خلال حرق القنصلية الإيرانية في النجف
خلال حرق القنصلية الإيرانية في النجف

يثير توقيت القيادة الإيرانية رفع الدعم عن أسعار الوقود، بما أدى عمليا إلى مضاعفة الكلفة على المستهلكين، تساؤلات أساسية حول طبيعة الحساب السياسي في طهران. إذ على الرغم من استفحال التظاهرات في العراق، جوار إيران المباشر، وما تحمله من صرخات مدوية رافضة للتدخل والنفوذ الإيرانيين في بلاد الرافدين، وعلى الرغم من ثورة شعبية غير مسبوقة في لبنان تعيد رسم معالم الحياة السياسية في بلاد الأرز، وتشكل تحديا عميقا للقبضة الإيرانية على الطائفة الشيعية، تصرّف حكام طهران على ما يبدو بكامل الاطمئنان إلى ثبات سلطانهم ودون اعتبار لاحتمال انتقال عدوى الاحتجاج إلى جمهورهم الداخلي.

وهذا الحساب، والذي كشفت ردة فعل الجمهور الإيراني عن خطئه، يستدعي المزيد من الحيرة لأن الدافع الأولي للحراك الاعتراضي في كل من العراق ولبنان كان فجور الحكم واستباحة موارد جمهور فقد للتوّ ثقته بالطبقة السياسية في بلاده.

وقد ينظر إلى إقدام النظام الإيراني على المضي قدما بتنفيذ قراره رغم كل هذه المعطيات على أنه انعكاس لغرور السلطة ولفائض القناعة بالقدرة على تجاوز الإرادة الشعبية وفرض مشيئة النظام بالقوة.

في إعادة استنساخ للنموذج اللبناني الناجح، تعوّل إيران في العراق على الرصيد المعنوي لفصائل الحشد الشعبي

وقد تجد هذه القراءة ما يؤيدها في النجاح الفوري الظاهر بقمع الحراك في كافة المدن والبلدات الإيرانية، رغم عدم اتضاح فعالية القمع على المدى البعيد. على أن التقييم الأقرب إلى الصواب هو بالإشارة إلى درجة من الإنكار تطال مستويات عدة من النظام حول التباعد بين السردية التي تعتمدها الجمهورية الإسلامية وبين مصالح جمهور المحكومين وتوجهاتهم.

والأرجح أنه لكل من الغرور والإنكار حصّة لفهم سلوك القيادة الإيرانية، ولقرارها بتجاوز آخر أطلال الصيغة التمثيلية الوهمية التي تتبعها، أي مجلس النواب، في اجتراح قرارات التقشف الاقتصادي ووضعها موضع التنفيذ. على أن هذين الدافعين من شأنها كذلك الدفع باتجاه مرحلة جديدة من العنف، من إيران وصولا إلى لبنان.

ويمكن الاستفادة من متابعة لردة الفعل الإيرانية الأولية على الحراك الشعبي في كل من العراق ولبنان لتبين الحسابات التي اعتمدها النظام الإيراني في تعامله مع الحركة الاحتجاجية لديه.

فالتصريحات الصادرة عن المرشد والرئيس في طهران ميّزت في المرحلة الأولى بين المطالب المشروعة للإصلاح والمساءلة في الاحتجاجات العراقية واللبنانية، وبين مآرب القوى التي تتربص وفق زعمها بعموم المنطقة شرا (أي الغرب، وفي صدارته الولايات المتحدة، ودول الخليج المولجة بالتمويل، وطبعا إسرائيل)، وهي التي دفعت باتجاه الفوضى وتحريف الاحتجاجات لإبعادها عن أغراضها المشروعة. غير أن العمقين الزمني والمطلبي للحركات الاحتجاجية، والتي أعلنت زوال الثقة بالحكم على التوالي في كل من بغداد وبيروت، وطالبت برحيل الطبقة السياسية برمّتها، أرغمت طهران على إعادة النظر بمواقفها. فجسامة الحوادث المستجدة بدت وكأنها فاجأت إيران وأذرعها المحلية.

