتقديم قانون بهذه الصيغة يعزز من وجهة النظر التي ترى المرأة هي سبب للتحرش وليست ضحية له.

كان بالأولى أن تقترح السيدة غادة قوانين تحمي التعددية والتنوع والفردانية

فضلا عن أن النائبة الفاضلة تحتاج أن تدرك أن تدخل الدولة في تحديد تفاصيل ملابس المواطنين بحجة الحشمة هو شكل من أشكال الفاشية، وأن قوانين مثل هذه كان من الطبيعي توقعها من نظام الإخوان الذي أسس نظام 30 يونيو شرعيته على فكرة إنقاذ مصر منهم ومن فاشيتهم.

فالدولة الآن لن تكتفي بأنها أعطت لنفسها الحق في أن يوقف ضابط أو أمين شرطة مواطنا عاديا في الشارع ويفتش في موبايله، ويطّلع على تفاصيل حياته الشخصية، كما اعتدنا أن نرى مؤخرا. بل ستفتش في ذوقه الشخصي وفي ضميره وتعاقبه لو اختلف ذوقه عن ذوق المشرعين، فيما لو تم إقرار هذا القانون!

الملفت للنظر أن النائبة تمثل المصريين في الخارج، أي تمثل 9.5 مليون مصري يعيشون في دول وثقافات مختلفة، يأثرون فيها ويتأثرون بها، ويحترمون قيمة الاختلاف بحكم حياتهم في مجتمعات غير التي نشأوا فيها. وبناء عليه فقد كان بالأولى أن تقترح السيدة غادة قوانين تحمي التعددية والتنوع والفردانية، لا أن تقدم قانونا يجعل من الدولة رقيبا على أزياء ملايين المصريين.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.