فرع مصرف إيراني أحرقه المحتجون قرب العاصمة طهران
فرع مصرف إيراني أحرقه المحتجون قرب العاصمة طهران

تتوسع حالة التعثر الإيرانية داخليا. ما بعد انتفاضة الوقود ليس كما قبلها، حتى لو نحج النظام، عبر التصدي المميت، بإخمادها مرحليا، إلا أنها تركت ندوبا دامية في جسد النظام من الصعب أن يُشفى منها في المدى المنظور والمتوسط، خصوصا أن سياسات النظام تساهم بتفاقم الأزمة سياسيا واقتصاديا.

معالجة الأزمة ـ ربما الأزمات ـ لم تعد ممكنة من دون عملية قيصرية، لا يمتلك النظام المؤهلات اللازمة لإجرائها. مع الإشارة، إلى أن هذه العملية، لا بد وأن لها عوارض جانبية ستؤثر حكما على بنيانه وربما لا يخرج منها على قيد الحياة، خصوصا أنه يواجه انتفاضة أفقية لأول مرة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية سنة 1979.

فالمدن الإيرانية التي توصف طبيعتها بالصامتة نتيجة لثقافة تاريخية يفسرها الفلاسفة وعلماء الاجتماع بأنها انعكاس للطبيعة الباطنية التي يمارسها سكان الهضبة الإيرانية منذ عشرات العقود.

بين أقلية موالية وأغلبية معارضة، لم يعد ممكنا للنظام التستر على عيوبه

المفاجأة في هذه المرحلة، أن هذه المجتمعات، التي تتشكل منها الدولة الإيرانية، تخلت عن صمتها أو سكوتها وهي تعبر بوضح عن مواقفها دون تردد أو حذر من حجم العواقب التي قد تتعرض لها من نظام يمارس الاستبداد الديني، ما يفتح الاحتمال أن تكون المواجهة المقبلة أكثر جذرية وأشبه بزلزال سياسي متأثر بالطبيعة الجيولوجية لإيران، التي تقع على فالق زلزالي مدمر سيتسبب بإخراج ما في باطن المدن الإيرانية إلى الأعلى، ما قد يغير شكلها اجتماعيا وسياسيا.

فرضت الأحداث الأخيرة على النظام أيضا الخروج عن طبيعته التقليدية، وانتقل إلى مرحلة الوضوح الكاملة في تعاطيه مع أزماته المتعددة والمتراكمة. فلم يتردد في القيام بعملية فرز اجتماعية بين مكوناته، وقسّم الشارع الإيراني بين مؤيدين ومعارضين له.

المؤيدون أو الولائيون، هم عمليا أقلية مستفيدة من السياسة الريعية التي يمارسها النظام لصالح أتباعه ومن يدورون في فلك مؤسساته الثورية. يصفهم النظام بالمستضعفين الذين يوالون الحكومة الإسلامية وليس جيوش الفقراء والمحتاجين، وهذا ما يفسره الكاتب الإيراني المعارض أمير طاهري في مقال له تحت عنوان "ملالي طهران والمقامرة الخاسرة" بقوله "عندما يتعلق الأمر بالشؤون الدنيوية، فإن نظام الحكم الإسلامي غير معني بمساعدة الفقراء والضعفاء من أبناء الشعب، وإنما بحماية الأمن والازدهار لأولئك الذين يحظون ويتمتعون بهذه النعم".

أما المعارضون فمن الواضح أنهم يشكلون الأغلبية التي خيّرها النظام بأن حياتهم الكريمة مرتبطة بولائهم لحكومة الجمهورية الإسلامية، وهم باعتراف الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني يشكلون أكثر من 70 في المئة من الشعب الإيراني.

بين أقلية موالية وأغلبية معارضة، لم يعد ممكنا للنظام التستر على عيوبه. فهو يمر في مرحلة انفصال عن الواقع أشبه بحالة إنكار لما يجري إن استمرت الأوضاع الاقتصادية السيئة. ولا مناص للنظام من ترداد سرديته والاستمرار في اتهام الخارج وخصوصا الولايات المتحدة بالتسبب بالأزمة الاقتصادية جرّاء عقوبات غير مسبوقة تتعرض لها طهران، حسب ما جاء على لسان الرئيس روحاني عندما اتهم واشنطن بمحاولة تركيع بلاده، لافتا إلى أن السبيل الوحيد أمام الحكومة هو تقليص الآثار السلبية للعقوبات الأميركية.

موقف روحاني في التهرب من المسؤولية يُكمل موقف المرشد علي خامنئي بأن المتضرر من العقوبات هو الشعب وليس النظام، القادر ـ برأيه ـ حتى الآن على المواجهة وعلى حماية بيئته الولائية التي أبدت استعدادا كاملا للدفاع عنه، وضرب المعارضة السياسية المطالبة بتطوير الحياة السياسية والشارع المطالب بتوزيع عادل للثروة ووقف هدرها على مشاريع خارجية.

النظام الآن ما بين خسارة النفوذ أو خسارة الوجود

هذا الطلاق بين النظام وأغلبية الإيرانيين كتبت عنه صحيفة نيويورك تايمز "إن الثورة الأخيرة كشفت عن مستويات مذهلة من الإحباط من قادة إيران، إن الرد الصارم من قبل السلطات الإيرانية على الاحتجاجات كشف عن وجود خلاف حاد بين قادة إيران والشعب الإيراني البالغ عددهم 83 مليون نسمة، لقد وجَّه العديد من الإيرانيين الذين يشعرون بالمرارة عداءهم مباشرة إلى المرشد علي خامنئي، الذي بدوره وصف القمع بأنه رد فعل مبرر على مؤامرة أعداء إيران في الداخل والخارج".

علميا حتى الآن لم تستطع التكنولوجيا المتطورة من القيام برصد مبكر لحركة الزلازل والتحذير من حدوثها للمساعدة على التقليل من أضرارها، كما أن النظام الإيراني، وعلى الرغم من الاستنفار الأمني والعقائدي، لا يملك القدرة على توقع الزلزال الاجتماعي المقبل.

النظام يعتمد فقط على قرار القمع، الذي أثبت فشله بعد تجربته من قبل كل الأنظمة القمعية في المنطقة التي راهنت على القوة فقط، لذلك هو الآن في مواجهة خياراته القليلة والضيقة، فإما التراجع أمام مطالب المحتجين وهي خسارة لهيبته داخليا وانكسار لمشروعه خارجيا، أو الاستمرار بالعنف. بات النظام أمام حليّن أحلاهما مُرّ خصوصا أن كأس السم الذي قد يتجرعه في الداخل سيختلف عن الخارج فهو الآن ما بين خسارة النفوذ أو خسارة الوجود.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.