كم هي غريبة الموسيقا! بالفعل، أثبتت أنها اللغة العالمية بلا منازع، التي تستطيع تجاوز كل الحدود الجغرافية دون جوازات سفر، والسريان في القلوب عبر الآذان من دون استئذان.

بلمح البصر، تحول لحن المسلسل التلفزيوني الإسباني "منزل الورق" La Casa de Papel (أو كما ترجم بالإنكليزية Money Heist) إلى نشيد الثورة في لبنان: "بيلا تشاو.. بيلا تشاو تشاو تشاو".

اقترنت كلمات النشيد العربية بجملة رددها المتظاهرون عاليا: "كلن يعني كلن". يطالب المتظاهرون بتنحي جميع أطياف الحكم التشريعية والتنفيذية قاطبة، بغض النظر عن خلفياتها الاجتماعية والحزبية وعن أديانها وطوائفها، ذلك لأن الجماهير موقنة أنها قصرت في القيام بواجبها تجاه الشعب خلال سنين أعطيت خلالها فرصا كافية، مما جعل الشعب اللبناني المشهور بكرامته ونزوعه إلى الحرية يعيش أزمة اقتصادية خانقة وتردٍ متفاقم في الأوضاع المعيشية، من أزمة غلاء إلى انقطاع للكهرباء والإنترنت وصولا إلى أزمة القمامة، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. جاءت استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري خطوة مبشرة بتلبية مطالب المتظاهرين.

من المهجر أيضا، صدحت أصوات كثير من اللبنانيين مؤيدة الانتفاضة الشعبية التي خرج فيها ما يزيد عن مليون ومئتي ألف مواطن في مختلف أنحاء لبنان، من مسيحيين وسنة وشيعة ودروز مطالبين بالتغيير. هكذا، علت أصوات مناصرة من جنيف السويسرية إلى باريس والمدن الفرنسية إلى مدن كندا إلى دول أميركا الجنوبية، دعما لانتفاضة أشقائهم في لبنان.

يظل الخطر الأكبر هو أن تلجأ بعض القوى إلى العنف لتبديد المظاهرات وإدانة المتظاهرين

ربما لن يجدي نشيد "بيلا تشاو تشاو تشاو" نفعا في هداية أولئك المتشبثين بالسلطة إلى الأبد، والجشعين إلى استمرار الحفاظ على المنصب الذي يشبه "البقرة الحلوب"، لكن النشيد يذكرنا بصورة قناع سلفادور دالي الذي أخفى ملامح عصبة شبان سطت على البنك المركزي لتطبع عملة جديدة بالملايين، وتوزع جزءا كبيرا منها على المحتاجين على طريقة روبن هود، فإذا بالقناع يتحول إلى رمز شعبي للثورة يرتديه آلاف المتظاهرين في انتفاضة شعبية ضد الفساد والاستبداد، يندفع بعض الناس المجهولين فيها إلى ممارسة العنف تجاه من يحاول وقف العاصفة بغربال.

يقود عصبة السارقين شاب يطلق على نفسه لقب "البروفسور"، خطط للعملية بدقة لا متناهية منذ زمن طويل. نراه يقيم علاقة عاطفية مع الشرطية التي تتولى التحقيق في أمر السرقة غير الاعتيادية، دون أن تكتشف هويته حتى وقت متأخر. يتعاطف المشاهدون بصورة نادرة في الدراما مع البروفسور، ومع قصة الحب التي تربطه بالشرطية المنشقة على النظام.

اليوم، تناقلت وسائل الاتصال الاجتماعي أرقام حسابات المسؤولين اللبنانيين، فإذا بمختلف الأسماء اللامعة في الحكم كدست مليارات الدولارات في حسابات سويسرية على حساب الشعب المحروم من كثير من المتطلبات الأساسية للحياة، وامتلكت أراض شاسعة وأملاكا واسعة في لبنان.

بالرغم من ظروفه المأساوية خلال ما يزيد عن دزينة من السنين، استطاع لبنان أن يبقى بمعجزة قبلة للسياحة العربية، حيث ظلت فنادقه ومطاعمه تقدم خدمات تباهي بها أمام كثير من الدول العربية والأجنبية. كما استطاع لبنان أن يحافظ على كون بيروت العاصمة العربية الأولى للإعلام والمنوعات عبر صحفه المتباينة في الآراء وعبر برامج محطات التلفزيون المتميزة بجرأتها وإمتاعها معا، حتى تنافست محطات دول الخليج العربية على تسجيل برامج المسابقات الفنية في ستوديوهات بيروت.

