طلاب في دمشق عام 1973
طلاب في دمشق عام 1973

ما زلت أحتفظ بذكرى طيبة بعد ما يزيد عن نصف قرن عن أستاذة شابة جاءتنا إلى قسم الأدب الإنكليزي في جامعة دمشق قادمة من إيرلندا إبان دراستي الجامعية الأولى. أرهبتنا الصبية الآيرلندية، رغم أن عمرها لم يكن يزيد كثيرا عن أعمار طلابها.

صرنا نبذل جهدا مضاعفا لتجنب ارتكاب الأخطاء في دروسها كي لا نتعرض إلى فورة غضبها الجامح. كانت وجنتا "مس كونولي" تتضرجان بحمرة دموية وهي ترشق المقصر في كتابة وظيفته بوابل من الكلمات الجارحة أمام مسمع وأنظار الزميلات الحسناوات.

في الواقع، إضافة لتميز أساتذتنا السوريين والفلسطينيين آنذاك، تعلم جيلنا القدر الكبير من مدرستنا الآيرلندية ومن عديد من الأساتذة الأميركيين الزائرين عبر برنامج التبادل التعليمي الأميركي المسمى "فولبرايت".

أذكر أن واحدا من أساتذة تلك المرحلة ـ كنا نناديه بروفسور ديماري ـ أثبت موهبته الشعرية بأن طبع خلال تواجده في سوريا ديوانا صغيرا بالإنكليزية يضم قصائد تغنى فيه بدمشق القديمة وآثار تدمر العريقة وسواها من المعالم الحضارية. كما أذكر أستاذا آخر يدعى البروفسور ليزنبي درسنا الأدب العالمي، وبروفسورا آخر يدعى كيرك درسنا الشعر الحديث.

كانت اللغة الأجنبية عند حملة البكالوريا السورية متواضعة المستوى

الحق يقال، لولا تواجد أولئك الأساتذة لنقصت معرفتنا بالأدب مراحل. عقب حرب 1967، أوقف برنامج فولبرايت فجأة لسنوات عديدة، وكأن المسؤول عن النكسة ليس سوى أولئك الأساتذة الذين بذلوا جهودا مخلصة لتعريف الشباب السوريين بالثقافة الأنكلوساكسونية، وأعطونا صورة عملية عن كون الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وشجعونا على خوض النقاشات الحامية بحرية من دون ترهيب.

بالطبع، كانت اللغة الأجنبية عند حملة البكالوريا السورية متواضعة المستوى، ولولا قسوة الانتقاد من المدرسين، وخشية الطالب ليس من الرسوب فحسب، وإنما من التعرض لتأنيب لاذع أمام الجنس الآخر، لما أفلح جيل الشباب في التقدم الدراسي آنذاك. لا شك أن الانفتاح على استقبال أساتذة أجانب يزيد من فرص التواصل العميق مع الثقافات الأجنبية، بل يضاعف تفهم الطلاب للثقافة ضمن بيئتها التاريخية والاجتماعية والسياسية. 

يتناسى منتقدو تعلم اللغات الأجنبية أن تجربة الجزائر في التعريب عقب نيلها الاستقلال من فرنسا تمت من خلال جلب أساتذة من البلدان العربية، وكان إسهامهم مثمرا. كما أرسلت الجزائر عديدا من شبابها لدراسة الأدب العربي في جامعات مصر وسوريا، فأصبح بعضهم فيما بعد من ألمع أدباء الجزائر باللغة العربية.

اليوم، أصبحنا نرى اتجاهين متناقضين ضمن كتلتين من البلدان العربية. الاتجاه الأول منهما يعمد إلى تغليب اللغة الأجنبية في التعامل والتداول على اللغة العربية، ومحاولة تكريسها في الجامعات، وحتى في الحياة العامة، وهو أمر لا أحبذه شخصيا.

أما الاتجاه الثاني السائد في الكتلة الأخرى، فهو مقاومة الانفتاح على تعلم اللغات الأجنبية تحت ذرائع سياسية واهية، علما بأن اللغة العربية نفسها تراجعت لدى الشباب، وهو أمرٌ أسوأ من السابق.

