سيدات باكستينيات يرتدين البرقع (أرشيف)
سيدات باكستينيات يرتدين البرقع (أرشيف)

ثمة سؤال مركزي في الجدل الدائر حول علاقة ابن تيمية بالتشدد/ بالتطرف/ بالإرهاب؛ لم يستطع التيمويّون الإجابة عليه حتى الآن، وهو: لماذا يتّصِف التيمويون/ المُعجبون بابن تيمية/ مُقلِّدو ابن تيمية، وعلى امتداد العالم كله بعد تعولم تراثه، بالتشدد الذي يصل حدّ التطرف، بل والإرهاب الصريح أحيانا؟

وبالمقابل، وكوجه آخر لهذا السؤال: لماذا لا يُوجد تيموي مُتسامِح مِن بين كُلِّ العقائديين، أو الوعاظ المقلدين له، أو المتماهين مع خطابه؛ فجميع هؤلاء التيمويّين يظهر عليهم التشدد، والحِدّة العقائدية، مقارنة بغيرهم من الوعاظ/ من العقائديين/ من رجال الدين النافرين أو المُتوجِّسين من الخطاب التيموي؟

تستطيع أن تقوم بمسح استقرائي على مستوى العالم الإسلامي، بل وعلى مستوى العالم كله (أي حتى في المهجر الإسلامي)، وستجد أن "الفقيه التيموي" دائما في الجانب الأكثر تشددا. لا يعني هذا أن في كل متشدد تيمويّ، فربما ـ وإن قَلَّ؛ وربما نَدَر ـ تجد "فقيها غير تيموي" متشددا في بعض الأمور. وغالبا ما يكون "المتشدد غير التيموي" غير داخل في السياق السني أصلا، أي أن إمكانية تماهيه مع الخطاب التيموي مستحيلة من حيث ضرورات التقليد المذهبي السابقة على تقليد الأفراد.

هل نستطيع أن نقول على سبيل القسمة المنطقية: كل تيموي متشدّد، وليس كل متشدّد تيموي؟ حتى هذا لا نستطيع مجاملة التيمويين فيه، فالملاحظ أن المتشدد السني ـ وطبيعي أن التشدد نسبي في كل سياق مجتمعي/ ثقافي ـ له ارتباطات مباشرة أو غير مباشرة بالخطاب التيموي.

الشيخ عثمان كأي تيموي، يحمل صك غفرانه في قلبه؛ فيفعل ما يشاء

لا يستشهد المتطرفون/ المتشددون المنتسبون للخط السني بفقيه/ واعظ؛ بمقدار ما يستشهدون بابن تيمية. انظر بيانات الأصوليين في الحركات الإرهابية، لن تجد الإحالات التي تتشرعن بها منسوبة إلى أعلام مثل: الغزالي أو الجويني أو ابن عبد البَرّ أو السبكي أو ابن حزم... إلخ مشاهير رجال الدين الإسلامي، بل ستجد اسم ابن تيمية في الصدارة، ستجده مكررا ومؤكدا، بينما بقية الأسماء ـ إن حضرت ـ فهي مجرد هوامش حشديّة، لا يتعدى دورها مباركة المعنى المستقر في الفتوى التيموية موضع الاستشهاد.

أيضا، لا يعني هذا أن هؤلاء الفقهاء وغيرهم ليس لديهم فتاوى متشددة، وإنما يعني التأكيد على أن ثمة نوعا من "الروح الصراعية المتشددة" الموجودة في تفاصيل الرؤية التيموية؛ بدرجة تجعله موئلا للمتشددين دون/ قبل غيره من رجال الدين الإسلامي.

السؤال الذي طرحته بداية المقال، والأسئلة اللاحقة العالقة به، تنقل المسألة في الجدل حول تراث ابن تيمية من تفاصيل المقولات التيموية إلى قراءة الخطاب التيموي من جهة استجابة القارئ/ التلقي. فمهما حاول التيمويون استحضار بعض الفتاوى التيموية "المتسامحة" (التي يقعون عليها بعد البحث عنها بـ"المجهر" وسط التراث التيموي الضخم)، إلا أن سؤال "التلقي" الذي ينظر للأمر من زاوية "متلقيه/ مُنتجي خطابه في الراهن"، يُفسد عليهم كل محاولاتهم اليائسة لتبرئة تراث شيخهم من التعصب والتشدد والانغلاق.

