أعلام لبنانية وعراقية في العاصمة العراقية بغداد
أعلام لبنانية وعراقية في العاصمة العراقية بغداد

منذ نشأة العراق ولبنان، ككيانين مستقلين وفق الثوابت السياسية للموروث العثماني الذي حولته اتفاقية سايكس بيكو إلى دول مستقلة، تقاطعت بينهما الأحداث وترابطت بشكل كسر ثوابت الجغرافيا السياسية التي تفصل بينهما، وباتا يخضعان لتحولات سياسية اقتصادية واجتماعية وثقافية، جعلتهما ـ أي لبنان والعراق ـ أشبه بدولتين محاذيتين يتأثران مباشرة بالأحداث الداخلية والخارجية التي يتعرضان لها.

يتابع العالم اليوم حدثين متشابهين، على الأقل بالشكل، في ساحة التحرير وسط بغداد وساحة الشهداء في بيروت. القواسم المشتركة ما بين المعتصمين في الساحتين ليست وليدة الصدفة السياسية أو الظروف الإقليمية التي فرضت نفسها على المنطقة منذ أبريل 2003، بل هي حصيلة لتراكمات من الأحداث السياسية والعسكرية المحلية الإقليمية والدولية غيرت في تكوينهما السياسي في أكثر من مفصل وغيرت شكل المنطقة في محطات كبرى لم تزل تداعياتها مستمرة حتى الآن.

في التاريخ الحديث، لا يمكن الفصل ما بين إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920 وثورة العشرين في العراق 1920 التي أسست أحداثها لقيام جمهورية العراق سنة 1921.

ثورة العشرين كانت المنعطف الذي على أساسه قامت الدولة العراقية الحديثة

فالأولى قامت وفقا لما عرف بالصيغة اللبنانية "التفاهم ما بين المسلمين والمسيحيين" حيث لعب رأس الكنيسة المارونية البطريرك إلياس حويك دورا بارزا في إنشاء دولة لبنان الكبير، خصوصا مشاركته في مؤتمر الصلح في فرساي سنة 1919 وهناك كان له دور فاعل في قبول دول الانتداب بقيام دولة لبنان الكبير.

وفي كتابه "البطريرك الحويك رحلة في جذور التاريخ" يقول المونسنيور عبدو يعقوب إن البطريرك حويك صاغ مشروعه للبنان الكبير وطن رسالة وشهادة في العيش المشترك الواحد بين كل طوائفه وبين جميع أبنائه في الحرية والكرامة واحترام التعددية، ففي مؤتمر فرساي خاطب البطريرك قادة العالم قائلا: "اسمحوا لي أن أقدم لكم مشروع لبنان الكبير وألفت انتباهكم إلى أن العيش المشترك الذي يشهد له الجميع في اللبنانيين هو ميزة تكشف عن طور عميق عظيم التبعات وهي الأولى في الشرق التي تحل الوطنية السياسية محل الوطنية الدينية".

أما في اللحظة العراقية فقد برز دور المرجعية الدينية الشيعية خصوصا أنصار تيار المشروطة (حكم الدستور والمؤسسات مقابل المستبدة التي تتبع سلطة الفرد ) بعد قرار بريطانيا إعلان انتدابها على العراق في مؤتمر سان ريمو في أبريل 1920، الأمر الذي دفع المرجعية الدينية إلى دعم ثورة العشرين عبر فتوى تعطي الأذن الشرعي بالجهاد دعما للثورة، والتي أصدرها المرجع الأعلى آية الله محمد تقي الحائري الشيرازي، الذي أصدر بيانا يدعو العراقيين فيه للتظاهر السلمي مع المحافظة على الأمن جاء فيه: "بناء على الحرية التي منحتنا إياها الدول العظمى، وفي مقدمتهن الدولتان الفخيمتان إنكلترا وفرنسا، وحيث أننا ممثلو جمهور كبير من الأمة العربية العراقية المسلمة، فإننا نطلب أن يكون العراق، الممتدة أراضيه من شمال الموصل إلى خليج فارس، حكومة عربية إسلامية يرأسها ملك عربي مسلم هو أحد أنجال جلالة الملك حسين، على أن يكون مقيدا بمجلس تشريعي وطني".

وبهذا تكون ثورة العشرين قد شكلت نقطة تحول اجتماعية في التكوين العراقي بين الأرياف والمدنية، بين مجمع المدن والحواضر التاريخي والطبيعة العشائرية لجزء كبير من المجتمع، وكانت المنعطف الذي على أساسه قامت الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 بحدودها المعروفة إلى الآن.

عمليا شهدت مرحلة خمسينيات القرن الماضي ذروة التقارب اللبناني العراقي سياسيا واقتصاديا نتيجة لإنشاء شركة نفط العراق أنبوب كركوك ـ طرابلس في شمالي لبنان؛ أما سياسيا فقد خطط الرئيس اللبناني الأسبق الراحل كميل شمعون إلى التقرب من العراق في مرحلة حلف بغداد لحماية سلطته من التمدد الناصري والمحور الاشتراكي المدعوم من السوفيات.