صدق المثل القائل: "العلم في الصغر كالنقش على الحجر". كلما كان عمر الطالب الذي يبدأ بتعلم اللغة يافعا، ازدادت فرص إتقانه للغة الأجنبية. للأسف، تحظر بعض الدول على اليافعين تعلم لغة أجنبية قبل بلوغ سن الشباب. هكذا، بالرغم من السماح بإنشاء عديد من المراكز الثقافية الأجنبية في دمشق وممارستها لأنشطة ثقافية وفنية، إلا أن الأطفال يمنعون منعا باتا من ارتيادها، وبالأخص من التسجيل في دورات دراسية لتلقن أية لغة أجنبية في أحدها. 

التقيت في عام 2011 بمسؤول ألماني رفيع المستوى في برلين، سألني باهتمام بالغ: "لماذا لا يُسمح للطلبة السوريين دون سن 18 سنة بتعلم اللغة الألمانية في معهد غوته؟" في الواقع، لم يكن لدي جواب، نظرا لأن تلك المسألة تقع خارج نطاق صلاحياتي.

استفسرت عن الأمر عقب عودتي، فوجدت المنع يسري على "معهد غوته"، "المركز الثقافي الفرنسي" و"المركز الثقافي البريطاني" و"معهد سرفانتس" وسواها من مراكز ثقافية تقيم دورات لتعليم لغات أجنبية مختلفة.

بدا هذا غريبا في ظل ازدياد رغبة عديد من العائلات بتعليم أطفالها منذ الصغر لغة أجنبية تسهل عليهم دراستهم الجامعية العليا عندما يكبرون ويذهبون للتخصص في فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا أو سواها من البلدان.

تساءلت: ما هو المانع في أن يتعلم الأطفال، إلى جانب دراستهم الرسمية باللغة العربية، لغة أجنبية أو أخرى؟ ما الذي يحول دون أن يتقن اليافع لغة إضافية إلى جانب لغته الأم بحيث تنفتح أمامه فرص المستقبل، خاصة أن كثيرا من المعلومات المتوفرة عبر شبكة الإنترنت متوفرة بالإنكليزية أو الفرنسية أو الإسبانية أو الألمانية أو سواها من لغات، إضافة إلى اللغة العربية؟

الاتجاه الثاني السائد هو مقاومة الانفتاح على تعلم اللغات الأجنبية تحت ذرائع سياسية واهية

لم أجد جوابا شافيا، بل اصطدمت بعقلية قوامها الشك والريبة. لحسن الحظ، تمكنت من الإقناع بأن يُسمح بإقامة دورات تعليم لغة أجنبية للأطفال واليافعين، لأن حظر ذلك التعليم المبكر يشبه السباحة عكس التيار، فالعالم في القرن الحادي والعشرين يسير نحو مزيد من الانفتاح والتبادل المعرفي.

الحق يقال، وجدت من يحاول السعي في هذا الاتجاه المنفتح، إنما بخشية ممن يضعون العصي في العجلات. بالتالي، أعتقد أن الأمر يتطلب قرارا صريحا وخطة قومية شاملة.

ذات يوم، ذهبت متوسطا أحد معارفي أن يتلفن لمسؤول رفيع عن التربية كي يسمح لولديَّ أن يلتحقا بمدرسة أجنبية في دمشق، معظم منهاجها التعليمي باللغة الإنكليزية، وذلك لرغبتي في جعلهما يتابعان دراستهما خارج البلاد، كما حدث فعلا فيما بعد.

وبالرغم من إجازة تلك المدرسة رسميا، بل منح الدولة لها قطعة أرض كبيرة أنشأت عليها مبانيها الحديثة، وبالرغم من تسجيل عديد من الطلبة السوريين فيها، وبالرغم من أن اللغة العربية مادة إضافية إجبارية مقررة على جميع الطلاب السوريين فيها، جاء جواب المسؤول التربوي الرفيع للرجل الذي تلفن متوسطا إنه من غير المسموح للطلاب السوريين أن يدرسوا باللغة الإنكليزية في مثل تلك المدارس إلا إذا كانوا من أبناء الدبلوماسيين حصرا ـ ولم أكن دبلوماسيا بعد. تساءل المتصل بدهشة عن السبب، فأتى الجواب الغريب: "لأننا نخاف من تأثرهم بثقافة غريبة تضعف انتماءهم للوطن".

انتفض المتصل وقد انتابه غضب عارم، وقال: "يا رجل، ابني تخرج من تلك المدرسة، فهل تتهم ابني بأنه عميل أجنبي؟" الطريف في الأمر أن تلك المدرسة لم تكن أميركية، ولا حتى تنتمي إلى دولة أوربية، بل كانت مدرسة تنتمي إلى بلد إسلامي صديق!

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.