في العراق، ربط المتظاهرون صراحة وبالصوت المرفوع بين الفساد والتبعية لإيران. بل، في فعل تحدٍ، جرى إحراق صور للمرشد الأعلى الإيراني. وقد أشعلت هذه الأفعال ردا فوريا، فعمدت أجهزة الدولة العراقية الخاضعة للنفوذ الإيراني والفصائل المسلحة الموالية لطهران إلى قمع وحشي للمتظاهرين، صاحبه إطلاق الاتهامات لسائر أجهزة الدولة ومؤسساتها، المصابة بقدر أقل من الاختراق الإيراني، بتنفيذ "انقلاب" يستهدف الحكومة الشرعية (المدجّنة إيرانيا).

وإذ اضطرت الحكومة العراقية، نتيجة الضغوط الدولية، إلى إصدار التقارير الاستقصائية حول الممارسات القمعية، فإن ذلك لا يشكل أي وازع لمنع تكرارها، بل تبدو بغداد مقعدة نتيجة العجز أمام استمرار القناصين والتشكيلات المسلحة الموالية لإيران بتعريض المتظاهرين بشكل شبه يومي للقتل والأذى.

أما في لبنان، حيث استقرّ الزعم (والمخالف بحقيقته للواقع) بأن "حزب الله" هو الاستثناء بترفعه عن الفساد المشتري في مفاصل الدولة اللبنانية، فردة الفعل الأولى على الاحتجاجات مالت إلى محاولة تجييرها للمزيد من وضع اليد على الطبقة السياسية والنظام السياسي القائم على المحاصصة. غير أنه سرعان ما تبدّى أن الاحتجاجات ليست تنفيسا عابرا عن مشاعر مكبوتة، بل مطالبة مثابرة للتغيير الحقيقي.

والأسوأ، من وجهة نظر إيرانية، هو أن "ثورة السابع عشر من تشرين" قد تمكنت من الاستقطاب في عمق الطائفة الشيعية. فحين ترتفع أصوات من هذه الطائفة مطالبة برحيل الطبقة السياسية بأكملها، فإن الأمر ينضوي على مخاطر جدية لكافة أدوات إيران وحلفائها. فكان لا بد من الشروع بخطوات متتالية لتصحيح الوضع والمحافظة على فائض القوة، ما أدّى إلى وضع "المقاومة" في مواجهة صريحة إزاء "الثورة".

حيث خرج المتظاهرون في المدن والبلدات ذات الوجه الشيعي الغالب، والتي تصنّف على أنها "بيئة" المقاومة الموالية لإيران، كانت الخطوة اللجوء إلى القمع والترهيب. وحيث نشر الناشطون أو المواطنون العاديون من أهل هذه "البيئة" رسائل على منصات التواصل الاجتماعي تبدو مسيئة لـ "المقاومة" أو المقربين منها، جرى تصيدهم ودعوتهم/إرغامهم على إصدار تسجيلات مفعمة بالأسف والاعتذار.

أما في وسط بيروت، والذي اتخذته "الثورة" منصة وطنية لها، فجرى إفلات "المقاومين" من ذوي القصمان السود، بالعصي ومستوعبات الوقود، مع إصرار الإعلام الموالي لإيران على تصويرهم على أنهم من "أهالي المنطقة" الذين ساءهم ما طال أعمالهم من إضرار نتيجة الاعتصامات، ليضربوا المتظاهرين نساء ورجالا الضرب المبرح، وليضرموا النيران بالخيم والأكشاك والمسارح التي أبرزت وجها احتفاليا فريدا للثورة اللبنانية.

وخلال الأسابيع الماضية، استمر الصف التابع لإيران في تطبيق خطته الهادفة إلى تخويف المتظاهرين، ودفعهم نحو الإحباط واستنزاف مواردهم الذاتية التي تموّل الثورة، وذلك من خلال الهجوم الوحشي المتتابع عليهم بالعنف والضرب، ومن خلال تدمير أشكال التعبير الثقافية والاجتماعية للثورة. ولا يزال إصرار الثوار على الاستمرار وإعادة بناء ما تهدم والمثابرة على الأجواء الاحتفالية الجامعة لثورتهم قائما إلى اليوم رغم الترهيب.

