كان حضوري للمؤتمر السنوي الـ 105 لجمعية الاتصالات الوطنية (National Communication Association)، والذي أقيم بمدينة بالتيمور في ولاية ميريلاند الأميركية من 13 نوفمبر إلى 17 نوفمبر، تحت عنوان: "الاتصال من أجل البقاء" (Communication for Survival)، فرصة كبيرة للتعرف ليس فقط على الأرواق البحثية بل أيضا كانت فرصة لمعرفة التوجهات السياسية لدى عدد كبير كم أساتذة الجامعات وطلبة الدراسات العليا في أميركا.

أكثر ما لفت انتباهي في المؤتمر هو سيطرة الفكر اليساري على المؤتمر، وهو الفكر المعارض بشدة لكل من يخالفه، وهذا كان واضحا من خلال الهجوم الكبير على الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في غالبية الأوراق البحثية. 

وحتى عندما علقت عن بعض المواضيع المطروحة، مثل قوانين الهجرة التي أقرها ترامب، باعتبارها ليست حظرا للمسلمين، بل هجرة مقننة خاصة من الدول التي يسودها الاضطراب وعدم الاستقرار، وهذا سيكون في صالح المسلمين بدلا من السماح لدخول إسلاميين متطرفين ممكن أن يشكلوا خطرا للأمن القومي الأميركي وكذلك للمسلمين المسالمين في أميركا، كما يحدث في كثير من الدول الأوروبية مثل بريطانيا؛ تفاجأت بالمعارضة وأحيانا بالهجوم بعبارات من نوع: "إذا كنت تؤيدين ترامب معناه أنك ضد المرأة والمهاجرين أي عنصرية وكارهة للنساء". 

ومن هنا أدركت أن ما يتبناه هؤلاء الأساتذة ليس مجرد أفكار بل إن معتقداتهم باتت وكأنها طقوس عبادة لا تقبل التسوية أو النقاش إطلاقا.

يلعب اليساريون والإسلاميون ورقة الضحية المغلوبة على أمرها بهدف تمرير الأجندات السياسية

وشاركت أيضا في المؤتمر بندوة بعنوان: "تفكيك الخطاب المعادي للمسلمين في المناخ السياسي المعاصر: ما وراء البقاء، نحو الازدهار"، والتي قدمتها ست محاضرات من جامعات مختلفة من الولايات المتحدة الأميركية وواحدة كانت من جامعة الكويت. 

قدمت المشاركات أنفسهن على أنهن نسويات. وكان توجههن محافظ إسلاميا، أو محاب للإسلاميين، وهذا كان واضحا من خلال طرحهم لمواضيع متنوعة. كما أن المحاضرات الستة من دول عربية ومسلمة مختلفة فمنهن من فلسطين، سوريا وإيران. 

دافعن بشدة عن إلهان عمر ورشيدة طليب، النائبتان الديمقراطيتان والمدعومتان من قبل مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (CAIR) الذي يتهم بأنه مؤيد لـ"حركة حماس" وتنظيم "الإخوان المسلمين"، وقد وصفن منع إسرائيل لرشيدة طليب من زيارة عائلتها بالقرار الظالم؛ لكنهن لم يذكرن أن السلطات الإسرائيلية سمحت لها بزيارة عائلتها في الضفة الغربية لأسباب إنسانية على أن تتخلى عن الترويج لمقاطعة إسرائيل خلال زيارتها، وهي من رفضت الزيارة، مما يثبت أن الغرض من زيارتها لم يكن إنسانيا أو عائليا كما ادعت.

وكان واضحا من أسلوب المحاضرات الستة وتحوريهن للحقائق، أنهن يدعمن حركة المقاطعة لإسرائيل وسحب الاستثمارات والعقوبات والتي يطلق عليها " The Boycott, Divestment, Sanctions (BDS) movement ".

ودافعت إحدى المحاضرات عن كلمة "الله أكبر" التي يرددها الإرهابيون أثناء القيام بالعمليات الإرهابية، فعلى حد تعبيرها أن هذا الترديد لا يعني أن للإسلام صلة بذلك فهي مثل ترديد الأميركيين لعبارة " Oh my God "، لكن المستغرب أنها لم توضح الفرق، لجهة أن من يقوم بالعمليات الإرهابية من غير المسلمين لا يطلقون أي عبارات دينية أو يحملون كتبهم المقدسة أو أي شعارات دينية كما يفعل هؤلاء الإرهابيين الإسلاميين الذين يستخدمون الدين لتبرير أعمالهم الإرهابية، وبالتالي دافع هؤلاء غير المسلمين أثناء القيام بعمل متطرف ليس دينيا.

إضافة إلى ذلك، انتقدت المحاضرات الستة مكتب التحقيقات الفيدرالي بسبب مراقبته للمساجد، بدون ذكر أن هناك متشددون يستخدمون المساجد لاجتماعاتهم السرية والتخطيط لعملياتهم الإرهابية. وكثير من هؤلاء الإرهابيين لا يستخدمون المساجد فقط للعبادة بل لأغراض أخرى، وما يقوم به مكتب التحقيقات الفيدرالي هو حماية للجالية المسلمة وليس اضطهادها. 

وكان التحليل للاضطهاد ضد المسلمين في أميركا، الذي طرح في المحاضرة، كله يرجع لسبب واحد وهو: "white supremacists" أي "المتفوقون البيض"، وهي أكثر كلمة رددت أثناء المحاضرة. فهم بذلك يلعبون ورقة الضحية المغلوبة على أمرها من قبل هؤلاء البيض، وهي نفس الورقة التي يلعبها اليساريون في أميركا للجم كل من هو مختلف معهم وتمرير أجندتهم السياسية، مستغلين بعض الخطابات التي تعد عنصرية من بعض البيض.