طبعا، هؤلاء المدافعون عن ابن تيمية بالبحث عن "طرائف/ نوادر" فتاويه المتسامحة هم من الباحثين "التيموييّن الجُدُد" الذين يحاولون الانخراط في سياقات المعاصرة، ولكن يُحْرجهم ما في تراث شيخهم من تطرف وتكفير وانغلاق وتشريع صريح للقتل.

أما "التيمويون الأصلاء" مُقلِّدو ابن تيمية منذ وفاته، وإلى الآن، وإلى آخر صيحات التطرف الحركي، فهم (وهم الأكثرية الساحقة، بل الخطاب التيموي لا يتجلى إلا من خلالهم) ينفون هذا التسامح المزعوم عن شيخهم؛ لأنهم يعدونه تساهلا وتمييعا، أي يعدونه مَثْلَبة يتنزّه شيخهم عنها؛ لأنه ـ كما يؤكدون بيقين جازم ـ كان رجل الفصل والمفاصلة الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، إنه ـ في نظرهم ـ الصارم الواضح القوي الذي لا يُقدِّم أية تنازلات للخصوم؛ من حيث هو يمتلك مطلق الصواب.

لم يكن للتيمويين الجدد أي وُجود فاعل قبل 11/9، أي قبل أن يصبح تراث ابن تيمية متهما على نطاق واسع/ نطاق متعولم. وحركة الدفاع التي يقومون بها هؤلاء (الذين يحاولون عصرنة ابن تيمية، بطرح "خطاب تيموي عصري"، يختلف عن "الخطاب التيموي التراثي") غير مرضي عنها من "التيموييّن الأصلاء" الذين يعتقدون أن تلامذتهم العصريين يُقَدِّمون للأعداء الفكريين/ العقائديين تنازلات من أجل الدفاع عن شيخهم/ شيخ الجميع.

فمعظم سدنة التراث التيموي على امتداد العالم غاضبون من الحركة الدفاعية التي يرون فيها "تزييفا أو تدليسا" لمجمل الرؤية التيموية التي يشكل "تشددها/ تطرفها" جوهر مشروعيتها.

بينما بعض سدنة هذا التراث حائرون، فهم يرون تراث شيخهم يتعرّض للتشريح المعرفي الذي سيجعله في النهاية منبوذا بقوة قيم المعاصرة التي ترفض العنف والقسر والإكراه، فضلا عن القتل، وبالتالي، لا بد ـ في نظرهم ـ من الذود عنه، وتفنيد مقولات الباحثين الموضوعيين فيه، ولكنهم، من جهة أخرى، يرون أن استحقاقات هذا الدفاع تعني ـ في المؤدى النهائي ـ التنازلَ عن أجمل ما في التراث التيموي (وفق رؤيتهم الخاصة لما هو الأجمل)، بل عن المنحى الذي يُشَكِّل هويته، ويُشَكِّل مشروعيته عند مُريديه الأصلاء.

عندما ذكرت في المقال السابق بعض تفاصيل قصتي مع الشيخ الهولندي/ المغربي "عثمان"، الذي كان "سلفيا تيمويا"؛ أردت ـ من خلالها ـ إيضاح: إلى أين وصل انتشار الخطاب التيموي الذي تعولم في أواخر القرن العشرين وبدايات هذا القرن، وكيف أثّر في تصورات كثيرين حتى أصبحوا متطرفين، بل تكفيريين؛ مع أنهم يعيشون في قلب العالم الحر، العالم القائم على قاعدة التسامح الاجتماعي والعقائدي/ الفكري؛ بقدر ما هو قائم على قاعدة ضمان الحقوق والحريات بقوة القانون.

