فجأة برزت روسيا كدولة لا غنى عنها في الشرق الأوسط. إذ عززت حكومة الرئيس فلاديمير بوتين وجودها الإقليمي، خلال الأسابيع القليلة الماضية، عبر سلسلة من التحركات الاستراتيجية المحنكة واستغلال الفرص الجيوسياسية الجديدة غير المتوقعة في المنطقة.

الأمر الأكثر وضوحا هنا، هو أن قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المفاجئ بسحب القوات الأميركية من الشمال السوري، في الشهر الماضي، كان بمثابة الهدية بالنسبة للكرملين، وهو ما سمح لروسيا بفرض نفسها كوسيط بين الأكراد والنظام السوري، لتقوية نظام الدكتاتور السوري بشار الأسد، وتحسين جاذبيتها كشريك استراتيجي يمكن لدول الشرق الأوسط الأخرى الاعتماد عليه. الأمر غير المفاجئ، أن المحللين الروس وصفوا قرار الإدارة الأميركية بأنه "هدية غير متوقعة لبوتين".

لم يضيع الرئيس الروسي أي وقت في اغتنام الفرصة. وبعد أيام قليلة من توغل تركيا في سوريا، في 9 أكتوبر، التقى في مدينة سوتشي على البحر الأسود مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمناقشة تطورات الصورة الإقليمية المتغيرة. نتج عن اللقاء اتفاقية جديدة لتقاسم السلطة بين موسكو وأنقرة ـ وهي اتفاقية تحيّد الولايات المتحدة من الصورة الاستراتيجية الإقليمية المتغيرة.

تحاول موسكو توسيع ارتباطها بالمنطقة كوسيلة لتهدئة الأقلية المسلمة في روسيا

لكن المناورة الإقليمية لروسيا لم تتوقف عند هذا الحد. بالتوازي مع التطورات الاستراتيجية في بلاد الشام، تحاول روسيا أيضا إعادة تشكيل علاقتها السياسية مع دول الخليج. وفي أعقاب قمة سوتشي مع إردوغان، قام بوتين بزيارة دولة، تم تسويقها إعلاميا بشكل كبير، إلى المملكة العربية السعودية للقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وغيره من كبار المسؤولين السعوديين.

هذه الرحلة، وهي الأولى لرئيس روسي منذ أكثر من عقد، أسفرت عن عدد كبير من العقود التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات في مجال التعاون والاستثمار عبر قطاعات متعددة، بما في ذلك الأمن ومكافحة الإرهاب وتكنولوجيا الطيران والفضاء والنفط.

أشار بوتين خلال حفل التوقيع إلى أن روسيا "تولي أهمية خاصة لتنمية العلاقات الودية والمنفعة المتبادلة مع المملكة العربية السعودية".

ما هو الدافع خلف تنامي الوجود الإقليمي لروسيا؟ من الناحية الاقتصادية، من الواضح أن موسكو ترى فرصا هائلة في الشرق الأوسط الكبير. وكما لاحظت آنا بورشيفسكايا من معهد واشنطن، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجتمعة هي الآن ثاني أهم سوق أسلحة بالنسبة موسكو ـ حيث تبلغ مبيعاتها السنوية من الأسلحة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 21 مليار دولار.

ويعد الشرق الأوسط أيضا هدفا رئيسيا لدبلوماسية الطاقة التي يعتمدها الكرملين. وفي السنوات الأخيرة، تشاركت الحكومة الروسية مع عدد من الدول الإقليمية من خلال العديد من المشروعات المشتركة والشراكات التجارية الثنائية وعبر أوبك ـ كل ذلك بهدف تحسين موقعها العالمي في مجال الطاقة وفرض نفوذها على دول أوروبا، والتي تعد من المستهلكين الرئيسيين لطاقة الشرق الأوسط (وروسيا).

قبل انهيار خلافة "داعش"، صنفت روسيا كأكبر مساهم منفرد للمقاتلين الأجانب

ولكن، تماشيا مع القول المأثور القديم بأن "كل السياسات محلية"، فإن لسياسة روسيا في الشرق الأوسط بُعدا داخليا واضحا. ببساطة، تحاول موسكو توسيع ارتباطها بالمنطقة كوسيلة لتهدئة الأقلية المسلمة في روسيا، التي تزداد حماسا وقوة.