وفي كل من العراق ولبنان، رست السردية الموالية لإيران حول الاحتجاجات على تجاهل الواقع الموضوعي وعلى اعتبار الحراكات مرتبطة بـ "السفارات"، التي خلقتها أو استغلتها، أو على أقل تقدير أنها مشبوهة إن لم تكن صنيعة أعداء الخارج. ومع حال الإنكار هذا، حين تصدر التصريحات المتشابهة حول عمالة الاحتجاجات من كل من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية والأمين العام لـ "حزب الله" في لبنان، وحين تفيد التقارير أن قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني هو الذي يدير عمليات مكافحة الاضطرابات في العراق، لا بد من استشفاف المزيد من الخطوات القمعية في المرحلة المقبلة.

لبنان ليس بمنأى عن أن تنحدر الأوضاع فيه إلى حال العنف القمعي الذي يشهده كل من العراق وإيران

ثمة ما يدعو، من وجهة نظر إيران ومن يواليها، إلى اعتبار الأوضاع الحالية استمرار لتحديات سابقة. فالاحتجاجات في العراق تكاد أن تكون متوالية على مدى الأعوام الماضية، ولكنها كانت دوما قابلة للاحتواء في نهاية المطاف. والاحتواء قد تحقق في لبنان كذلك من خلال إسكات الأصوات المعارضة لإيران، سواء عبر حملة الاغتيالات التي قضت على نخبة مختارة منهم، أو من خلال ما طال سائرهم من تخويف واستيعاب. بل إيران نفسها سبق لها أن شهدت احتجاجات داخلية ذات دوافع اقتصادية، وإن وصفت بأن من أشعل فتيلها هو الخارج.

غير أن قمع هذه الاحتجاجات قد تحقق من خلال منظومة أمنية سريعة التحرك. فبناء على هذه النجاحات في ضبط ما سبق، بدت التحديات الحالية وكأنها تحت السيطرة بل قد تشكل فرص يمكن الاستفادة منها. ومن منظور ذاتي، كانت "الجمهورية الإسلامية" في موقع المطمئن على انتشارها في المنطقة.

في لبنان، رغم مضي قرابة العقدين على انتهاء الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من البلاد، وهو الاحتلال الذي كان لمقاومة "حزب الله" له موقع تقدير وطني وعالمي، فإن هذا الحزب الذي أسسته وتموّله وتوجهه إيران ما زال قادرا، بحجة المقاومة ووهجها، على اعتراض كافة التحديات لـ "حقه" بأن يبقى جيشا رديفا للجيش الوطني، غير خاضع للمساءلة والمحاسبة. بل من خلال تحكم حزب الله بالطائفة الشيعية، ومن خلال الاستقواء الذي منحه لأطراف فئوية مختارة، نجحت إيران بوضع اليد على قرار الدولة والمجتمع في لبنان.

وفي إعادة استنساخ للنموذج اللبناني الناجح، تعوّل إيران في العراق على الرصيد المعنوي لفصائل الحشد الشعبي التابعة لها، والتي قدمّت تضحيات كبيرة بالأرواح في مواجهة إرهاب "تنظيم الدولة"، لتعزيز حضورها على مدى الفضاء العراقي، والمتحقق للتو من خلال نشر المرتبطين في أجهزة الدولة ودوائرها، أو من خلال إعادة توجيه الموارد الوطنية العراقية لخدمة الأغراض الإيرانية. وتأتي التقارير الاستقصائية الأخيرة المنشورة في صحيفة "نيويورك تايمز" وعلى موقع "ذي إنترسپت"، والمبنية على وثائق نادرة مسربة من إيران نفسها، لتؤكد على مدى اتساع الاختراق الإيراني في العراق.

أما النفوذ الإيراني في سوريا واليمن فهو يأخذ أشكالا مختلفة عن تلك القائمة في العراق ولبنان، غير أن الحضور الإيراني على مدى المنطقة قد سمح لبعض أساطين الحكم في طهران الحديث عن أن إيران اليوم هي في الواقع "إمبراطورية فارسية رابعة" تمتد من وسط آسيا إلى البحر الأبيض المتوسط.

