يضعان ورودا تكريما لضحايا الهجوم على جسر لندن
يضعان ورودا تكريما لضحايا الهجوم على جسر لندن

طعن عثمان خان (28 سنة) عدة أشخاص على جسر لندن، يوم الجمعة 29 نوفمبر. مات اثنان منهم وجُرح ثلاثة آخرون. للأسف، لم يكن هذا الحادث الأول من نوعه في لندن، ولكن هذا الحادث له خصوصية غريبة.

فعثمان، السجين السابق والمدان في جرائم إرهاب، قتل ساسكيا جونز (23 سنة) وجاك ميريت (25 عاما) اللذين كانا يدافعان بقوة عن فكرة إعادة تأهيل السجناء والمتطرفين، وهنا تكمن المفارقة. فقد قتل خان حرفيا من آمنوا بإعطائه فرصة ثانية في الحياة!

أبطال هذا المشهد البشع والمؤلم ثلاثة شباب بريطانيين، في العشرينيات من عمرهم. اثنان منهما دافعا عن حق من اقترف جريمة في التغيير والحصول على بداية جديدة، وطالبا المجتمع أن يقبلهم. بينما آمن الثالث أن هذا المجتمع كافر ولا بد من إخضاعه لحكم الإسلام، من وجهة نظره، بالقوة مهما كلف ذلك من سفك دماء الأبرياء.

جسّد الحادث صداما بين ثقافتين

تعود أصول خان إلى إقليم كشمير، وتحديدا الجزء التابع لباكستان. وقد خطط مع مجموعة من الجهاديين الآخرين سنة 2010 لتفجير بورصة لندن وقتل شخصيات عامة مهمة منها بوريس جونسون رئيس الوزراء الحالي وعمدة لندن وقتها، بإيعاز من تنظيم القاعدة.

على إثر ذلك تم الحكم عليه في فبراير 2012 بسجن مفتوح المدة، أو السجن لحماية العامة IPP Imprisonment for Public Protection. وهي عقوبة قانونية تسمح للقاضي بالحكم على الأشخاص شديدي الخطورة بالبقاء في السجن لمدة غير محددة ولا يتم الإفراج عنهم إلا في حالة موافقة لجنة الإفراج المشروط.

ولكن في سبتمبر 2012 حكمت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بإلغاء هذه العقوبة، التي رأتها المحكمة عقوبة غير قانونية وقاسية. وعليه فبعدها بثلاثة أشهر ألغت بريطانيا هذه العقوبة. وقد استغل خان ذلك، ففي 2013 استأنف على الحكم الصادر ضده، وحُكم عليه بالسجن 16 عاما بدلا من الحكم غير المحدد المدة. كما تم الإفراج عنه بعد نصف المدة في نهاية 2018، بشكل تلقائي بشرط أن يبقى تحت المراقبة ويرتدى سوارا إلكترونيا لمدة 5 سنوات.

أما ساسكيا جونز، فدرست ماجستير الفلسفة في كامبريدج وكانت تحلم بالحصول على درجة الدكتوراه. وكانت متطوعة في مبادرة "نتعلم سويا" التي تقوم بها جامعة كامبريدج لإعادة تأهيل السجناء السابقين ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع. وفي رثاء عائلتها لها وصفتها بأنها "كانت دائما تريد أن ترى الأفضل في الآخرين، وأنها كانت تؤمن بقوة أنه ينبغي أن نعطى فرصة لإعادة تأهيل من ارتكبوا جرائم في الماضي".

أما جاك ميريت الذي درس أيضا ماجستير الفلسفة في جامعة كامبريدج العريقة، فكان منسقا في نفس المبادرة ووصفته عائلته قائلة: "إنه كان يؤمن بالتوبة وإعادة التأهيل، وليس الانتقام. وكان دائم الدفاع عن الضعفاء".

لسخرية القدر، لا تنتهي المفارقة هنا. فعثمان خان دعي للمؤتمر الذي كان يناقش كيفية دعم السجناء السابقين، حتى يتكلم عن خبرته كجهادي سابق وعن كيفية تغيره.

