مطالبات لأعضاء مجلسي النواب والشيوخ عن المصريين في الخارج بسرعه التحرك للإفراج عن المصريين النوبيين المحتجزين في السعودية
مطالبات لأعضاء مجلسي النواب والشيوخ عن المصريين في الخارج بسرعه التحرك للإفراج عن المصريين النوبيين المحتجزين في السعودية

"إهانة الرموز التاريخية" هو مشروع قانون يناقشه مجلس النواب المصري حاليا، سيجعل من مناقشة أو نقد الشخصيات التاريخية أو الدينية جريمة محتملة. ويهدف، من وجهة نظر من يدافعون عنه، إلى حماية الرموز التاريخية، بمعاقبة كل من يتعرض لها بالإهانة، على حد وصف القانون، بالحبس لمدة تصل إلى خمس سنوات أو بغرامة تصل إلى نصف ميلون جنيه مصري.

والرمز بحسب نص مشروع القانون، الذي قدمه النائب عمرو حمروش، هو أي شخص تم ذكره في الكتب، ولا نعلم أي كتب مقصودة هنا. فهل أي اسم تم ذكره في أي كتاب مدرسي مثلا هو رمز لا يجوز انتقاده؟ أما الإهانة فهي كلمة مطاطة وغير معرّفة في مشروع القانون. ولكن يبدو لي أنها وصف هذه الشخصيات بصفات تتعارض مع الرواية الرسمية أو المتعارف عليها شعبيا.

كيف للمجتمع المصري أن يتطور لو تم تجريم النقد؟

وكما يقال، التاريخ يكتبه المنتصرون. وبناء عليه فمن يظن أن هناك نسخة واحدة كُتبت بحيادية للتاريخ هو بالتأكيد مخطئ. لنتذكر، على سبيل المثال، كيف تناول الإعلام ما حدث في يناير 2011 قبل عزل مبارك وبعده. فقبل 11 فبراير وخصوصا في بداية التظاهرات، هاجم الإعلام الثوار. بل وادعى طلعت زكريا، الممثل الراحل، على شاشات التلفزيون أنهم كانوا يقيمون "علاقات جنسية كاملة" في ميدان التحرير. لكن بمجرد تنحي مبارك احتفى بهم الإعلام واعتبرهم أبطالا.

فإذا كانت الأحداث التي عاصرناها بأنفسنا وكتبنا عنها على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحتفظ بذاكرة يمكن الرجوع إليها وقتما نشاء، تبدلت وتغيرت رواياتها باختلاف موازين القوة، فما بالك بما حدث منذ مئات السنين، حيث لا وجود للإنترنت أو وسائل التدوين الحديثة أو معايير التدقيق كما في عالمنا اليوم.

والحقيقة أن هناك فارقا كبيرا بين ما تخبرنا به الكتب المدرسية وما تصوره لنا الأفلام وبين ما ذكرته كتب التاريخ. فمثلا "الأسلحة الفاسدة" لم تكن فاسدة ولم تقتل الجنود المصريين في حرب 1948، كما صور لنا فيلم "رد قلبي". وصلاح الدين لم يعالج ريتشارد قلب الأسد. ولم يطلب من جنوده تهنئة عيسى العوام بعيد الميلاد، كما صور لنا فيلم "الناصر صلاح الدين" المليء بالمغالطات التاريخية، فعيسى لم يكن مسيحيا بل مسلما.

كما أن الرغبة في تأليه شخصيات تاريخية معينة باعتبارها رموزا وطنية أو دينية وشيطنة كل من خالفها، على طريقة تصوير كفار قريش في الأفلام بحواجب ثقيلة ووجوه عابسة هي طريقة تناسب تأليف حكاية لطفل عمره 6 سنوات. فهي تفترض أن المتلقي عقيلته بسيطة وعاجزة عن تقبل فكرة أن الحياة ليست مجرد أبيض وأسود، بل بها الكثير من المتناقضات والمناطق الرمادية.

فعلى سبيل المثال، زعيم الأمة سعد زغلول الذي ناضل من أجل استقلال مصر، كان مدمنا القمار وخسر بسبب ذلك مبالغ طائلة كما ذكر في مذكراته بنفسه. فهل ينفي ذكر ذلك دوره التاريخي والبطولي؟ بالتأكيد لا ولكنه ببساطة يجعل منه بشرا وينفي عنه صفة الملائكية.

ثم كيف للمجتمع المصري أن يتطور لو تم تجريم النقد؟ فكل الشعوب التي تقدمت راجعت تاريخها وأعادت قراءته بل واعتذرت عن أحداث. فلك أن تتخيل مثلا ماذا كان سيحدث لو احتفظ الشعب الألماني بصورة هتلر كـ"زعيم ملهم" بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. أو لو احتفظ الشعب الأميركي بنفس النظرة العنصرية للسود التي بررت جرائم مثل العبودية والفصل العنصري دون مراجعة.

ولهذا فإن إعادة قراءة التاريخ ونقد الشخصيات التاريخية، حتى وإن كان نقدا لاذعا، إنما هو ضرورة لتطوير الوعي الجمعي، وتطوير فهمنا لماضينا وهويتنا ومن ثم حاضرنا ومستقبلنا. ففي كتابه الشهير "عن الحرية" يوضح الفيلسوف البريطاني الشهير جون ستيوارت ميل أن حرية التعبير والنقد هي الشيء الوحيد الذي يفرز لنا الأفكار أو الآراء الصائبة من الخاطئة.

لا أدري لماذا إصرار البعض على معاملة المواطنين المصريين على أنهم أطفال قُصَّر

فالنقد بمثابة امتحان تمر فيه الأفكار، فلو قاومت وانتصرت فهي تعيش وتستمر، أما لو انهارت أمام النقد فهي لم تكن تستحق أن نؤمن بها منذ البداية. فكأن النقد هو الرياح الشديدة التي تفرق بين البيت المبني على أساس متين وبين الكوخ الهش الذي من الممكن أن ينهار خلال دقائق، فلو فرضا منعنا الرياح لما استطعنا أن نميز بين الاثنين.

وبناء على هذا المبدأ فإن أي قانون يتم وضعه لحماية أي أفكار من أي نوع هو بمثابة اعتراف ضمني بهشاشة هذه الأفكار التي لا يمكن لها أن تصمد أمام النقد. فقانون الرموز التاريخية مثلا هو اعتراف ضمني بالرغبة في حماية روايات تاريخية معينة ربما تنهار لو تعرضت للنقد، بل وربما يتم روايتها بأسلوب معين لخدمة أهداف سياسية محددة.

وحقيقة لا أدري لماذا هناك إصرار من البعض على معاملة المواطنين المصريين على أنهم أطفال قُصَّر لا يمتلكون القدرة على التفكير النقدي وكأنهم يقولون لهذا المواطن البالغ نحن سنفكر عنك ونقرر لك ماذا عليك أن تصدق وما لا تصدق؟

ولا ينقصنا هنا إلا أن يخرج علينا صاحب فكرة هذا القانون العجيب بجهاز يتم تركيبه فوق رأس كل مواطن ليراقب أفكاره وتصوراته، كي نحاكمه عليها عندما يفكر في فكرة لا تعجبنا!

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.