وإيران اليوم تكرر، من خلال الشبكة الإعلامية الفاعلة على مدى المنطقة والتابعة لها، أنها قد انتصرت على محاولات التحالف الغربي الخليجي الإسرائيلي لتركيعها. ومضمون الرسالة الإعلامية التي تنشرها إيران هو أنها قد نجحت في تجاوز الحصار والعقوبات. هي تعترف أنه لا شك أن إجراءات "الضغط الأقصى" والتي تطبقها الولايات المتحدة قد تسببت ببعض الضيق. غير أن الغلبة وفق خطابها للتوّ هي لإيران، إذ أثبتت أنها رغم الصعوبات الاقتصادية تبقى راسخة في خياراتها للسياسة الخارجية.

"الإمبراطورية الفارسية الرابعة" هي في حالة هبوط عائدة إلى استحالة ديمومتها ذاتيا

غير أن موقع الهشاشة في هذه "الإمبراطورية" الإيرانية جديدة قد تبين في الداخل الإيراني، وهو في التباعد بين قراءة القيادة لموقع البلاد في العالم وفي السياسات الخارجية، وبين المطالب المتحققة واللاحقة تقديرا لجمهور إيراني تصمّ القيادة آذانها عن الإصغاء إلى مطالباته بالكرامة والمحاسبة ورفع الضيم. فحيث ترى هذه القيادة تضحيات تستوجب التقدير، يرى الجمهور حرمانا مهينا. وحيث تعتبر القيادة حالات الفساد السافرة مسائل عرضية عابرة، يرى الجمهور استباحة ممنهجة لثرواته.

وقد قدّم الأمين العام لـ "حزب الله" عند آخر إطلالاته المتكررة، في مشهد يكاد أن يكون خياليا، الإطراء المسهب على الشعب اليمني، والذي رضي بالفقر وفقدان الخدمات، والحر والحروب المتواصلة، ليبقى صامدا بوجه إسرائيل (البعيدة جدا). أغدق الأمين العام للحزب مديحه هذا في خضمّ أزمة نقدية واقتصادية تفتك بلبنان، وأسبابها عائدة وإن جزئيا إلى "حزب الله" نفسه، فيما هو طمأن للبنانيين إلى أنه لا خطر على الأموال اللازمة لديمومة "المقاومة"، إذ أن هذه تأتي مباشرة من إيران، ولا تمر عبر النظام المصرفي، والذي يهدد انهياره العتيد خراب عيش اللبنانيين وضياع نمط حياتهم.

يعكس هذا الخطاب الذهنية العقائدية للمحور الإيراني، والتي تفترض بأن عزاء اللبنانيين، والعراقيين، والإيرانيين، إذ يتخبطون في الخراب الاقتصادي والاجتماعي المفروض عليهم، هو أن المقاومة سوف تبقى "شوكة في خاصرة العدو"، وإن نظريا وحسب.

ثمة خطر جدي في هذا الابتعاد عن القراءة الواقعية، وفي رفض الإقرار بأن التصور الوهمي لعالم مبني على الحروب هو عامل رئيسي في استنزاف الموارد المحلية وفي تعريض الحياة والرخاء على مدى المنطقة لمجازفات لا مبرر لها. فالنظر المجرد إلى الأوضاع من شأنه أن يكشف استحالة الاستمرار بالهيمنة الإيرانية لما تقتضيه من جرف متواصل لموارد ليس من الشأن التوسع أن يضمنها، في حين أن هذا الجرف، في استنزافه للأموال العامة سوف يحقق الكارثة الاقتصادية بالتأكيد.

في بعض الأوساط القيادية لمحور "المقاومة"، في طهران كما في بغداد وبيروت، وعي فعلي على ما يبدو لهذه الحقيقة الشفافة، ما يفسّر جنوحهم في الاستيلاء على المال العام، إلى الانتقال من صيغة "حلب البقرة" أي بما يضمن الفساد المستدام، إلى "استنزاف البقرة" والذي ينهب المال العام إلى حد إنضابه.

أما القلة العقائدية والتي تصرّ على رؤية "حركات تحرير" حيث تنتشر قوى أمر واقع تتعاطى مع الناس بمنطق الاحتلال القاهر وتحرمها من حقوقها الأساسية، فالتوجه هو إلى المزيد من الإمعان في الذهنية الخرافية حول مواجهة وجودية ما. وهذا التوجه كما ذاك من شأنه الإسراع في الوصول إلى المزيد من العنف.