ألقى عدة مسؤولين لبنانيين كلمات وعدوا فيها بالإصلاح، إلى درجة أنه تم تداول طرفة على برنامج "واتساب" مفادها: إذا كان كل من عون والحريري وبري وباسيل يزعم أنه مع الثورة، فضد من قامت الثورة إذن؟

الثورات لا تبدأ عادة بسبب مؤامرة خارجية ترشي المنتفضين بقدر ما تتعرض لأن تحاك ضدها مؤامرات عدة فيما بعد

يتابع المواطن العربي من كل مكان في العالم صور المتظاهرين اللبنانيين على شاشات التلفزيون وشبكة الإنترنت، فيدهش للتنوع الغريب غير المألوف فيها. الكبار والصغار، المحجبات والسافرات، المسلمون بطوائفهم المتعددة، والمسيحيون بطوائفهم المختلفة، الإثنيات ممثلة بلا استثناء، ما عدا عناصر بعض الأحزاب الضالعة في السلطة، والتي لا يناسبها أن يحدث تغيير حاسم يهدد مواقعها.

يظل الخطر الأكبر هو أن تلجأ بعض القوى إلى العنف لحرف المظاهرات عن غايتها وإدانة المتظاهرين. الكل يعرف من تجارب الأسبقين أن العنف يولد العنف، وأن الدم يجلب الدم.

الكل يعرف أن عدة ثورات تم اختراقها من قوى مجهولة ذات أجندات مشبوهة، وأن الثورة قد تختطف من قبل جهة أجنبية أو أخرى ذات مصالح ومطامع، وأن الثورات لا تبدأ عادة ـ كما يشاع ـ بسبب مؤامرة خارجية ترشي المنتفضين بحفنة من الدولارات بقدر ما تعرض السلطة نفسها لأن تحاك ضدها المؤامرات فيما بعد، وأن التشويه المتعمد للثوار تكتيك يمارس عن سابق قصد وتصميم من أجل وصم الثورة بالفوضى والإرهاب، وتبرير قمع التظاهر باستخدام القوة المفرطة.

أخاف على الثورة الشعبية في لبنان كثيرا، لأن نجاح لبنان في إحراز تغيير ديمقراطي من شأنه أن يترك تأثيرات بالغة الأهمية على الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

لا ألوم من يخشى على لبنان من حمام دم. وحدها تونس استطاعت أن تخرج من الربيع العربي بثورة بيضاء عندما اضطر رئيسها الراحل زين العابدين بن علي إلى التنحي الفوري ومغادرة البلاد مع أسرته. أما السيناريو المألوف ـ الذي وجدنا له مثالا حديثا في العراق ـ فهو أن يطلق قناصة مجهولون النار على عناصر الجيش أو الأمن ويوقعون منهم شهداء، مما يدفع تلك القوى للدفاع عن نفسها وفتح النار ضد من يشتبهون بأنهم وراء إطلاق النار ليوقعوا بعض المتظاهرين شهداء.

إذا ما أحجمت قوى الأمن والجيش عن ذلك ولجم عناصرها أنفسهم عن التورط بقتل مواطنين عزَّل، يتولى القناصون المجهولون أنفسهم صرع بعض المتظاهرين غيلةً وغدرا.

عندها، تلتهب مشاعر الثأر، ويشهر كلا الطرفين السلاح للذود عن أنفسهم ويتبادلون إطلاق النار دون رادع ضمير. هكذا، يؤجج أوار مؤامرة لإحداث مذبحة توقع ضحايا أبرياء ومغرر بهم من الجانبين المتصارعين، بدلا من انتقال سياسي سلس يحافظ على الأمن والأمان، ويضمن الاستقرار ويخلص البلاد من الفساد المعيق للتطور والازدهار. حتى الآن، من المشرف أن الجيش والأمن في لبنان تحليا بضبط النفس ووقفا حاجزاً دون إثارة الفتنة.

