رجال دين يتحدثون داخل جامع الأزهر
رجال دين يتحدثون داخل جامع الأزهر

لم يبدأ عصر التنوير والنهضة الذي أوجد الحضارة الحديثة إلا عندما تم فصل الدين عن الدولة؛ وهذا الأمر لم يقتصر على عدم إجبار أي شخص على اعتناق دين أو معتقد أو تقليد معين، بل شمل عدم خضوع الأنشطة البشرية للمؤسسات الدينية. لكن المرجعيات الإسلامية رفضت هذا الفصل، واعتبرت أنه شأنا غربيا قام فقط لفصل الكنيسة عن الدول الغربية. واتفق سيد قطب والخميني على أن الإسلام دين ودولة وعلى أن الحاكميّة لله، وقال الخميني إن فصل الدين عن الدولة مفهوم وضعه الاستعماريون في أذهان الشعوب.

وانسجاما مع هذه الرؤية الإسلامية قدّمت مؤسسة الأزهر قبل أيام مشروع قانون للأحوال الشخصية، أعدّته هيئة كبار "العلماء"، وكلمة العلماء عند الأزهر تعني رجال الدين، فالعلم عندهم هو التنقيب في كتب الحديث والسيرة التي كتبت بعد عدة قرون من الدعوة، واستخلاص أحكام منها، ثم اعتبار هذه الأحكام قطعيّة وكأنها أتت مباشرة من عند الله.

اعتبر بعض النواب أن اقتراح الأزهر قوانين يعتبر مخالفة دستورية. وقال مثقفون ونشطاء مجتمع مدني وخبراء في حقوق الإنسان والمرأة، إن الأزهر قد تجاوز دوره وتدخّل في عمل المشرّعين وحوّل مصر إلى دولة دينية.

تضمّن قانون الأحوال الشخصية الذي قدمه الأزهر انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان

من جهته، ردّ شيخ الأزهر على هذه الانتقادات بقوله: "حين يكون الوضع متعلقا بقوانين مصدرها القرآن والسنة والشريعة الإسلامية التي هي المصدر الوحيد الذي يمكن أن تنطلق منه أحكام الأحوال الشخصية، لا يصح أبدا ولا يقبل أن يترك الحديث فيها لمن هب ودب"، والمقصود بمن هب ودب علماء الاجتماع وخبراء حقوق الإنسان والقانونيين الذين يبحثون عن أنسب الوسائل لحماية المجتمع والأسرة والمرأة والطفل.

وتابع شيخ الأزهر معتبرا أن إعداد قانون الأحوال الشخصية هو حق يخصّه وحده، ثم استدرك، بما يشبه الاعتراف، بأن التراث الإسلامي غير عادل تجاه المرأة وملقيا مسؤولية ذلك على الله: "أما مسألة الموقف من المرأة فإن الأزهر مبلّغ لرسالة الله، ونحن مسؤولون أمام الله عن ما نقول"، واختتم حديثه بالتلميح إلى أن أي قانون يصدر عن أجهزة الدولة إذا لم يكن بمباركة الأزهر فلن يتقيّد به أحد.

ويدلّ هذا على إصرار الأزهر على تقديم مشروعه، رغم أن جميع القوانين التي تسير عليها الدول العصرية هي قوانين وضعيّة لم تشرّعها المؤسسات الدينية بل البرلمانات، بما فيها القوانين التي تتناول الأحوال الشخصية، وتستند هذه القوانين إلى مفاهيم حقوق الإنسان والمساواة بين البشر، وتتضمن شرعة حقوق الإنسان: "تتخذ الدول التدابير الكفيلة بتساوي حقوق الزوجين وواجباتهما قبل وأثناء وبعد الزواج". كما ضمنت اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة إدماج مبدأ المساواة في الدساتير بحيث تعترف الدول بالمساواة التامة بين جميع مواطنيها وبمساواة المرأة مع الرجل أمام القانون.

وقال الدستور المصري لعام 2014 إنه يتسق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "الذي شاركت مصر في صياغته ووافقت عليه، دستور يحقق المساواة بيننا في الحقوق والواجبات دون أي تمييز"، وتضمنت المادة 53 من هذا الدستور، "المواطنون متساوون لا تمييز بينهم بسبب الدين والعقيدة أو الجنس... وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كل أشكال التمييز".