ذلك لأن روسيا اتبعت لسنوات ما يمكن وصفه بأنها سياسة "شيعية بالصدفة" في سوريا؛ في حين أن الغالبية العظمى من سكان روسيا المسلمين، البالغ عددهم 21 مليون نسمة، هم من المسلمين السنة، كما أن الشركاء الاستراتيجيين لروسيا في المنطقة هم منذ فترة طويلة: جمهورية إيران الإسلامية ونظام الأسد في سوريا. لطالما كانت هذه الحالة موضع استياء بين مسلمي روسيا. لكن خلال السنوات الخمس الماضية، تحولت إلى مشكلة استراتيجية حقيقية بالنسبة للكرملين.

في الواقع، أدى قرار روسيا الرسمي بالتدخل في الحرب الأهلية السورية في سبتمبر 2015 إلى مطالبة العشرات من رجال الدين السعوديين بتوسيع "الجهاد" الحالي ليشمل "التحالف الصليبي/الشيعي" بين روسيا وإيران. وفعل كل من فرع تنظيم "القاعدة" في سوريا و"الدولة الإسلامية" الشيء نفسه، ودعوا إلى شن هجمات إرهابية داخل روسيا نفسها كتدبير انتقامي ردا على تورط موسكو في سوريا.

بالنسبة لروسيا، يمثل هذا النوع من الخطاب تهديدا حقيقيا. يمثل المسلمون في روسيا اليوم نسبة متزايدة من سكانها البالغ عددهم 146 مليون نسمة. ونتيجة لتهميشهم واضطهادهم من جانب حكومة بوتين القومية المتطرفة، أصبح هؤلاء أكثر تطرفا وتعبئة.

قبل انهيار خلافة "داعش"، صنفت روسيا كأكبر مساهم منفرد للمقاتلين الأجانب في "الجهاد" في سوريا، وكانت الروسية هي اللغة الثالثة الأكثر شيوعا بين المقاتلين في "الدولة الإسلامية" حتى انهيارها العام الماضي.

تبنّت روسيا مبدأ الحاجة إلى إعادة التوازن نحو الدول السنية في المنطقة

وقد استمر هذا النشاط. ففي الشهر الماضي، فككت السلطات الروسية خلية لتمويل الإرهاب في جمهورية قبردينو ـ بلقاريا في شمال القوقاز تمكنت في الأشهر الماضية من إرسال ما يقرب من مئة ألف دولار إلى "الدولة الإسلامية".

علاوة على ذلك، فإن ما تم تفكيكه يشكل جزءا من شبكة أكبر لتمويل الإرهاب داخل روسيا ـ وهي في ازدهار مستمر. كما وجدت خلايا تابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") في 17 منطقة منفصلة من الاتحاد الروسي هذا العام وحده، بحسب ما كشف عنه في الخريف مسؤول كبير في جهاز الأمن الرئيسي في روسيا، FSB.

وإزاء هذه الخلفية، بدأت روسيا في إعادة التفكير في دورها الإقليمي في الشرق الأوسط، وتبنّت مبدأ الحاجة إلى إعادة التوازن نحو الدول السنية في المنطقة. في نهاية المطاف فإن أفضل دفاع، هو الهجوم. ويأمل الرئيس بوتين بوضوح، بأن تحقق سياسة أكثر مرونة في الشرق الأوسط نتائج سياسية محلية ـ داخل روسيا ـ إلى جانب تحقيق فوائد اقتصادية ملموسة لبلاده.

اقرأ المقال أيضا: كيف ورثت روسيا الشرق الأوسط؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مساعي موسكو للتوازن في الشرق الأوسط 5DF97C7D-C8A6-4E61-911B-CAD27BF5E288.jpg Reuters مساعي-موسكو-للتوازن-في-الشرق-الأوسط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين 2019-11-21 16:35:17 1 2019-11-21 16:45:35 0

يوسي كلاين هاليفي
صورة يوسي كلاين هاليفي من حسابه على موقع فيسبوك | Source: Facebook

عزيزي يوسي، تحية وبعد، 

وقعت على كتابك المعنون "رسائل إلى جاري الفلسطيني"، ولم أضعه جانبا إلى أن قرأته كاملا. ثم طالعت صفحتك على موقع فيسبوك، ورأيت أن عربا كثيرين راسلوك، بعضهم بادلك الود والسعي للسلام، وبعضهم الآخر حذّر من الطيبة التي تظهرها قائلا إنها أسلوب صهيوني مخادع معروف يهدف لاختراق دنيا العرب استخباراتيا، من ناحية، ومن أجل التطبيع، من ناحية ثانية، وكأن التطبيع من ضروب الكفر بالدين.