طرحت عدة مواضيع مختلفة لكن هذه أهمها، ولم أستطع أن أمنع نفسي من السؤال بالرغم كنت أدرك أن هذه النوعية لا تتقبل الرأي الآخر ولا تحبذ الأسئلة.

تساءلت أنه من غير المعقول أن نتعامل مع المسلمين، كما تم الإشارة به في المحاضرة، على أنهم بوتقة واحدة؛ فهناك كثير من المسلمين لا يؤيدون إلهان عمر ورشيدة طليب، ليس لأنهما مسلمات، ولكن بسبب شخصياتهما ومواقفهما. وأضفت أن المسلمين منقسمون إلى مسلمين يرون أن الإسلام دين عقيدة وعبادة فقط، وإسلاميين يسيسون الدين لخدمة مصالحهم مثل الإخوان المسلمين، وبالتالي هذا الاختلاف والتنافر بين المسلمين والإسلاميين ينعكس على الخطاب الموجه للمسلمين عامة في أميركا. 

بعد تساؤلي وجدت الغضب يتطاير من أعين المحاضرات وبدأن التقليل من شأن تساؤلاتي على أنها خارج الموضوع الذي طرح. ثم بدأت عملية تأليف القصص ضدي، وضد مشاركين آخرين، من نوع أننا كنا نطارد المؤتمرين عبر التقاط الصور وتسجيل الفيديوهات مما أدى إلى خوفهم؛ وهو أمر غير صحيح. وللأسف دعمت إدارة المؤتمر هذه الأقاويل من دون إجراء أي تحقيق معنا.

أكّد هذا المؤتمر ما كنا نتخوّف منه. فتغلغل اليساريين والشيوعيين في الجامعات الأميركية، وهو لم يكن بشكل مباشر وسريع بل كان تدريجيا استمر لعقود من الزمن إلى أن تم استحوذوا على عدد من الجامعات بشكل شبه كامل، وهذا له آثار سلبية.

فهذه الفئة، وبدعم من الحزب الديمقراطي الذي يشاطرهم نفس الأفكار، تخلت بالكامل تقريبا عن مبادئ الرأسمالية والديمقراطية التي وضعها المؤسسون الأوائل. وبدلا من ذلك، بدأوا في تبني الأفكار مثل: الاشتراكية والجماعية والحرب الطبقية وسياسات الخوف والاستياء وأن أي شخص يخالفهم الرأي يتهم بأنه “white supremacists” أي من "المتفوقين البيض" وهي أكثر كلمة سمعتها من أساتذة الجامعات وطلبة الدراسات العليا في أميركا في هذا المؤتمر.

وبهدف توطيد أيديولوجيتهم الفكرية، يقومون بدعم الأقليات مثل المسلمين أو بالأصح الإسلاميين الذين يشاطرونهم نفس الأيديولوجية أو يتقاطعون معها. فنجد أن الحركات اليسارية والحزب الديمقراطي يدعمون الإسلاميين ليس فقط بسبب الدعم المادي من منظمات وحكومات معينة، بل لأن توجه الإسلاميين يتفق مع اليساريين في محاربة مبادئ الجهة المقابلة وهم ما يطلق عليهم الرأسماليين أو "المتفوقون البيض" على حد تعبيرهم. 

يلعب الاثنان (اليساريون والإسلاميون) ورقة الضحية المغلوبة على أمرها من هؤلاء البيض والغرض من ذلك تمرير الأجندات السياسية. والأدهى في الموضوع أن الإسلاميين عندما يتحدثون في الجامعات الأميركية يصورون أنفسهم كأنهم ممثلون لجميع المسلمين، وفي حالة قام أي شخص بالاعتراض على آرائهم يتهم بأنه عنصري أو متعصب أو كاره للإسلام حتى لو كان مسلما ويزيد الهجوم لو كان المعارض لآرائهم مسلما من دولة متحالفة مع الجهة المناوئة لهم.

للأسف الشديد لم أشعر من خلال حضوري للمؤتمر أن الجامعات في أميركا لا تزال مكانا رحبا لتبادل الأفكار

يدعو هذا الانشقاق الفكري بين الاتجاهات المختلفة في الولايات المتحدة الأميركية للخطر، إذ لا يمكن تصور أن يكون تلفيق الاتهامات بهذا الشكل للتمكن من السيطرة على أفكار المجتمع بأسره وخاصة الشباب وطلبة الجامعات. 

والأمر المثير للقلق أن يصل بعض المسؤولين في الجامعات إلى مرحلة عدم الرغبة بالسماح للطلبة بسماع أي رأي مختلف لكي يتم غسل أدمغتهم بمعتقد واحد لضمان أن الجيل القادم من الناخبين يحمل هذا الفكر.

للأسف الشديد لم أشعر من خلال حضوري للمؤتمر أن الجامعات في أميركا لا تزال مكانا رحبا لتبادل الأفكار وتحديها واختبار العقل وتمتع الجميع بحرية التعبير. وكل تخوفي من أن يؤسس هذا الأمر لتحول سلبي في هذا السياق. فخلال تواجدي في المؤتمر كنت أشعر بالخوف من طرح الأسئلة في المحاضرات.

لو استمر الوضع بهذا الشكل، علينا نتساءل ماذا سيتعلم المبتعثون إلى الجامعات الأميركية في ظل أجواء أحادية متعصبة التفكير!

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!