لا يحتاج ثوار العراق ولبنان، وربما في غد قريب ثوار إيران، للسلاح لموازنة هذه الحالة المجحفة القائمة

فـ "الإمبراطورية الفارسية الرابعة" هي في حالة هبوط عائدة إلى استحالة ديمومتها ذاتيا. وتأتي العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة لتسرّع من وتيرة الانحدار وحسب. واليوم مع التلاقي بين الندرة المتصاعدة للموارد المتوفرة، والجشع المتزايد للسلطات الناهبة، والوعي الذاتي المتحقق لدى القواعد الشعبية، فإن الحركات الاحتجاجية أشبه بمارد خرج من القمقم، ولا يمكن استشفاف تصور مستقبلي يمكن معه لصيغة التسلط الخارجي المفلسة من الاستمرار على المدى البعيد.

ولبنان ليس بمنأى عن أن تنحدر الأوضاع فيه إلى حال العنف القمعي الذي يشهده كل من العراق وإيران. وفي جميع هذه الدول، المواجهة هي معركة غير متوازنة بين محتجين غير مسلحين يسعون وراء مطالب مصلحية واقعية وقيم عالمية، في مقابل أدوات تابعة لنظام عقائدي محكوم بأوهام العظمة والاستعلاء.

لا يحتاج ثوار العراق ولبنان، وربما في غد قريب ثوار إيران، للسلاح لموازنة هذه الحالة المجحفة القائمة، ولا تفيدهم التصريحات الصادرة من بعض العواصم العالمية والتي تزعم النطق بمطالبهم. ولكنهم بالتأكيد بحاجة إلى الدعم المبدئي والفعلي. ففي مواجهة محاولات نظام طهران وعملائه قطع الاتصالات، وخاصة عبر الشبكة العالمية، يحتاج الثوار بإلحاح إلى وسائل بديلة لمقاومة العرقلة المفروضة على قدرتهم على إيصال المعلومة والوصول إليها، وعلى التنسيق مع بعضهم البعض.

والأهم هو أن المحتجين بحاجة إلى من يعترض على القوة القاهرة الظالمة التي يواجهون بها، وذلك من خلال الإدانات الدولية والمعاقبة الفعلية للمرتكبين والمسؤولين. فالعالم الذي أتاح الاندفاعات الشاهنشاهية للعقائديين من حكام طهران، أو قبل بها أو غضّ النظر عنها، عليه أن يجعل من دماء المحتجين الخط الأحمر لإيران وجميع أدواتها. فالإمبراطورية الفارسية الرابعة، ساعة تحرم من القوة القمع الغاشمة لديها، سوف تحاسب وتجازى، ومصيرها سوف يحدده من هم اليوم ضحاياها.

حسن منيمنة هو محرر مساهم في منتدى فكرة ومدير مؤسسة بدائل الشرق الأوسط.

المصدر: منتدى فكرة

مودة الأدهم
مودة الأدهم إحدى فتيات التيك توك اللواتي جرى اعتقالهن في مصر (المصدر: حساب مودة في انستغرام) | Source: Instagram

كثيرا ما تتدخل المنظمات الدولية للدفاع عن الناشطين والمعارضين السياسيين الذين يتعرضون للاعتقال أو الاضطهاد في بعض دول العالم، ولكن من النادر سماع اعتراض من هذه المنظمات على ما تتعرض له المرأة في الشرق من ظلم في النواحي الاجتماعية، خصوصا إذا كانت الاتهامات الموجّهة لها ذات طبيعة أخلاقية استخدمت فيها عبارات من نوع القيام بأفعال "مخلّة بالآداب العامة" أو تسيء "لقيم المجتمع"، وتأكّد ذلك مؤخرا في غياب أي رد فعل على اعتقال عدة فتيات في مصر لنشرهن على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع قصيرة راقصة أو ساخرة.

فقد تم توجيه اتهامات عديدة لهؤلاء الفتيات تستند على مواد مأخوذة من قوانين مختلفة، أولها القانون 180 لتنظيم الإعلام لعام 2018 والذي ينص "يجب على المواقع عدم نشر أخبار كاذبة أو الدعوة إلى مخالفة القانون أو العنف أو الكراهية أو التمييز بين المواطنين والعنصرية أو يتضمن طعنا في أعراض الأفراد أو سبّا أو قذفا لهم، أو امتهان الأديان السماوية أو العقائد الدينية أو يخالف النظام العام والآداب العامة"، وأوضحت المادة 29 من هذا القانون بأنه لا يجوز توقيع عقوبة سالبة للحرية في تلك القضايا بل تقتصر العقوبة على حجب الموقع، إلا في الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد.