لم يكن للتيمويين الجدد أي وُجود فاعل قبل 11/9، أي قبل أن يصبح تراث ابن تيمية متهما على نطاق واسع

نموذج الشيخ عثمان، وهو نموذج لعشرات الألوف من ضحايا الفكر المتطرف، يُجيب عن التساؤل الذي كثيرا ما يُطرح عند الحديث عن مصدر التصورات المتطرفة/ الإرهابية، التي تأخذ آلاف الشباب من محاضن السكون والدعة، وربما الترف والمستقبل الواعد، إلى مواطن البؤس والصراع. كيف يترك الشاب أهله، كيف يهجر وطنه ومجتمعه، كيف يترك المستقبل المشرق أمامه، ويذهب ـ بمحض إرادته، بل وبشوق عارم ـ ليجعل نفسه وقودا لحرب لا يعرف عنها أي شيء، ولا يتعلق منها بأي شيء؟

كنا نقول بأنه هذا من تأثير الأفكار السائدة، من تأثير عشرات الخطب والمواعظ والدروس...إلخ التي تنشر التراث التقليدي المتخم بمقولات التكفير وتشريع القتل، وكان المدافعون عن أفكار التطرف والإرهاب يقولون: انظروا إلى هؤلاء الشباب الذين التحقوا بـ"القاعدة" وبـ"النّصرة" وبـ"داعش" وغيرها، إنهم من جميع بلدان العالم، فهم وإن كانوا من بلاد عربية ذات ثقافة دينية واضحة، كمصر ودول الخليج واليمن والأردن، فهم أيضا من بلاد عربية كانت علمانية طوال الفترة الماضية، كتونس التي لأبنائها حضور واضح في حركات العنف/ الإرهاب، بل وحتى من بلاد الغرب، من فرنسا وبريطانيا وهولندا وبلجيكا والسويد...إلخ، مع أن المجتمع/ ثقافة المجتمع السائدة في هذه الدول ليست إسلامية أصلا، فضلا عن أن تكون متطرفة؟

كان ردي دائما، أن السؤال المنطقي هنا لا يكون عن "الأقطار/ الدول" التي يأتي منها الإرهابيون/ الدواعش. الحيّز الجغرافي المكاني ليس هو المهم؛ فهو فضاء محايد من حيث الأصل. السؤال المهم الذي يكشف أصل المأساة، ويضع أيدينا على مكمن الخلل: كل هؤلاء الإرهابيين/ كل الدواعش؛ بأي فكر يتشكّلون؟

يُلاحظ أن المتطرفين الإرهابيين تختلف أماكنهم/ دولهم، وتتنوع مجتمعاتهم، ولكن ثمة ما هو مشترك أساسي بينهم. القاسم المشترك بينهم ـ دائما ـ هو القناعة العقائدية بمقولات التطرف الديني.

فالإرهابي التونسي والمصري والسعودي واليمني والأردني والسوري والمغربي والليبي والفرنسي والهولندي والألماني والشيشاني والبريطاني...إلخ تختلف أوطانهم/ مجتمعاتهم، تتباين ظروفهم إلى حد كبير، ولكن يجمعهم فكر واحد، مرجعية دينية واحدة، يتشرعنون بها عبر وسائل الاتصال التي أقامت لهم مجتمعات فكرية افتراضية، تكون ـ في الغالب ـ بديلا عن مجتمعاتهم الواقعية التي ضاقوا بها ذرعا بعد ارتفاع وتيرة الانفصال النفسي/ الوجداني.

الخطباء/ الوعاظ الذين أسهموا في انتشار أفكار التطرف كانوا مجرد حلقات وصل، تصل الشباب في كل بلد، لا بأمثالهم في البلدان الأخرى، وإنما بالمواقع التواصلية والإعلامية التي تحيلهم إلى فضاءات التراث التيموي الذي زكّاه أولئك الخطباء/ الوعاظ سلفا.

لهذا، يخرج أمثال الشيخ عثمان من فضاء حقوقي تحررّي راقٍ؛ ليمارس التكفير بقوة دفع الأفكار التيموية وذيولها، وليكونَ ـ في مجتمعه المَهْجري السعيد بالحرية حدَّ التّخمة ـ داعية تشدّد وتكفير ومفاصلة وكراهية وانغلاق.