اسمح لي أولا أن أتقدم لك بالتهنئة على أسلوبك الكتابي الشيّق، الذي يعكس صدقا وسعيا لكلمة سواء، وهو ما لمسته في عبارات تتجاوز في جرأتها ما سبق أن قرأته من اليمين الإسرائيلي، مثل في قولك "إننا نُقر كإسرائيليين بأننا قد تجاهلنا (الفلسطينيين) لسنوات طويلة، وعاملناهم وكأننا لا نراهم"، وفي حديثك عن "مظاهر الظلم التي رافقت وجود الاحتلال"، وفي اعتبارك أن مسؤولية الوصول إلى طريق مسدود للسلام "لا تقع على عاتق الجانب الفلسطيني وحده، فالجانب الإسرائيلي يتحمل جزءا كبيرا من هذه المسؤولية أيضا"، بما في ذلك مواصلة "بناء المستوطنات في الوقت الذي كانت تجري فيه مباحثات أوسلو"، ولم يسبق أن قرأت نصا فلسطينيا يتحمل أي جزء من مسؤولية الشقاء الفلسطيني، إذ من وجهة النظر العربية، إسرائيل هي المشكلة ـ أولها، وأوسطها، وآخرها. أما العرب، فمظلومون دائما، وهو ما يمنع عنهم الملامة.

اسمح لي ثانيا أن أخبرك أني لست فلسطينيا، بل عراقيا لبنانيا. ومع أني أرى أن السلام مع إسرائيل شأن الفلسطينيين وحدهم، لا يمكنني إلا أن أدلي بدلوي حول صراع اختارني ولم أختره.

مشكلة السلام يا يوسي ليست في فتح حوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب، بل في الوصول إلى سلام مع النفس أولا، عند الفلسطينيين كما الإسرائيليين

في أولى سني نشأتي، لم أكن أسمع بفلسطين. في بغداد، كنا نشتم في مدارسنا الخميني الدجّال. في بعلبك، كنا نرى العالم يتآمر على المسلمين الشيعة بإخفائه موسى الصدر. رئيس مصر الراحل جمال عبدالناصر كان سنيا، وكان له تمثالا في بعلبك، على مقربة من مخيم الجليل لللاجئين الفلسطينيين. تم تفجير التمثال. كان البعلبكيون يرددون أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم، وأن العرب (السنة) حاربوا ببنادق فاسدة في 1948.

لم تكن فلسطين قضية شيعية إلى أن صارت إيران إسلامية، وصرنا نقرأ تصريحات الخميني على الجدران، مثل "لو أدلى كل منكم بدلو ماء على إسرائيل لأغرقتها المياه". وفي صباح ما، كنت في طريقي إلى الصف عندما سمعت هدير المقاتلات الإسرائيلية، ثم رحت أشاهدها، برعب، تدكّ مخيم الجليل القريب من مدرستي، ومعه موقع شرطة (سيّار الدرك). ثم تحولت الغارات الإسرائيلية على بعلبك عادة أسبوعية، غالبا أيام الأربعاء، وكانت تستهدف ثكنة الشيخ عبدالله وفندق الخوّام، حيث كانت مقرّات "الحرس الثوري الإيراني"، و"إذاعة صوت المستضعفين" في النبي شيت.

هكذا، وجدت نفسي وسط حرب لم أخترها. وفي سني الشباب والجامعة، صار عدائي لإسرائيل مفروغا منه. أصلا شتم إسرائيل يصبح أحيانا النافذة الوحيدة للتعبير عن الرأي في الدول العربية التي يصعب فيها التعبير عن أي رأي آخر. ثم تغيرت.

شكّلت قمة بيروت العربية 2002 منعطفا في تفكيري. كنت أحد الصحفيين المعتمدين، ورأيت كيف تكون فلسطين مطية للسياسيين العرب والفلسطينيين. ذاك العام، قدم عاهل السعودية الراحل عبدالله (وكان ما يزال وليا للعهد) مبادرته للسلام المعروفة، أي قيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة والقدس الشرقية مقابل سلام عربي شامل مع إسرائيل. بدت لي المبادرة معقولة. 