وبما أن هذه المادة لا يترتب عليها سجن الفتيات فقد تم استخدام المادة 25 من قانون تقنية المعلومات 175 لعام 2018 والتي تنص "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة 50 حتى 100 ألف جنيه أو بأحد هاتين العقوبتين من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو أرسل بكثافة رسائل إلكترونية لشخص دون موافقته أو منح بيانات شخصية إلى موقع إلكتروني لترويج سلع دون موافقته، أو نشر أخبارا أو صورا تنتهك خصوصية شخص دون رضاه"، والمقصود في هذه المادة من يقوم باختراق حسابات الآخرين أو سرقة معلوماتهم وخصوصياتهم ونشرها بطريقة تسيء لهم.

كشفت هذه القضايا عن تواطؤ مجتمع كامل في جريمة قدح وذم بحق أولئك الفتيات

ولأن هذه المادة أيضا لا تنطبق على الفتيات الموقوفات فقد تم استخدام عبارات في إتهامهن مثل "التحريض على الفسق والفجور" حتى يصبح بالإمكان شملهن بقانون مكافحة الدعارة لعام 1960 والمقصود به كل من يدعو أو يدفع نحو ممارسة الدعارة، رغم أنه لا يوجد في ممارسات هؤلاء الفتيات شيء من هذا القبيل، كما تم استخدام المادة 178 من قانون العقوبات لعام 1952 التي تتناول استعمال صور مخلة بالآداب العامة.

ما يمكن استنتاجه، أن النيابة العامة المصرية كانت تبحث عن أي نص قانوني تستطيع فيه سجن هؤلاء الفتيات لأنه لا عقوبة إلا بنص، حتى أنها لجأت لاستعمال عبارات بعيدة تماما عن القضية مثل "الإتجار بالبشر"، في مبالغة لفظية تستهدف تبرير الإجراءات المشددة التي اتخذت بحقهن، في إشارة إلى دعوة فتيات للتواصل عبر الإنترنت مع أشخاص آخرين رغم تأكيد المتّهمة المسجّل بصوتها على ضرورة الالتزام بالاعتبارات الأخلاقية.

هذه الطبيعة الكيدية في توجيه الاتهامات لضمان إدخال فتيات في مقتبل العمر إلى السجن لأطول فترة ممكنة، تتناقض مع القضاء في العالم المتحضّر الذي يقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ولا يمكن تجاوز معرفة هؤلاء القضاة ما هي انعكاسات ذلك على مستقبل الفتيات، في مجتمعات تعتبر الرجال إذا تعرضوا للسجن أو التوقيف لأي سبب "أصحاب سوابق"، مما يشكل وصمة تلاحقهم طوال حياتهم، فكيف لفتيات صغيرات في بيئات مغلقة يلعب مفهوم السمعة فيها دورا كبيرا.

ورغم أن القضاة يعرفون وضع السجون في مصر وما تتعرض له السجينات هناك، والذي وصفته سلمى أشرف مسؤولة الملف المصري في "هيومن رايتس مونيتور": "أوضاع النساء في السجون المصرية من أسوأ الأوضاع على مستوى العالم فهن يتعرضن للإهمال الطبي والقتل البطيء المتعمد". 

وذكر تقرير أعدته الكاتبة إيمان عوف اعتمادا على شهادات حيّة: "عند التحويل للسجن يبدأ التفتيش الذاتي في المدخل، حيث تقف السجينات عاريات تماما ويطلب منهن الجلوس والوقوف بوضعية القرفصاء ثم تتحسّس السجانات أجسادهن، الأثداء والمهبل والشرج ويحدث ذلك في كثير من الأحيان أمام حراس السجن في غرفة مفتوحة الأبواب والشبابيك وأحيانا تستعين السجانة بالحراس لنزع ملابس السجينة التي ترفض نزع ملابسها".