نلمح عند الشيخ عثمان صفة خطيرة يتصف بها العقائديون التيمويون، (صفة تجتمع فيها ثنائية الانفتاح والانغلاق على نحو تبادلي بين العقائدي والمَسْلكي)، ولها تأثير مباشر وحاسم على سلوكياتهم اليومية المباشرة. هذه الصفة هي تقديم ما يتصورونه "العقيدة الصحيحة" كصَكّ غفران؛ يدفع حائزيه ـ بوعي أو بلا وعي ـ لارتكاب ما يتصورونه ذنوبا مغفورة بقوة دفع الصك الغفراني. والمعنى، أن عقيدتك إذا "صحّت/ سلمت من القوادح"؛ فلا خطر عليك دِيْنيا؛ مهما ارتكبت بعد ذلك من ذنوب/ خطايا/ رذائل الأعمال.

أذكر في أحد الأيام، وبعد غروب الشمس مباشرة، كان الشيخ عثمان يقود سيارته وأنا بجواره، وفي طريق يسلك بنا ناحية البحر/ الكورنيش، وجدنا بعض الفتيات يقفن بجانب الأعمدة على جنبات الطريق.

زمَّ الشيخ عثمان شفتيه قليلا وقال: هؤلاء بنات ليل، هذا منتشر هنا. قلت له: لماذا يفعلن ذلك، هل هن في حاجة ماسة للمال؟ قال: بعضهن بحاجة ماسة، وبعضهن تفعل ذلك لشراء بعض الكماليات، كتلفون، وربما سيارة بعد مدة.

لفت انتباهي أنه يناقش الموضوع دون انفعال يُذْكر، بل بدا ـ في لحظة ما ـ وكأنه يعتذر لهن. هنا، تذكرت انفعاله الشديد عندما كفّر الشيعة. أردت اختباره في هذه اللحظة؛ لأني أعرف منطق التراث الذي ينتمي إليه. قلت له، ضاربا على أوتار معازفه: هذه السلوكيات تبقى مجرد سلوكيات خاطئة، يغفرها الله بمشيئته، المهم دائما سلامة المعتقد، المهم يا شيخ عثمان "العقيدة الصحيحة". هنا، هزّ رأسه موافقا، وبدا مغتبطا.

ثم أردت مجاملته ـ واختباره في الوقت نفسه ـ فقلت: الناس هنا في المغرب وإن أخطأوا في هذا الأمر أو ذاك، لكن "عقيدتهم صحيحة"، والله يغفر لهم ما دون ذلك. هنا تغيّرت ملامحه، واربَدّ وجهه، وكأنه تذكر أمرا مفزعا في الحال، هتف ـ بنبرات مؤكدة مملوءة بالأسى والغضب: يا أخ محمد، ألا تعلم ما يفعله الناس هنا عند الأضرحة؟ ألم تقم بزيارة مولاي عبدالسلام في الجبل؛ حتى ترى الناس عند الضريح يرتكبون الشرك الأكبر؟

بدا واضحا ما الذي يُغضب الشيخ عثمان. ما يغضبه هو ما يُغضب التيمويين جميعا. عنده وعندهم؛ مسائل الاعتقاد وتفاصيلها وهوامشها لا تسامح فيها. بالعقيدة (إن أخطأت فيها/ خالفتني فيها) أنفيك وأكفّرك وأستبيح قتلك، وبها (إن أصبت صحيحها/ وافقتني فيها) أنت تمتلك صكّ غفران مفتوح لتفعل ما تشاء من سلوكيات قد تكون مدمرة للفرد وللمجتمع.

لا يستشهد المتطرفون المنتسبون للخط السني بفقيه؛ بمقدار ما يستشهدون بابن تيمية

في أحد الأيام أوقفنا رجال المرور لمخالفة مرورية. قالوا له: تدفع 300 درهم. نظر الشيخ عثمان إليّ بحياء واضطراب وقال بصوت خافت، وبعربية فصحى: سأدفع لهم رشوة. نادى أحد الجنود، وعرض عليه 100 درهم كي يعفيه من المخالفة، رجع الجندي لرئيسة، أتى الرئيس، ويبدو أنه شك في الوضع عندما رآني صامتا أنظر باستغراب، لهذا، رفض الرشوة بعد تردد، وحرّر المخالفة!

