رجال دين يتحدثون داخل جامع الأزهر
رجال دين يتحدثون داخل جامع الأزهر

لم يبدأ عصر التنوير والنهضة الذي أوجد الحضارة الحديثة إلا عندما تم فصل الدين عن الدولة؛ وهذا الأمر لم يقتصر على عدم إجبار أي شخص على اعتناق دين أو معتقد أو تقليد معين، بل شمل عدم خضوع الأنشطة البشرية للمؤسسات الدينية. لكن المرجعيات الإسلامية رفضت هذا الفصل، واعتبرت أنه شأنا غربيا قام فقط لفصل الكنيسة عن الدول الغربية. واتفق سيد قطب والخميني على أن الإسلام دين ودولة وعلى أن الحاكميّة لله، وقال الخميني إن فصل الدين عن الدولة مفهوم وضعه الاستعماريون في أذهان الشعوب.

وانسجاما مع هذه الرؤية الإسلامية قدّمت مؤسسة الأزهر قبل أيام مشروع قانون للأحوال الشخصية، أعدّته هيئة كبار "العلماء"، وكلمة العلماء عند الأزهر تعني رجال الدين، فالعلم عندهم هو التنقيب في كتب الحديث والسيرة التي كتبت بعد عدة قرون من الدعوة، واستخلاص أحكام منها، ثم اعتبار هذه الأحكام قطعيّة وكأنها أتت مباشرة من عند الله.

اعتبر بعض النواب أن اقتراح الأزهر قوانين يعتبر مخالفة دستورية. وقال مثقفون ونشطاء مجتمع مدني وخبراء في حقوق الإنسان والمرأة، إن الأزهر قد تجاوز دوره وتدخّل في عمل المشرّعين وحوّل مصر إلى دولة دينية.

تضمّن قانون الأحوال الشخصية الذي قدمه الأزهر انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان

من جهته، ردّ شيخ الأزهر على هذه الانتقادات بقوله: "حين يكون الوضع متعلقا بقوانين مصدرها القرآن والسنة والشريعة الإسلامية التي هي المصدر الوحيد الذي يمكن أن تنطلق منه أحكام الأحوال الشخصية، لا يصح أبدا ولا يقبل أن يترك الحديث فيها لمن هب ودب"، والمقصود بمن هب ودب علماء الاجتماع وخبراء حقوق الإنسان والقانونيين الذين يبحثون عن أنسب الوسائل لحماية المجتمع والأسرة والمرأة والطفل.

وتابع شيخ الأزهر معتبرا أن إعداد قانون الأحوال الشخصية هو حق يخصّه وحده، ثم استدرك، بما يشبه الاعتراف، بأن التراث الإسلامي غير عادل تجاه المرأة وملقيا مسؤولية ذلك على الله: "أما مسألة الموقف من المرأة فإن الأزهر مبلّغ لرسالة الله، ونحن مسؤولون أمام الله عن ما نقول"، واختتم حديثه بالتلميح إلى أن أي قانون يصدر عن أجهزة الدولة إذا لم يكن بمباركة الأزهر فلن يتقيّد به أحد.

ويدلّ هذا على إصرار الأزهر على تقديم مشروعه، رغم أن جميع القوانين التي تسير عليها الدول العصرية هي قوانين وضعيّة لم تشرّعها المؤسسات الدينية بل البرلمانات، بما فيها القوانين التي تتناول الأحوال الشخصية، وتستند هذه القوانين إلى مفاهيم حقوق الإنسان والمساواة بين البشر، وتتضمن شرعة حقوق الإنسان: "تتخذ الدول التدابير الكفيلة بتساوي حقوق الزوجين وواجباتهما قبل وأثناء وبعد الزواج". كما ضمنت اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة إدماج مبدأ المساواة في الدساتير بحيث تعترف الدول بالمساواة التامة بين جميع مواطنيها وبمساواة المرأة مع الرجل أمام القانون.

وقال الدستور المصري لعام 2014 إنه يتسق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "الذي شاركت مصر في صياغته ووافقت عليه، دستور يحقق المساواة بيننا في الحقوق والواجبات دون أي تمييز"، وتضمنت المادة 53 من هذا الدستور، "المواطنون متساوون لا تمييز بينهم بسبب الدين والعقيدة أو الجنس... وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كل أشكال التمييز".