حضر خان المؤتمر بعدما صرحت له الشرطة بالذهاب إلى لندن، ولكن قبل نهاية المؤتمر، بدأ في طعن من حوله بسكين. ثم استمر في الطعن إلى خارج القاعة على جسر لندن، حيث تمكن الناس، ومن ضمنهم أحد السجناء السابقين، من تجريده من سلاحه قبل أن تقتله الشرطة.

شكل ما حدث صدمة في بريطانيا، ففي الوقت الذي اختار فيه جاك وساسكيا تكريس حياتهما المهنية لمساعدة السجناء السابقين والمتطرفين المدانين في جرائم إرهابية مثل خان، كرس خان حياته لتدمير هذا المجتمع الذي منحه فرصة تلو الأخرى.

فتح الحادث أسئلة عديدة عن جدوى برامج الـ Deradicalization أو برامج إعادة تأهيل المتطرفين التي تقوم بها الحكومة البريطانية. فهناك 74 آخرين مدانين في قضايا إرهاب تم الإفراج عنهم مثل عثمان خان.

ومن الانتقادات التي توجه لهذه البرامج أنها تتجاهل البعد العقائدي الذي يؤمن به المتطرف والذي يشكل جزءا كبيرا من دوافع ارتكابه لجرائمه.

وفي هذا السياق يقول الخبير الإنكليزي في التطرف الديني ماجد نواز: "إن ما حدث يثبت عدم جدوى هذا البرامج". أما محطة بي بي سي فقد كتبت عن البرامج التي حضرها خان في السجن مشيرة إلى عدم اختبار فعاليتها سابقا.

جسّد الحادث أيضا بشكل عملي المفارقة بين نظام قضائي يتطور باستمرار لضمان أكبر قدر من مراعاة حقوق الإنسان للمتهمين وللمدانين أيضا،والفكر التكفيري الذي يعتمد التقية والكذب كأحد الوسائل المشروعة للجهاد.

فقد استفاد خان من إلغاء عقوبة السجن غير المحدد المدة، الذي تم بدافع حماية حقوق السجناء، عندما تم تخفيض الحكم لـ 16 سنة، ثم الإفراج المشروط عنه تلقائيا بعد نصف المدة. كما إنه طلب الانضمام إلى برامج إعادة تأهيل المتطرفين، ثم كذب وقال إنه قد تغير وإن ما حدث منه في الماضي لا يمثل الإسلام، بغرض خداع النظام القضائي.

طالبت أسرة جاك بعدم استخدام الحادث من أجل توقيع عقوبات أكثر قسوة

كذلك، جسّد الحادث صداما بين ثقافتين. ثقافة تحاول أن تتمسك بالأمل حتى لو كان ضعيفا في إمكانية تغيير المتطرف للأفضل لو توافرت له الظروف. وبين ثقافة لا تؤمن بالآخر من الأساس، بل ترى فيه كافرا ملعونا ودمه حلال، وتصرّ على الخلاص منه وأن قتله خير للبشرية.

فساسكيا الشابة المثالية صغيرة السن، التي ربما ما كانت ترى عثمان خان ضحية لظروفه، تم قتلها على يد شخص لا يرى فيها أكثر من امرأة متبرجة وكافرة، وحياتها لا تساوى شيئا. وبينما ماتت هي وجاك وهما يدافعا عن مبادئ عظيمة ونبيلة، مات خان خسيسا وخائنا لكل من مدوا له يد المساعدة.

وطالبت أسرة جاك بعدم استخدام الحادث من أجل توقيع عقوبات أكثر قسوة. وعلى الرغم من نبل مقصد هذا الأسرة وعلى الرغم من نبل أخلاق الضحايا، ولكن ما حدث جعل البريطانيين يدركون أن عليهم مراجعة فلسفة وإجراءات التعامل مع الجهاديين السابقين، ومراجعة فاعلية برامج إعادة تأهيل المتطرفين.

فبدون التعامل مع الجذور الفكرية والعقائدية لمشكلة التطرف بشكل واقعي يقدر خطورتها، ستظل هذه البرامج مجرد محاولات حالمة تنتهي نهايات لا  تقل مأساوية عن هذه النهاية بل وربما تزيد.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!