الشيخ عثمان كأي تيموي، يحمل صك غفرانه في قلبه؛ فيفعل ما يشاء. يُكفّر المسلمين الشيعة، يكفّر المسلمين من مواطنيه الذين لا يتفقون معه في الانتماء إلى الخط التيموي، ولكنه في الوقت نفسه مستعد لدفع "رشوة" لرجل أمن؛ حتى يهرب من دفع مخالفة ارتكبها بالفعل.

وأيضا، هو متزوج في السِّر من فتاة لا يدفع لها إلا الفُتات. يقول لي: إني أرسل لها من هولندا كل شهر 100 يورو، قلت له: فقط 100، قال: نعم، لا أريدها أن تطمع فيّ. قلت: ولكن هذا المبلغ لا يكفيها، قال: هي تعيش مع والدها، وتضبط نفسها على هذا المبلغ فقط، أنا لست مسؤولا عنها في كل شيء.

هكذا يبدو التيموي ضامنا لمصيره الأبدي مهما فعل. إنه يُطِلُّ على البشر من علياء عقيدته؛ فيصنفهم إلى مؤمنين وكافرين، ناجين وهالكين. وبهذا يستطيع أن يعيش كما يشاء، وفي أي مكان يشاء، يستطيع أن يتقلب بين مختلف السلوكيات وفق مصالحه وأهوائه ورغباته، وبهذا يبدو منفتحا قادرا على التعايش مع مختلف الأحوال؛ ولكنه في الحقيقة يحمل تصورا خطيرا في تحديد هويات الآخرين من جهة، وتحديد نمط التعامل معهم ـ في حال التمكين ـ من جهة أخرى.

A member of the Russian military police patrols near the village of Tal Krum in the Syrian Golan Heights on August 14, 2018. …

في أوائل شهر مايو الماضي دفع نظام الأسد بتعزيزات عسكرية كبيرة نحو مدينة درعا مع أنباء متواترة عن اقتراب شن عملية عسكرية في المحافظة بدعم إيراني. وردا على ذلك، شهدت مدينة درعا انطلاق انتفاضة جديدة حيث خرج العشرات من الأهالي للاحتجاج على تحشيد قوات النظام السوري على أطرافها. وتشير الأحداث إلى أن المليشيات الإيرانية والأخرى الطائفية التي تتبعها، ستواجه بمقاومة عنيفة، داعية "الضامن الروسي" إلى تحمل مسؤولياته.

ويحدث هذا التصعيد قبيل أن تكمل اتفاقية المحافظة الجنوبية عامها الثاني في ظل اتفاق "التسوية"، الذي جرى توقيعها بين القوى المحلية وقاعدة "حميميم" الروسية، في شهر يونيو عام 2018، بهدف إيقاف العمليات العسكرية التي قادتها موسكو على المحافظة السورية جنوبا، واستمرت لأكثر من شهر ونصف الشهر.

ويذكر أن قوات النظام السوري مدعومة بالقوات الروسية وبموافقة أميركية قد تمكنت من إنهاء العمليات القتالية في كامل الجنوب السوري يوم 31 يوليو 2018.

وبرعاية وضمانه روسية رسمية، توصل الأهالي والنظام إلى اتفاق يحمل الكثير من البنود منها إطلاق سراح المعتقلين وتسوية أوضاع المطلوبين لأجهزة الأمن وتسهيل عودة النازحين واللاجئين والعودة التدريجية للحياة ومؤسسات الحكومة المدنية من مدارس ومستشفيات وخدمات وبشكل فيه شيء من اللامركزية. كما أرسلت روسيا العشرات من الشرطة العسكرية كنقاط مراقبة لضمان تنفيذ الاتفاق.

يبدو أن الحرب التي قد يشنها النظام ضد أهالي درعا قادمة وهي ضرورة للنظام وللقوى الأخرى على الساحة السورية

والآن بعد عامين من الاتفاق، يسعى النظام إلى التنصل من جميع الاتفاقيات التي تتعلق بجنوب سوريا ويحاول استعادة محافظة درعا بالقوة. ولم يقدم أي بادرة حسن نية لأهالي الجنوب. لم يبن مدرسة أو يوصل خطوط الكهرباء أو يفرج عن المعتقلين أو يطمئن النازحين إلى إمكانية عودتهم بسلامة، بل على العكس عمل على تجاهل كل ما تم الاتفاق عليه، وأرسل إشارات واضحة للسكان المحليين وأصبح من الأخبار اليومية العادية سماع عملية اغتيال بين قادة المعارضة وممثلي النظام وخطف متبادل لإطلاق سراح معتقلين وفلتان أمنى وأصبحت قوات النظام عصابات تعمل وتنافس بعضها ضد المدنيين.

بصرف النظر عن الفشل التام في الالتزام باتفاقية 2018، ترجع الحملة العسكرية التي يشنها النظام السوري على مدينة درعا إلى عدة أسباب منها خشية النظام من أن تصبح درعا نواة لاستمرار الثورة السورية التي بدأت في عام 2011، ورغبته في استغلال معركة درعا كورقة لكسب الوقت بعد إخفاقه في الملف الاقتصادي.

يخشى أيضا النظام من أهل محافظة درعا كون المجتمع متماسك وعنيد ولديه نزعة استقلالية عن النظام وظهر فيه قيادات جديدة محلية لها تأثير واحترام ومختلفة جذريا عن النماذج العسكرية التي كانت موجودة في درعا قبل استيلاء النظام عليها. 

ومن ثم، يمكن أن تكون درعا نواة لاستمرار الثورة ضد النظام وهذا ما يشكل تهديدا جديا لروسيا وإيران والنظام إذا ما استمرت هذه الحركة. لذلك، اعتبر النظام أن مدة الاتفاق الزمنية انتهت وأن كل درعا يجب أن تعود إلى سلطة النظام بدون شروط وبدون أي اعتبار للضمانات الروسية.

ومع تفشى وباء كورونا وضعف الاقتصاد وظهور متطلبات اجتماعية واقتصادية وخدماتية ما بعد "الانتصار" والتي لا يستطيع النظام دفعها ولا يريد مناقشتها، فإن معركة في درعا بالنسبة للنظام ستكون ضرورة لكسب الوقت وتأجيل مستحقات الانتصار للطبقة الموالية للنظام وسحب النظام للجيش الذي أصبح عاطلا عن العمل من إدلب إلى درعا. ومن ثم، أدرك السكان المحليون أن النظام لم ولن يتغير وقاموا بردعه وإيقاف تصرفاته غير القانونية وغير أخلاقية وأحيانا بقوة السلاح.

لعبت روسيا، التي لم تستطع الحفاظ على تعهداتها بما في ذلك الاتفاق الذي حدث بين السكان المحليين والنظام تحت رعايتها، دورا كبيرا في تحفيز النظام السوري على مهاجمة درعا، فبعد فشل جميع المفاوضات بين الطرفين، ظهر الروس بموقف المتفرج الذي لا يعرف ماذا يفعل ولا كيف يحمي تعهداته، لكنهم عرضوا على أهل درعا الانضمام للمجموعات الروسية المسلحة والانتقال إلى ليبيا للقتال هناك أو للانتقال إلى منطقة السويداء لقتال الدواعش هناك.

يخشى أيضا النظام من أهل محافظة درعا كون المجتمع متماسك وعنيد ولديه نزعة استقلالية

من دون أي التزام واضح بالاتفاقية، يعتقد النظام أن الاتفاقية التي توسطت فيها روسيا قد انتهت صلاحيتها معتبرا أن مدة الاتفاق الزمنية انتهت وأن كل درعا يجب أن تعود إلى سلطة النظام بدون شروط وبدون تدخل روسيا إلا لمساندته عسكريا. 

الجانب الروسي دائما ما يوازن تصرفاته بين دعم النظام والمحاولة دون الغرق في المستنقع السوري. وهذا دائما يعطي النظام مساحة أوسع للعمل ضد ما يريده الروس، الذين لا يهتمون كثيرا بما يقوم به النظام داخليا خصوصا إذا كان هذ التدخل ولا يؤثر على الاستراتيجية الروسية تجاه سوريا ومصالحها.

تمثل منطقة الجنوب تمثل أهمية استراتيجية كبرى للحليف الإيراني الذي يسعى لإيجاد موطئ قدم له بالقرب من الحدود مع إسرائيل وهو ما يمنح إيران ورقة ضغط في حال تعرضها لحملة عسكرية أميركية إسرائيلية.