وعندما تؤكد الدساتير الوطنية للدول على التزامها بميثاق حقوق الإنسان فإن هذا يرتّب عليها نتائج إلزامية إيجاد قوانين تعلو القوانين "الشرعية" الخاصة بالجماعات الدينية، بحيث يتمكن المواطنون الذين لا يريدون أو ليسوا منتمين لإحدى الطوائف من الخضوع للقانون المدني، أي الإطار الأوسع الذي يشمل جميع مواطني الدولة، لأن واجب الدولة هو حماية حقوق مواطنيها إذا تعرضت للانتهاك من التشريعات الخاصة بالطوائف الدينية.

مرجعية الدولة فوق أي سلطة أخرى

وفي مصر يوجد ملايين الأقباط، وهم ليسوا سيّاحا أتوا لمشاهدة الأهرامات بل هم سكان مصر الأصليين. وهناك طوائف أخرى في مصر إضافة إلى من لا يمارس طقوس أي دين، فحسب الشرعة العالمية لحقوق الإنسان لا يجب إجبار هؤلاء على السير حسب الأحكام الشرعية للأزهر، ولذلك يبدو وكأن هدف الأزهر من تقديم مشروعه الحالي هو قطع الطريق أمام مناقشة جدّية لقوانين جديدة للأحوال الشخصية تراعي العصر وحقوق الإنسان المصري.

وكما هو متوقع فقد تضمّن قانون الأحوال الشخصية الذي قدمه الأزهر انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان. فهو لا يؤمن بالمساواة بين المواطنين، ففيه مثلا من المسموح زواج المسلم من مسيحية بينما لا يمكن زواج مسيحي من مسلمة. ويقيّد حرية الاختيار في الزواج وسلطة الإنسان على مشاعره وجسده، كما يتضمن أوضاع تمييزية بين الذكر والأنثى في الحقوق الطبيعية والحقوق العينية، مثل الحق بأن يتزوج الرجل عدة نساء أو أن تكون حصّته في الإرث ضعف حصّة المرأة.

إقرار السلطات المصرية لهذا القانون التمييزي يتناقض مع التزامها مبادئ حقوق الإنسان، ولكن إذا أصرّت المرجعيات الدينية على إجازة تشريعاتها تلك في بعض الحالات الخاصة، انطلاقا من أن عقود الزواج مثل بقية العقود "شريعة المتعاقدين"، وتقوم على قاعدة التراضي والأهليّة، فمن الممكن أن يقوم رجل دين بإقناع إحدى النساء بأن الله سيكافئها في الآخرة إذا سمحت لزوجها بأن يحضر إلى منزلها امرأة أخرى تقاسمها زوجها وكل شيء آخر، أو إذا وافقت على أن يأخذ أخاها ضعف حصتها من الإرث، وفي حال اقتنعت بذلك فمن الممكن أن تعطيه محكمة الطائفة الإذن، وتساعده في الحصول على استثناء من الدولة لهذه الحالة الخاصة، لكن من غير المقبول أن تكون قوانين الدولة نفسها هي التي تشرعن التميز بين الرجل والمرأة.

يجب أن يتوافق قانون الأحوال الشخصية مع مبادئ حقوق الإنسان

وفي جميع الأحوال فإن قوانين الأحوال الشخصية السارية حاليا لم تعد مقبولة، وقال محمد أبو حامد وكيل لجنة التضامن بمجلس النواب "مر 100 عام على القانون الحالي وأصبح لا يتناسب مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها حاليا"، وهذا كلام صحيح، ولكن قيام شيوخ الأزهر بعملية إصلاح هذه القوانين لا يمكن أن يحمل أي تغيير باتجاه الأفضل، خصوصا أنهم أكثر تزمّتا حتى من رجالات الأزهر في بدايات القرن الماضي أيام مفتي مصر المجدد والإصلاحي محمد عبده، ففي وثيقة المبادئ التي وقّعها الأزهر عام 2011 قال شيخ الأزهر أحمد الطيب إنه يريد "دولة مدنية شريطة أن تكون المبادئ الكلّية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع"، والشطر الثاني من هذه الجملة يفرغ الشطر الأول من محتواه، فكيف تكون دولة مدنية وتستقي أحكامها من مصادر دينية؟

يجب أن يتوافق قانون الأحوال الشخصية المنشود أولا مع مبادئ حقوق الإنسان، وأن يعدل بين جميع المواطنين بغض النظر عن دينهم وجنسهم، وأن يؤكد على أن مرجعية الدولة هي فوق أي سلطة أخرى، ممّا يقوّي العلاقة بين المواطن والدولة التي تقف على مسافة واحدة من مختلف أبنائها، وحسب التجارب البشرية لا يمكن الوصول إلى مثل هذا القانون عن طريق رجال الدين.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.