لكن في فندق فينيسيا الذي كانت تنعقد فيه جلسات القمة، بان لي النفاق، إذ فيما كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يستعد للتوجه للقمة عبر الأقمار الاصطناعية، من المقاطعة في رام الله حيث كان محاصرا، أوعز الرئيس السوري بشار الأسد إلى نظيره اللبناني إميل لحود، رئيس الجلسة، بعدم السماح ببث كلمة عرفات. يمضي الأسد كل أيامه وهو يصرخ من أجل فلسطين، ثم عندما يهمّ الفلسطينيون لقول كلمتهم، يمنعهم الأسد. انسحب الوفد الفلسطيني، ولحقه رئيس حكومة لبنان الراحل رفيق الحريري لاسترضائه وإعادته إلى الجلسة.

وفي كتابة نص المبادرة، أصرّ الأسد على إضافة فقرة تشترط عودة اللاجئين الفلسطينيين، لا إلى الدولة الفلسطينية، بل إلى إسرائيل نفسها. حتى الوفد الفلسطيني لم يطلب ذلك، لكن الأسد ونائب الرئيس العراقي عزّة الدوري أحرجا الفلسطينيين. لم تكن مبادرة السلام عن فلسطين، بل كانت وسيلة لزعماء عرب، كالأسد ولحود والدوري، لابتزاز الزعماء الآخرين.

في اليوم التالي، اصطحبت صحفيين أميركيين أرادوا لقاء لاجئين فلسطينيين في مخيم عين الحلوة، وهو أكثر بقعة تغرق في البؤس رأيتها في حياتي. بعد استعراضهم سندات ملكية ومفاتيح كبيرة على الطراز القديم، وبعد صراخ بعض الشعارات ثم إطفاء الكاميرات، جاءني فلسطيني متقدم في العمر. قلت له "ما القصة عمي؟". فأجابني "يا ابني، بنتي في ألمانيا، ربما يمكن لأصدقائك الأجانب مساعدتي في الانتقال للعيش معها". فاجأني الحاج الذي كان يصرخ للعودة للجليل ولكنه كان يسعى فعليا لحياة كريمة، حتى لو في ألمانيا. هنا تذكرت كتاب بنيامين نتانياهو (الذي لا تستهويني سياساته) "مكان تحت الشمس"، الذي لفت فيه إلى الخطاب المزدوج الذي كانت تمارسه السلطة الفلسطينية. بالإنكليزية تقول سلام وبالعربية تقول "عالقدس رايحين شهداء بالملايين". ومثل ذلك كان يفعل سياسيون إسرائيليون كثر.

مشكلة السلام يا يوسي ليست في فتح حوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب، بل في الوصول إلى سلام مع النفس أولا، عند الفلسطينيين كما الإسرائيليين.

عزيزي يوسي. الكلام عن السلام طويل ومعقد، ولكني مثلك، أتمنى حصوله. من العرب غيري من دعاة السلام ومني، إليك يا يوسي وإلى طالبي السلام الإسرائيليين، كامل الاحترام

تقول الحكمة اليونانية "اعرف نفسك"، وهي حكمة تنطبق على طرفي السلام المفقود، إذ على الإسرائيليين أن يحسموا علانية شكل السلام النهائي الذي يتصورونه، بعدل، لا وفق موازين القوى، وكذلك على الفلسطينيين أن يحسموا هدفهم، وأن يظهروا قدرة أكبر على حكم أنفسهم حتى تصبح نعمهم نعم ولاءهم لا، بدلا من أن يوافق عرفات على سلام فيما تمضي "حماس" في تفجير حافلات الركاب الإسرائيلية.

بعد سنوات كثيرة من قمة بيروت، كنت أشارك في "مفاوضات صف ثاني" في سويسرا. سألت أفرام سنيه عن إعلان إسرائيل بناء مستوطنات جديدة في وسط جولة مفاوضات مع الفلسطينيين، أجابني أن السبب سياسي داخلي. بدا لي أن المفاوضين الإسرائيليين يعتقدون أن إعلان بناء مستوطنات يخفف من النقمة شعبية ضد أي تنازلات قد يقدمونها للفلسطينيين.

المشكلة يا يوسي هي أنه عندما يتكلم أي من الطرفين عن السلام، فهما قلّما يتوجهان إلى بعضيهما البعض، بل يتوجه كل منهما إلى الداخل لديه، وهو ما يجعل السلام أداة سياسية، لا هدفا استراتيجيا.

عزيزي يوسي. الكلام عن السلام طويل ومعقد، ولكني مثلك، أتمنى حصوله. من العرب غيري من دعاة السلام ومني، إليك يا يوسي وإلى طالبي السلام الإسرائيليين، كامل الاحترام.