ربما لن يجدي نشيد "بيلا تشاو تشاو تشاو" نفعا في هداية أولئك المتشبثين بالسلطة إلى الأبد

في نهاية فيلم "إنديانا جونز والحملة الأخيرة" يحاول إنديانا (هاريسون فورد) التقاط الكأس المقدس وهو معلق بيد واحدة على حافة هوة سحيقة. يمد والده هنري (شون كونري) ذراعه إليه لإنقاذه من السقوط. يصمم إنديانا الطامح على التقاط تلك التحفة النادرة ليضيفها إلى المقتنيات الثمينة التي خاطر بحياته من أجل جمعها، متناسيا أن المحاولة ذاتها قضت على حياة أخرى في تلك الهاوية العميقة. في تلك اللحظة الحرجة، ينطق الأب بجملة مقتضبة مناشدا ابنه المغامر: "إندي، تخل عنها". توقظ الجملة وعي إنديانا، فيتخلى عن محاولة التقاط الكأس المقدس ويعطي يده لأبيه لينقذ حياته من الموت.

هل يطغى صوت العقل في لبنان كما سبق أن طغى في تونس، ويتخلى الطامحون للسلطة عن سعيهم لنيل المزيد من الكسب غير المشروع؟ أم يساق لبنان عنوة عبر تصرفات غير مسؤولة إلى مصير مشابه لما جرى في العراق الشقيق؟ هل يجري الاكتفاء من السلطة طواعية عبر إحساس وطني صادق ويلبى مطلب التغيير المنشود من قبل الجماهير التي تهتف مودعة أطياف السلطة جميعا من دون استثناء "بيلا تشاو تشاو تشاو"؟

هل يطغى منطق الحكمة من دون أن يضطر المتظاهرون إلى ارتداء قناع سلفادور دالي وإشهار الأسلحة واقتراف عنف عبثي سيؤذي جميع أبناء الوطن الواحد قاطبة من دون استثناء؟ هل تحقن الدماء عبر اللجوء إلى انتخابات نيابية مبكرة تأتي بوجوه تكنوقراطية جديدة تدير البلاد، أم يبقى العباد تحت رحمة جشع لا يرتوي من السلطة، رغم ما يشكله ذلك من تهديد للسياحة، وتعطيل الأعمال التجارية، والمصرفية، وتفاقم للأزمات المعيشية مما يمكن أن يدفع بالبلد العربي الحبيب إلى أتون ربما تستمر ناره متقدة لسنوات؟

Turkish President Recep Tayyip Erdogan speaks during a press conference held after the coordination meeting to fight against…

في أغسطس 2019، أسس ميكاييل يوكسيل، وهو سياسي سويدي من أصول تركية، حزبا جديدا في السويد يدعى "نيانس" (Nyans). أنشأ يوكسيل، العضو السابق في حزب الوسط السويدي الليبرالي الصغير ذي الميول اليسارية، الحزب الجديد بعد إرغامه على الاستقالة على أعتاب انتخاب الممثلين السويديين في البرلمان الأوروبي، وفيها كان يوكسيل مرشحا بارزا. 

وقد أُقصي يوكسيل على خلفية روابطه المزعومة بتنظيم "الذئاب الرمادية" التركي، وهو ذراع الشباب المسلح في حزب الحركة القومية التركي المتطرف الذي كان والده عضوا فيه وشريكا في ائتلاف حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب إردوغان. أسس يوكسيل حزب "نيانس" ليركز بشكل خاص على المسائل التي يعتبر مؤسسوه بأنها تؤثر في مسلمي السويد.

يمثل حزب "نيانس" ومؤسسه دراسة حالة مثيرة للاهتمام بما أن الحزب يشكل نقطة مرجعية جديدة ضمن نزعة مثيرة للقلق في السياسات الأوروبية: يبدي إردوغان والقيادة السياسية التركية اهتماما بالغا في عدد من الأحزاب الأوروبية الصغيرة المنسجمة مع رؤية إردوغان السياسية قيد التنفيذ في تركيا. وفي أوروبا، يحصل ذلك في إطار "استثمار" تركيا الكبير في المحافظة على الروابط السياسية مع الجالية التركية الكبرى في أوروبا، لا بل السيطرة عليها.

تضطلع حكومة إردوغان بدور كبير في بناء جسور اقتصادية واجتماعية ودينية مع الأحزاب الأوروبية التي تعتبرها متوائمة سياسيا مع مصالحها. هذا وقد لخص إردوغان بصراحة سياسته على القناة الألبانية (Albania TV) في يونيو 2017، مؤكدا أنه ما من عيب على الإطلاق في دعم الأحزاب السياسية في دول البلقان والدول الأوروبية الأخرى التي تتشارك عقيدة مماثلة مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يترأسه، وأن "هذه الجهود يجب ألا تثير امتعاض أي طرف".

يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين

إلى جانب الروابط مع إسلاميين معروفين أصلا في السويد، على غرار وزير الإسكان محمد كابلان والناشط يسري خان (اللذين كانا سابقا في "حزب الخضر")، ترتبط منصة "نيانس" أيضا بأحزاب إسلامية أوروبية أخرى يعتبر إردوغان أنها تخدم مصالحه. 

تعمل المنصة جاهدة على جعل المسلمين أقلية متجانسة رسمية بناء على تعريف محدد للإسلام؛ ومنح المسلمين (وفقا لهذا التعريف المحدد) منزلة مميّزة ومحمية يتمتّع بها حاليا اليهود والسكان السويديون الأصليون، لا الأقليات الأخرى؛ واعتبار الانتقادات الموجهة ضد الإسلام جريمة كراهية؛ واعتبار رهاب الإسلام جريمة محددة. 

لا يُعدّ "نيانس" المثال الأول في السويد عن حزب يركز خصيصا على هذه المسائل، بما أن حزب "ياسين" (Jasin)  سبقه في عام 2017، وقد أعلن بصراحة عن نيته اتباع الشريعة، إلا أن الأخير لم يحصد العدد اللازم من التواقيع للمشاركة في الانتخابات الوطنية اللاحقة في السويد. ولكن لا ينبغي الافتراض أن هذه الأحزاب تمثل بالضرورة المسلمين كهيئة موحدة متجانسة، إذ أن أغلبية واسعة من المسلمين في السويد لا تنتمي لأي منظمة مسلمة.

شهدت السويد أيضا جهودا سياسية من قبل الإسلاميين في خلال اتفاق عام 1999 بين حركة "الإيمان والتضامن" ("Tro & Solidaritet") الديمقراطية الاشتراكية و"المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd")، الذي اعتبر مراقبون أنه تابع لجماعة "الإخوان المسلمين" الإسلامية. 

وبموجب هذا الاتفاق، حصل "المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd") على عدد من المراكز الآمنة على قوائم الأحزاب مقابل دعمه للديمقراطيين الاشتراكيين. اعتُبرت هذه التجربة ناجحة للغاية من منظور "الإخوان المسلمين"، ومذاك، تزايد عدد الحركات والجماعات التابعة لـ "الإخوان المسلمين"، وحصلت على تمويل من الخزانة العامة، وفرضت نفسها على أنها أبرز هيئة ممثلة للمسلمين في السويد.

ولكن في البيئة السياسية الراهنة في السويد، يتمتع "نيانس" بحظوظ أكبر بكثير من حزب "ياسين" من ناحية تحقيق تمثيل سياسي، وسيبدأ بالترشح إلى الانتخابات البرلمانية والانتخابات المحلية في ستوكهولم وغوتنبرغ ومالمو المزمع عقدها كلها في عام 2022. وترتكز ميزات "نيانس" على قوة المنظمات المحلية في هذه المدن السويدية الرئيسية الثلاث، كما في مدن أصغر مثل أوربرو وفاكسيو، حيث يعتزم أيضا المشاركة.

روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها

بالإضافة إلى ذلك، شكّل رد يوكسيل على إقصائه من حزب الوسط خير دليل على روابطه المستمرة بأنقرة. فبعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان. 

ففي مقابلة مع وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء، زعم أن حزب الوسط حاول إرغامه على التحدث ضد تركيا. وعندما رفض، واجه مشاكل ضمن الحزب أدت إلى استبعاده. وزعم أيضا أنه طُلب منه التحدث ضد الرئيس التركي إردوغان مباشرة، الأمر الذي رفضه مجددا. وبحسب المقابلة، واجه يوكسيل لهذه الأسباب حملة سلبية في السويد.

ومن المثير للاهتمام أن هذه المزاعم لاقت دعما في الإعلام التركي وليس السويدي، فلو انتشرت هذه المزاعم على نطاق واسع في السويد، لكان من السهل تجاهلها. ولكن بالنسبة إلى جمهور تركي، اعتُبرت هذه المزاعم، لا سيما في غياب أي سياق إضافي، قابلة أكثر للتصديق. ويمكن أيضا الافتراض بسهولة أن منصة "نيانس" لن تشارك قط في انتقاد تركيا في عهد إردوغان.

تشبه قصة يوكسيل قصص أفراد آخرين مؤيدين علنا للإسلاميين بصورة عامة وناشطين في سياسات الأحزاب السويدية خارج حزب الوسط. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك عمر مصطفى الذي كان على وشك أن يُنتخب في المجلس الحاكم للديمقراطيين الاشتراكيين في عام 2013. 