وقالت المحامية ماهينور المصري "مهما كان ما يحدث مع المعتقلات السياسيات مرعبا فإنه لا يمثّل شيئا بما يحدث مع السجينات بتهم جنائية، حيث يتعرضن لتفتيش مهبلي مهين وفحص كشف عذرية"، هذه هي السجون التي أرسل إليها القضاء المصري طالبة جامعية في التاسعة عشرة من عمرها، رغم أنه لا يوجد ما يمنع قانونيا من محاكمتها طليقة كما يحصل في أغلب دول العالم التي تعتبر نفسها مسؤولة وحريصة على مصلحة أبنائها وبناتها وليست جهة تريد الانتقام منهم بعقلية محاكم تفتيش العصور الوسطى.

ومما يؤكد على وجود هذه الرغبة في الانتقام أن عشرات الشباب والفتيات والسيدات قاموا وقمن بتسجيل ونشر مئات المقاطع على هذه المواقع، لكن اللاتي تمّت إحالتهن للقضاء هن فقط الفتيات الأصغر عمرا أو من لديهن معالم أنوثة واضحة، وكأن المعالم الأنثوية التي خلقها الله ليتناسب جسد المرأة مع الحمل والإنجاب والإرضاع هي تهمة تخدش حياء المجتمع المصري وتشكّل تهديدا لأخلاقه.

ومع أنه في الكثير من هذه المقاطع لم يكن هدف الفتاة أن تبدو جميلة بل أن تقدم شيئا طريفا أو ساخرا حتى لو كان ذلك على حساب شكلها، لأن غايتها جذب أكبر عدد من المشاهدات وزيادة أعداد المتابعين مما قد بعود عليها بمردود مالي، والذي اعتبرته النيابة مؤشرا على وجود أمر غير أخلاقي، رغم أن هناك شبابا ينشرون مقاطع على نفس المواقع ويحققون عائدات مالية دون أن يتم اتهامهم بشيء.

المجتمعات التي تجد دائما مبررات لقمع النساء ووضعهن في السجون لن تعجز عن إيجاد أعذار للقاتل

كشفت هذه القضايا عن تواطؤ مجتمع كامل في جريمة قدح وذم بحق أولئك الفتيات، من رئيس جامعة القاهرة الذي قال بأن الجامعة ستتخذ أقصى عقوبة بحق واحدة منهن بلهجة لا تتماشى مع مسؤول تربوي يعتبر طلابه مثل أبنائه، إلى السلطة القضائية التي يسيطر عليها رجال تدل تصرفاتهم على أن هدفهم الانتقام من المرأة وليس تحقيق العدالة، وسلطة تشريعية ترى أن وظيفتها هي المزاودة الخطابية في القضايا التي تعرض عليها، خصوصا عند لعب دور حماية الفضيلة، وإعلام يعيش أسوأ أيامه ويبحث عن عناوين مشوّقة تجذب المشاهدين حتى لو كان ذلك على حساب الإساءة لسمعة النساء، وسلطة تنفيذية تماشي المزاج الشعبي لأنه ليس لديها الشجاعة الكافية لمواجهة حالة الهيستيريا والهوس بالمرأة التي تعيشها مصر حاليا.

ويكرر جميع هؤلاء لتبرير سلوكهم المتحامل على المتّهمات عبارة: "خصوصية المجتمع المصري"، في اعتراف ضمني بأن هؤلاء الفتيات ما كانوا ليسجنوا من أجل هذه التسجيلات لو كانوا في بلد آخر، لأن هذه الخصوصية تبيح سجن النساء وإهانتهن لأتفه الأسباب، كما تبيح التحرّش بهن في الشوارع ثم وضع اللوم عليهن، كما تسمح بالاعتداء جنسيا على الفتيات اليتيمات والفقيرات ثم تحميلهن مسؤولية هذا الاعتداء.

وكان آخر الأمثلة على خصوصية المجتمع المصري أن يترافق اعتقال الفتيات مع إطلاق سراح من قتل بدم بارد الفنانة سوزان تميم بعفو رئاسي، بعد ثلاث سنوات من إطلاق سراح من كلّفه بهذه الجريمة وأعطاه أموالا لتنفيذها بعفو مماثل، فالمجتمعات التي تجد دائما مبررات لقمع النساء ووضعهن في السجون لن تعجز عن إيجاد أعذار للقاتل.