وتمسك حينها شمعون بمعادلة سياسية تجاوزت منطق الجغرافيا وقامت على فكرة "عراق قوي، لبنان مستقر" وهي المعادلة التي أثبتت صحتها بعدما أثرت أحداث عام 1958 في لبنان والعراق على العلاقة بينهما وعلى استقرارهما السياسي وموقعهما في خريطة التحالفات الإقليمية والعربية.

في تلك السنة، وفي أقل من 24 ساعة على سقوط النظام الملكي في العراق في 14 يوليو، طلب الرئيس كميل شمعون الحماية من الرئيس الأميركي حينها دوايت أيزنهاور، الذي أمر بدوره قوات المارينز بالتدخل لصالح القوات الشرعية بوجه من اعتبروا حينها متمردين على السلطة والمدعومين من القاهرة التي كانت تمارس ضغطا سياسيا على بيروت القريبة حينها من حلف بغداد.

شهدت مرحلة خمسينيات القرن الماضي ذروة التقارب اللبناني العراقي

في ذروة الأحداث العراقية سنة 2003 وسقوط نظام البعث توجهت الأنظار إلى لبنان حيث أجبر النظام السوري على الانسحاب تحت ضغط انتفاضة الأرز بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري الذي لا ينفصل اغتياله عن اغتيال رجل الدين الشيعي المعروف السيد عبد المجيد الخوئي في النجف في أبريل 2003، حيث يمثل الرجلان تيار الاعتدال السني والشيعي الذي كان من الممكن أن يؤسس لمرحلة جديدة في المنطقة.

فالخوئي ينتمي إلى مرجعية النجف التي تدعو إلى اندماج الشيعة في أوطانهم. ورفيق الحريري كان يمثل وجه الاعتدال السني في بلاد الشام والنموذج الاجتماعي والسياسي المطلوب تعويمه بعد تداعيات 11 سبتمبر 2001.

وحديثا يتشابه مصير لبنان والعراق ويتقاطع؛ من سقوط حكم البعث في كلا البلدين إلى خضوعهما للوصاية الإيرانية، التي تواجه اليوم واحدة من أصعب معضلاتها السياسية في مواجهة الأغلبية الشيعية العراقية المدعومة من مرجعية تؤمن بالمشروطية، وفي لبنان تواجه أغلبية شعبية انتفضت على الصيغة الطائفية التي كانت تحاول طهران إعادة إنتاجها وفقا لشروطها السياسية. راهنت إيران على مئوية جديدة، تتغير فيها طبيعة لبنان الكبير، وعلى منع الوطنية العراقية من استعادة الدولة.

(FILES) In this file photo taken on February 4, 2020, Iraqi students hold hands and chant as they march in an anti-government…
تظاهرة طلابية في العراق في فبراير الماضي

قد تُقدِّم الأزمة الاقتصادية التي تحيط بالعراق بسبب تراجع أسعار النفط، وبالتالي انكشاف هشاشة القطاعات الاقتصادية وتبلّد حلولها، لمحة عن المشكلة العراقية، لكنها ليست جوهر المشكلة على أية حال. فسعر النفط سوف يرتفع لا محالة، ويمكن حينها تعويض القطوعات في المرتبات، والمضي قدما نحو ضخ الآلاف من الشباب إلى مكاتب البطالة المقنعة بلا إنتاج، أو لتعظيم أعداد القوات الأمنية والعسكرية المليونية، أو حتى لاستئناف حفلات التقاسم الحزبي التقليدية لصفقات الوزارات وقوت الناس وإهدار المزيد من فرصهم.

الفشل الحكومي الممتد للسنوات السابقة كان قد أوفى نذوره بوضع الحكومة الحالية أمام امتحان سداد مرتبات الملايين من الموظفين والمتقاعدين الذين يعتمدون في حياتهم على رواتب الدولة، وذلك ليس خبرا مفزعا إذا ما كان بداية لولادة رؤية اقتصادية قائمة على تنويع مصادر الدخل، واستثمار طاقات الشباب في الإنتاج الزراعي والصناعي وسط رعاية حكومية. والحقيقة أن هذا التحدي ـ على فداحته ـ لم يكن السبب الذي دفع البيئة الحزبية العراقية إلى إنتاج حكومة من خارج سياقها وأمومتها الكاملة.

الصراع الأميركي ـ الإيراني، على ما اكتنف من خطورة، ليس بدوره أساس المشكلة العراقية، فقواعد الاشتباك تتغير إقليميا ودوليا باستمرار، ومن يتهم الحكومة الحالية اليوم بأنها أميركية، قد يتهمها غدا بأنها إيرانية، لأنه ينطلق، في نهاية المطاف، من رؤية كانت على الدوام تحلل الحدث العراقي بمعزل عن صيرورته الذاتية، متجنبة طرح المسائل الكبرى التي تدفع ببلد تاريخي مثل العراق إلى أن يكون مجرد قضية إقليمية ودولية.