أشارت احتجاجات داخل الحزب وخارجه إلى روابطه المتعددة بالإسلاميين، بمن فيهم دعاة إسلاميين مناهضين للسامية ومعادين للمثليين، فاستقال من الحزب. ومن الأمثلة الأخرى وزير الإسكان السويدي السابق المذكور آنفا محمد كابلان، الذي توجب عليه أيضا الاستقالة عندما أُفيد عن ارتباطه بتنظيم "الذئاب الرمادية"، إذ حضر عشاءً مع أعضاء التنظيم في السويد. 

برزت أمثلة أخرى من مقاطعات الأحزاب المحلية من وقت إلى آخر، وأشارت "اللجنة السويدية الوطنية لمناهضة معاداة السامية" بصورة خاصة إلى أنه غالبا ما يجري التغاضي عن معاداة السامية المنبثقة عن السياسيين والناشطين التابعين للأحزاب السياسية من قبل قيادات الأحزاب في السويد.

في دول أوروبية أخرى، واجهت أحزاب مثل حزب دينك في هولندا انتقادات من العديد من السياسيين الهولنديين البارزين لعلاقاتهم الوثيقة مع تركيا، حيث رفض قادة "دينك" فرصا متعددة لانتقاد سجل إردوغان السيئ في مجال حقوق الإنسان، خاصة منذ محاولة الانقلاب التي حصلت في عام 2016.

لكن روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها، ولاقى ترشحه لحزب الوسط (للانتخابات الأوروبية) تغطية واسعة من وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء. 

بعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان

على وجه التحديد، أقام حملته في بلدة كولو، الواقعة في محافظة قونية التركية، التي هاجر الآلاف من سكانها مذاك إلى السويد، كما هو معروف. وتجدر الإشارة إلى أن والد يوكسيل، أورهان يوكسيل، هو رئيس البلدية السابق لكولو (1999 ـ 2004) وشخصية بارزة في حزب الحركة القومية التركي المتطرف. وبالرغم من أن أورهان ترشح أيضا للانتخابات البلدية اللاحقة في عاميْ 2009 و2014، إلا أنه خسر في المرتين.

رد أورهان على التحديات التي واجهها ابنه في السياسة السويدية من خلال إلقاء اللوم على المعارضة التركية، ما يسلط الضوء أكثر على الروابط القائمة بين السياسة التركية والجالية التركية. فقد وجّه أورهان اللوم إلى حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، وهو حزب الشعب الجمهوري (CHP) وحملات حزب العمال الكردستاني (PKK) المحظور الذي صنّفته تركيا كمنظمة إرهابية، حيث اتهمه بالمسؤولية عن الجدل الدائر في السويد حول ابنه.

قد يحظى يوكسيل أيضا بالمزيد من الدعم الانتخابي في المستقبل مع تعزيز تركيا انخراطها غير المباشر في السياسة السويدية. ويظهر هذا الانخراط بوضوح: في خلال الانتخابات السويدية، يجري تشجيع الأتراك الذين يحملون جوازات سفر سويدية على التصويت في تركيا. 

يجري ذلك تحت إشراف الاستخبارات التركية، وقد توجه سياسيون مثل يوكسيل وكابلان إلى تلك المنطقة لإقامة حملات فيها أيضا. وقد تتلقى الأحزاب التي تُعتبر داعمة للمصالح والحكومة التركية مساعدة بأشكال متعددة. بحسب رئيس التحرير السابق لصحيفة "Today’s Zaman" في أنقرة التي أوقفت اليوم عن العمل، عبد الله بوزكورت، الذي يعيش في المنفى في السويد منذ عام 2016، يُعدّ التصويت المدعوم من قبل الدولة التركية أمرا شائعا أيضا في مختلف أنحاء أوروبا.

تعكس هذه الجهود التوترات السابقة التي أحاطت بالانتخابات البلغارية في عام 2017، إذ برزت تقارير عن الضغط الذي مارسه وزير تركي لصالح حزب "دوست" (DOST)  البلغاري بين المواطنين البلغاريين المقيمين في اسطنبول. فضلا عن ذلك، حرصت تركيا على توطيد علاقاتها السياسية مع أصحاب الجنسية المزدوجة من خلال السماح لأي مواطنين أتراك مقيمين في الخارج بالتصويت في الانتخابات التركية منذ عام 2014، وهذه ممارسة تشجعها بشكل ناشط لدى الجالية التركية في أوروبا، التي تُعتبر في أغلب الأحيان مؤيدة لحزب العدالة والتنمية. 

