طلاب سوريون في مدرسة مدمرة في إدلب
طلاب سوريون في مدرسة مدمرة في إدلب

روى لي صديق لبناني بأسى شديد كيف أن اللاجئ السوري الذي وظفه سائقا لأسرته يرفض رفضا باتا إلحاق أولاده في المدارس. قال صديقي: "حاولت جاهدا أن أقنعه بضرورة إلحاق أبنائه في المدارس من أجل ضمان مستقبلهم، وعدم تركهم أميين يعملون في مهن متواضعة، لكنه ردَّ عليَّ قائلا: ما فائدة التعليم؟ الأفضل أن يساعدني ابني الأكبر في تأمين الرزق وإعالة أسرتنا الكبيرة من الآن. أما البنات، فعليهن مساعدة أمهن بالطبخ وشؤون المنزل وخبز الخبز وزراعة الحديقة. هل ستجعل البكالوريا أو حتى الشهادة الجامعية ابني وابنتي ينالان عملا أفضل في المستقبل؟ أكيد، لا. ليست هناك وظائف في لبنان، ولا حتى في سوريا، إلا بالواسطة والمحسوبيات الطائفية أو الحزبية التي لا نملكها. لذلك، قررت ألا أرسل ابني إلى المدرسة بعد أن تجاوز العاشرة من العمر. يكفيه أنه يعرف كيف يفك الحرف. من الآن وصاعدا، عليه أن يساعدني بتحصيل دخل يعينني على إعالة أمه وأخوته، ريثما أزوج البنات وأرتاح من مسؤوليتهن. هذا أحسن من إضاعته الوقت في المدارس".

أذكر أن سوريا احتفلت بمحو الأمية في عدة محافظات، لكن الثمان سنوات الماضية أدت إلى تدمير عدد هائل من المدارس كليا أو جزئيا. هناك 10 آلاف مدرسة خارج الخدمة، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات، الأولى وهي المدمرة كليا، ويبلغ عددها 5 آلاف مدرسة، بينما تقدر المدارس متوسطة الضرر بـ 2500 مدرسة، والباقي مدارس متضررة بشكل طفيف. السؤال الجدير بالطرح أيضا: هل كان التعليم يسير على شكلٍ ومستوى مرضيين قبل الحرب؟ وهل محو الأمية هو الهدف الأعلى من التعليم، أم أنه الخطوة المبدئية الأولى على طريق طويلة؟

كم هي رائعة عبارة "النجاح الدراسي ليس حقا، بل هو تميز"

هناك نكتة متداولة مفادها أن دعوة وجهت إلى مجموعة من أساتذة الجامعة للقيام برحلة، فجلسوا في الطائرة، التي أغلقت أبوابها، أديرت محركاتها، وصارت على أهبة الإقلاع. فجأة، سمعوا صوت الكابتن يعلمهم أن هذه الطائرة من صنع طلابهم. عندها، هب الأساتذة وتزاحموا على باب الطائرة، متوسلين للمضيفة أن تنزلهم قبل الإقلاع، ما عدا أحدهم، إذ ظل جالسا بهدوء تام. التفت الأساتذة إلى زميلهم وسألوه: "لماذا لا تحاول النجاة بروحك مثلنا؟" أجابهم: "إنهم تلاميذنا الذين صنعوا الطائرة، أليس كذلك؟" صاح به أكبر الأساتذة سنا: "وهل أنت واثق أنك علمتهم جيدا؟" رد الأستاذ بهدوء شديد: "بل أنا واثق من شيء واحد فقط، وهو أن الطائرة لن تطير".

ما زلت أذكر حتى الآن جملة كان يرددها أحد أساتذتي المفضلين في ستينيات القرن العشرين، والذي نشأت بيني وبينه فيما بعد صداقة وطيدة. اعتاد الدكتور غسان المالح أن يقول في ذلك الزمن المبكر: "النجاح الدراسي ليس حقا، بل هو تميز".

كانت تلك فكرة ثورية من غير المألوف والمأمون تردادها في سوريا آنذاك، لأن السلطة لا تستسيغها ولا تراها منسجمة مع الطلاب الذين تكفيهم واسطة حزبية لدخول أية كلية يشاؤون.

للأسف، ما لبث الزمان أن فاقم الحال في السبعينيات حين صارت قفزة بالمظلة كافية ليحتل المدعومون مقاعد المتفوقين في أشد فروع الجامعات السورية صعوبة في القبول، كالطب والهندسة على سبيل المثال.

كانت تلك الظاهرة محاكاةً لعرفٍ مألوف في الاتحاد السوفييتي (سابقا) ونظائره في أوروبا الشرقية. وفي حين أنه لم تكن دول المنظومة الاشتراكية تخلو من بعض الميزات الإيجابية، كالتأمين الصحي والدراسة المجانية وتوفير فرص العمل للجميع، إلا أن المستقى من تقاليدها خارجيا كان ينحو غالبا إلى نقل الظواهر التي سرعان ما تم نبذها في عهد البيروسترويكا.