لم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم

يمكن المجادلة طويلا مع "الخبراء" الذين جمعوا أذيال السياسة والإعلام والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس في وسائل التواصل الاجتماعي، لتقديم الدروس والعبر والنصائح منذ اليوم الأول لتشكيل حكومة مصطفى الكاظمي، كما يمكن القبول باستشراء القفز الحر إلى الاستنتاجات استنادا إلى الأمنيات حينا وإلى التخندق أحيانا أخرى، لكن لا يمكن أبدا القبول بانطباع مُشوَّش يفترض أن مجرد تشكيل حكومة الكاظمي قد جعل الأزمة العراقية المركبة وراء ظهر العراقيين وليس أمامهم.

يمكن القول إن تظاهرات تشرين، قد أوضحت بدورها عن بعض مكامن اللحظة العراقية الحرجة التي يمكن اختصارها بعبارة: "انعدام الثقة بين المجتمع والدولة".

ليس الأمر وكأنه نحتٌ لعبارات مكررة، بل هو حفرٌ في حقيقة المسكوت عنه طوال عقود في العلاقة غير المكتملة بين الدولة العراقية وشعبها.

على الدوام كان انعدام الثقة دافعا لتكريس مواقف سياسية ومن ثم اجتماعية، عرقلت اكتمال مفهوم الدولة في العراق، ولم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم.

ولهذا، كان بالإمكان دائما القول بأن الدولة العراقية لم تثق بكل شعبها في أيٍّ من مراحلها، ولهذا أيضا، كانت تلك الحماسة الطاغية لعقود حول عروض الدولة الوطنية لفئات ومكونات اجتماعية في مقابل معارضة طاغية ودامية لفئات أخرى. ولهذا، لم تنجح قوى الإسلام السياسي الشيعي باستيعاب سيطرتها الفعلية على الحكم في العراق بعد 2003 واستمرت تفترض أن وجود المنظمات المسلحة على هامش الدولة وليس ضمن مؤسساتها التقليدية هو ضامن للطائفة، كما أن القوى الكردية لم تصدّق يوما أن العراق هو دولة يمكن تبادل الثقة معها إلى درجة دمج القوى المسلحة الراعية للقومية في الجيش الوطني، ولهذا انقلبت القوى السنية من التبشير بنسختها الخاصة من مفهوم الوطنية العراقية المستند إلى إرث من محاولة إجبار الآخرين على قبولها بالقوة، إلى انتظار لحظة الانفكاك عن الوطن نفسه!

ليست لحظة العراق العصيبة خلف العراقيين، بل هي أمامهم. بإمكانهم اليوم مع تشكيل حكومة افترضت نفسها نتاج أزمة بنيوية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، وليست صنيعة صيرورات ديمقراطية طبيعية، طرح الأسئلة بصوت مرتفع على الحكومة وعلى الأحزاب وعلى أنفسهم، حول ماهية الدولة، وكيف يمكنها أن تعيد ترميم الثقة المفقودة معهم، وصولا إلى تسليم السلطة إلى نتائج قوى منبثقة من انتخابات عادلة نزيهة.

ليست المرة الأولى التي تقف فيها دولة 2003 أمام امتحان الوجود، وليست المصيدة الأولى أمام الخريطة العراقية، فقد كان الفشل بإنتاج نظام عدالة انتقالية حقيقي كفيلا بتحويل القطيعة مع الماضي البعثي إلى نظام مصالح متجذر أكثر منه مشاعر حقيقية، وكان الفشل في تقويض التلاعب بالنزعات العاطفية المذهبية والقومية كفيلا في بناء منظومات سياسية ربطت مصيرها بهذا التلاعب، وتنازلت عن سلطة قرار العراق طوعا إلى الأجنبي، وكان الفشل في معالجة الاقتصاد الريعي، كفيلا ببناء منظومة فساد تسرطنت في الدولة حد المجازفة بقتلها.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة

العجز عن استعادة ثقة الشعب العراقي بالدولة، لم ينقذه حديث الفاعل الشيعي أمام جمهوره عن ضمان الحكم للشيعة، ولم يعالجه تبشير الفاعل الكردي أمام جمهوره بخريطة رسمت عام 2017 على ورقة استفتاء، ولم يغفر له تلويح الفاعل السني لجمهوره بإنشاء الإقليم.

الحقيقة أن إخفاق الدولة في اختبار الثقة لم يغفره العراقيون لكل ساستهم، وكانت انتفاضة تشرين لمحة فقط من ذلك الغضب الخطير الذي تكثف عبر السنوات وتحول إلى كَربٍ شعبي مزمن، يعبّر عن نفسه بلمحات مقلقة.

الوقت المستقطع الذي منح العراق فرصة تنفس مؤقتة، وضع ورقة اختبار النوايا لحكومة الكاظمي منذ يومها الأول على الطاولة، لكنه جاء في أسوأ ظروف ممكنة، بسبب أزمة كورونا، وما تبعها من انهيار اقتصادي عالمي. إنه وقت ثمين جدا، يجب دعمه بتنازلات حزبية جادة وحقيقية تصل إلى الاعتراف بطيّ صفحة بأكملها وفتح أخرى، في مقابل تفهم شعبي.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة، وذلك لن يكون من دون أن تبدأ الدولة أولا باستعادة الثقة بشعبها، كلِّ شعبها.