في الواقع، أتت هذه السياسة بثمارها في خلال الانتخابات التركية الأخيرة في عام 2018 إذ أن حوالي نصف المواطنين الأتراك المقيمين في السويد الذين يحق لهم التصويت والذين صوتوا في الانتخابات التركية، اقترعوا لصالح حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

أدى دعم إردوغان للأحزاب الأوروبية تماشيا مع مصالحه إلى تعزيز نزعة أخرى في السياسات الأوروبية ألا وهي بروز الأحزاب الإسلامية الداعمة لإدراج تقاليد القانون الإسلامي ضمن قانون الدولة العلماني. 

وقد اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة. 

ويبرز هذا التأثير بشكل خاص في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي أسسته جماعة "الإخوان المسلمين"، والذي يشرف على عشرات المنظمات في أوروبا. كما أثارت أحزاب صغيرة، مثل "حزب الإسلام" البلجيكي المؤيد للشريعة، مخاوف بشأن الطرق التي تولي من خلالها الأحزاب الإسلامية الأولوية للشريعة الدينية ضمن منصتها السياسية.

تبرز هذه النزعة على الرغم من أن الأحزاب السياسية الأوروبية المعاصرة، ولا سيّما في اسكندينافيا، غالبا ما تبني عملها على خصائص أساسية للأفكار والعقائد، على الرغم من أمثلة معينة مثل الأحزاب المصطفة مع حركة "الديمقراطية المسيحية" أو الانقسام اللغوي ـ السياسي في بلجيكا. ولكن جماعة "الإخوان المسلمين"، بصفتها أحد الأصوات الأكثر تنظيما في العالم الأوروبي المسلم، نجحت في تقديم نفسها كممثلة حصرية للمجتمعات المسلمة في أوروبا عبر الطيف الأيديولوجي الأوروبي، وقد ساهم التركيز السياسي مؤخرا على سياسة الهوية والتقاطع في هذا النجاح. ويشكل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIOE) خير مثال على هذا التقاطع.

اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة

سرعان ما لاحظت تركيا في عهد إردوغان، الذي غيّر الطابع السياسي العلماني بشكل ملحوظ في تركيا ليصبح أقرب إلى الإسلام في خلال فترة حكمه، المنافع السياسية لقوة الإقناع والنفوذ لدى السياسيين الإسلاميين في أوروبا. 

تبدو الأحزاب السياسية مثل "نيانس" عازمة على حصد ثمار هذه العمليات والانضمام للمجالس التشريعية على الصعيد المحلي وربما الوطني أيضا. ومن الممكن جدا أن تستحصل "نيانس"، في غضون بضع سنوات، على أصوات من الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر وحزب اليسار، وينضم إلى البرلمان أو، على الأقل، المجالس المحلية. ومن المرجح أن يعتبر إردوغان هذه النقلة في السياسة السويدية مكسبا لسياسته تجاه أوروبا.

على هذا النحو، يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين. 

لا يعني ذلك أن الأحزاب لا تعمل على قضايا شرعية أو ليس لديها أسئلة فعلية تستوجب المعالجة. فإلى جانب القضايا الفعلية المتمثلة بالتمييز (الفعلي أو الوهمي) وقضايا الفصل والعزل وافتقار السلطات لسياسات الدمج، سهلت السياسة الرسمية التي تعود لما يقارب 40 عاما والقائمة على تشجيع التعددية الثقافية وتبدية الجماعة على الفرد، وبذلك مناقضة أفكار الدمج والاستيعاب المعروضة أيضا، مهمة الأحزاب على غرار "نيانس" الذي يطالب بجعل الانتماء الديني للفرد، في هذه الحالة، العامل الحاسم في السياسة. بالتالي، يمكن لحزب "نيانس" أن يظهر على أنه "الورقة الرابحة" ويستقطب الناخبين الذين كانوا ليختاروا حزبا تقليديا آخرا في حالات أخرى.

ويعني هذا التطور أنه ينبغي على الهيئات الأوروبية الناظمة للسياسات أن تدرس بشكل معمق ومطول كيف يجب أن تتعامل بناها الديمقراطية مع سوء استخدام السلطة والمحاولات العدائية، خصوصا من قبل القوى الخارجية، لفرض تصنيف إسلامي غير مرغوب به على سكانها المسلمين.

المصدر: منتدى فكرة