أذكر أنه عقب ازدهار الدراما التلفزيونية السورية وانتشارها على نطاق العالم العربي، ازداد الإقبال على دراسة التمثيل في "المعهد العالي للفنون المسرحية" في دمشق. بالتالي، صار الهم السنوي التي يتحسب منه أعضاء لجنة القبول هو كيف سيصمدون في وجه الواسطات من العيار الثقيل، متجنبين قبول من لا يستحق القبول لأنه لا يملك الحد الأدنى من الموهبة لدراسة فن التمثيل.

بالطبع، "الابن في عين أمه غزال". من ذا الذي يفكر بموضوعية حول مستقبل الإبداع؟ لا يكترث معظم الآباء والأمهات ولا واسطاتهم المختلفة بأن القبول في ظل غياب الموهبة لن يمكن الطالب من النجاح في الحياة الفنية عقب التخرج، بل سيعاني من الفشل طيلة حياته بسبب الاستسلام لطموح صبياني للشهرة والمال دون مؤهلات كافية.

ذات يوم، شهدت بأم عيني مسؤولا رفيعا يناشد الحكومة التساهل في منح العلامات خلال الامتحانات النهائية لمعهد طبي من أجل إسكات صوت نقدهم السياسي المحتمل. لحسن الحظ، اعترض مسؤول أعلى مقاما على هذا الاقتراح اعتراضا حازما، رافضا الموافقة على أي تنازل في مستوى الامتحان أو التساهل بنتائجه، بل اعتماد النزاهة والانصاف في منح الطلاب العلامات التي يستحقونها، التزاما بأصول وقواعد التعليم الجامعي الموضوعية، خاصة في اختصاص حساس له علاقة مباشرة بالصحة العامة وسلامة البشر.

أمام تفاقم ظاهرة التطرف في مناطق عديدة من العالم، سواء المتقدمة منها أم النامية، أؤمن أن الثقافة هي خط الدفاع المتقدم لصون وعي الأجيال. هناك فرق، بالطبع، بين الثقافة والتعليم. الثقافة مرحلة تأتي بعد التعليم، فليس كل متعلم مثقفا، لأن الثقافة نصيب نخبة من المتعلمين.

لذلك، ربما كان الأجدر من أجل التوصل إلى الهدف المنشود من درء خطر التطرف أن نقول: "التعليم هو خط الدفاع الأول"، وهو ما يمهد الطريق نحو مرحلة الثقافة لبعض المؤهلين للمتابعة، لكن مع ظروف سائق مثل الذي يعمل عند صديقي اللبناني واللاجئين عن وطنهم بعد تدمير آلاف المدارس لا ينفع الكلام بإقناعه على العدول عن فكرته برفض تعليم أولاده، لأن أولوية الإصلاح تكمن في تأمين وظائف لحملة الشهادات الجامعية قبل الثانوية، ولحملة الثانوية قبل الأميين.

لا بد من المتابعة الدؤوبة من الدولة والمنظمات الاجتماعية المحلية والدولية لتطوير التعليم لدى مختلف طبقات المجتمع، وفي كل المناطق، بغض النظر عن الدين والطائفة والإثنية والانتماء الحزبي.

الثقافة هي خط الدفاع المتقدم لصون وعي الأجيال

كم هي رائعة عبارة "النجاح الدراسي ليس حقا، بل هو تميز". لو جرى استيعاب معنى هذه العبارة وتأثيرها المستقبلي، لقام كل مواطن بتبنيها والحرص عليها كأنها مادة من مواد الدستور. يقول المثل الإنكليزي: "بإمكانك أن تجبر الحصان على الذهاب إلى النهر، لكن لا يمكنك إجباره على أن يشرب".

بالتالي، يمكن لأية جهة سياسية أن تقحم طلابا غير أكفاء في فروع لا يستحقون نيل مقاعد فيها حسب مقياس كفاءتهم، لكن من المستحيل جعل أولئك المقصرين دراسيا يتفوقون على أقرانهم من المجتهدين الأذكياء.

بالتالي، ربما يتخرجون ـ مثلما نالوا القبول غير المستحق ـ بفضل المحسوبية، وينجحون كما نقول بالعامية "بعلامات شحط"، إنما لا يغير هذا كون التميز، وليس التحيز، هو الضمانة الحقيقية لتحقيق النجاح في المهنة لدى دخول معترك الحياة العملية.

أما إقحام طلاب غير أكفاء في دراسة اختصاصات متميزة عبر قفزات مظلية أو واسطات حزبية أو دينية أو طائفية فهي مسألة لا تؤدي إلا إلى تخلف المجتمع برمته عبر خفض مستوى التعليم إلى حدود استيعاب أولئك الطلاب غير المؤهلين، ومن ثم تراجع المستوى المهني بعد دخول أولئك الخريجين غير الأكفاء معترك الممارسة العملية. ربما يتحول بعض متوسطي الموهبة إلى أساتذة جامعات ليخرجوا أجيال المستقبل بصورة أدنى من مستواهم، وبالتالي تكبر المصيبة ككرة ثلج متدحرجة من قمة جبل إلى الهاوية.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!