تصرفت إيران أيضا كلاعب رئيسي في تحفيز النظام السوري على مهاجمة درعا، فالموقف الإيراني ينطلق من أن اتفاق أستانا يمثل حجر الزاوية للتعاون الروسي الإيراني التركي لإنهاء الأزمة السورية بطريقة تحفظ مصالح هذه الدول. ومن هذا المنطلق فإن روسيا وافقت على إعطاء تركيا ضمانات على الأرض لضمان أمنها وتحقيق أهدافها في سوريا في منطقتي شرق الفرات وإدلب، وبالتالي ترى إيران أن على روسيا أن تعطيها نفس الحقوق الأمنية والاستراتيجية في المنطقة الجنوبية في سوريا (جنوب دمشق حتى حدود مع إسرائيل) وذلك لمواجهة أي تصعيد أميركي إسرائيلي عسكري ضد إيران ولتقوية موقف إيران في أي محادثات قادمة بخصوص الملفات العالقة مع الغرب.

وكلما زادت الضغوط الدولية على إيران واستمرت الضربات الإسرائيلية ضد الأهداف الإيرانية داخل سوريا، كلما ازداد إصرار إيران على تكثيف وجودها على الحدود مع إسرائيل وبالتالي إلغاء الاتفاق الذي رعته روسيا بين السكان المحليين والنظام وضرورة وقف ما تعتبره إيران حالة الفوضى في الجنوب. ودائما ما يبرر النظام السوري تصرفات إيران بادعائه أنها تحارب الإرهاب.

تمثل منطقة الجنوب أهمية استراتيجية كبرى لإيران التي يسعى لإيجاد موطئ قدم لها بالقرب من الحدود مع إسرائيل وهو ما يمنحها ورقة ضغط في حال تعرضها لحملة عسكرية أميركية إسرائيلية

بالنسبة لإيران، فهي لم تضيع أي وقت لبناء قوات حليفة لها تحت عدة مسميات ووسعت قواعدها العسكرية في هذه المنطقة القريبة من إسرائيل ولم تبال أو تهتم بما يقولوه أو يقوم به الروس من اتفاقات مع الإسرائيليين والأميركيين، وذلك وفقا لمبدأ "إذا أنتم لا تستطيعون حمايتنا من الإسرائيليين فاتركونا نحاربهم وحدنا". 

ولهذا السبب قام الإيرانيون بإنشاء اللواء العسكري الشيعي 313 برئاسة إبراهيم مرجي ومقره في "أزرع" والذي يتألف مما يقارب 1200 مقاتل، ومرتبط بالحرس الثوري الإيراني ومهمته حماية مصالح إيران بالمنطقة بما فيها مخازن الأسلحة الاستراتيجية في المنطقة الجنوبية. 

ومن ثم، فإن التهدئة في الجنوب لا تصب في مصلحة إيران التي تسعى إلى بسط سيطرتها على الحدود الجنوبية لتهديد إسرائيل والاحتفاظ بورقة ضغط تساهم في تخفيف الحصار الاقتصادي والسياسي المفروض عليها من قبل الغرب.

في النهاية، يبدو أن الحرب التي قد يشنها النظام ضد أهالي درعا قادمة وهي ضرورة للنظام وللقوى الأخرى على الساحة السورية، وكل له أسبابه المختلفة وهذا الاختلاف هو الذي سيحدد المدى الذي ستأخذه شكل هذه الحرب الجديدة ومداها الذي قد يكون محدودا لمنع حدوث حركة نزوح جديد للأردن تُظهر فشل الروس والنظام وإيران في كل ما ادعوه من سيطرة على درعا.

وفى ظل تفشى وباء كورونا يتوجب على جميع الأطراف الفاعلة في المجال السوري أن تتوقف عن لغة الحرب والالتزام بتعهداتهم المتعلقة بالجنوب السوري، فالتصعيد المستمر ضد المناطق الجنوبية سينتج عنه تهديدا لأمن الدول المجاورة خاصة الأردن وإسرائيل، والتي قد تتدخل لحماية أمنها وحدودها وهو ما قد يعيد الأزمة السورية إلى نقطة الصفر.

المصدر: منتدى فكرة