وعندما تؤكد الدساتير الوطنية للدول على التزامها بميثاق حقوق الإنسان فإن هذا يرتّب عليها نتائج إلزامية إيجاد قوانين تعلو القوانين "الشرعية" الخاصة بالجماعات الدينية، بحيث يتمكن المواطنون الذين لا يريدون أو ليسوا منتمين لإحدى الطوائف من الخضوع للقانون المدني، أي الإطار الأوسع الذي يشمل جميع مواطني الدولة، لأن واجب الدولة هو حماية حقوق مواطنيها إذا تعرضت للانتهاك من التشريعات الخاصة بالطوائف الدينية.

مرجعية الدولة فوق أي سلطة أخرى

وفي مصر يوجد ملايين الأقباط، وهم ليسوا سيّاحا أتوا لمشاهدة الأهرامات بل هم سكان مصر الأصليين. وهناك طوائف أخرى في مصر إضافة إلى من لا يمارس طقوس أي دين، فحسب الشرعة العالمية لحقوق الإنسان لا يجب إجبار هؤلاء على السير حسب الأحكام الشرعية للأزهر، ولذلك يبدو وكأن هدف الأزهر من تقديم مشروعه الحالي هو قطع الطريق أمام مناقشة جدّية لقوانين جديدة للأحوال الشخصية تراعي العصر وحقوق الإنسان المصري.

وكما هو متوقع فقد تضمّن قانون الأحوال الشخصية الذي قدمه الأزهر انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان. فهو لا يؤمن بالمساواة بين المواطنين، ففيه مثلا من المسموح زواج المسلم من مسيحية بينما لا يمكن زواج مسيحي من مسلمة. ويقيّد حرية الاختيار في الزواج وسلطة الإنسان على مشاعره وجسده، كما يتضمن أوضاع تمييزية بين الذكر والأنثى في الحقوق الطبيعية والحقوق العينية، مثل الحق بأن يتزوج الرجل عدة نساء أو أن تكون حصّته في الإرث ضعف حصّة المرأة.

إقرار السلطات المصرية لهذا القانون التمييزي يتناقض مع التزامها مبادئ حقوق الإنسان، ولكن إذا أصرّت المرجعيات الدينية على إجازة تشريعاتها تلك في بعض الحالات الخاصة، انطلاقا من أن عقود الزواج مثل بقية العقود "شريعة المتعاقدين"، وتقوم على قاعدة التراضي والأهليّة، فمن الممكن أن يقوم رجل دين بإقناع إحدى النساء بأن الله سيكافئها في الآخرة إذا سمحت لزوجها بأن يحضر إلى منزلها امرأة أخرى تقاسمها زوجها وكل شيء آخر، أو إذا وافقت على أن يأخذ أخاها ضعف حصتها من الإرث، وفي حال اقتنعت بذلك فمن الممكن أن تعطيه محكمة الطائفة الإذن، وتساعده في الحصول على استثناء من الدولة لهذه الحالة الخاصة، لكن من غير المقبول أن تكون قوانين الدولة نفسها هي التي تشرعن التميز بين الرجل والمرأة.

يجب أن يتوافق قانون الأحوال الشخصية مع مبادئ حقوق الإنسان

وفي جميع الأحوال فإن قوانين الأحوال الشخصية السارية حاليا لم تعد مقبولة، وقال محمد أبو حامد وكيل لجنة التضامن بمجلس النواب "مر 100 عام على القانون الحالي وأصبح لا يتناسب مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها حاليا"، وهذا كلام صحيح، ولكن قيام شيوخ الأزهر بعملية إصلاح هذه القوانين لا يمكن أن يحمل أي تغيير باتجاه الأفضل، خصوصا أنهم أكثر تزمّتا حتى من رجالات الأزهر في بدايات القرن الماضي أيام مفتي مصر المجدد والإصلاحي محمد عبده، ففي وثيقة المبادئ التي وقّعها الأزهر عام 2011 قال شيخ الأزهر أحمد الطيب إنه يريد "دولة مدنية شريطة أن تكون المبادئ الكلّية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع"، والشطر الثاني من هذه الجملة يفرغ الشطر الأول من محتواه، فكيف تكون دولة مدنية وتستقي أحكامها من مصادر دينية؟

يجب أن يتوافق قانون الأحوال الشخصية المنشود أولا مع مبادئ حقوق الإنسان، وأن يعدل بين جميع المواطنين بغض النظر عن دينهم وجنسهم، وأن يؤكد على أن مرجعية الدولة هي فوق أي سلطة أخرى، ممّا يقوّي العلاقة بين المواطن والدولة التي تقف على مسافة واحدة من مختلف أبنائها، وحسب التجارب البشرية لا يمكن الوصول إلى مثل هذا القانون عن طريق رجال الدين.

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة