متشددون في باكستان يعترضون على حكم المحكمة العليا بتبرئة سيدة من تهمة التجديف
متشددون في باكستان يعترضون على حكم المحكمة العليا بتبرئة سيدة من تهمة التجديف

قلت في الجزء الأول من هذا المقال إن المفاهيم الأربعة الرئيسة المسؤولة عن توليد العنف الأصولي الإسلامي: الأمة الإسلامية، الحاكمية، الخلافة الإسلامية، الجهاد؛ يتم ترسيخها في عقول الشباب ومنحها المشروعية عن طريق استخدام العديد من الآليات الثانوية التي يتم تبريرها عبر الأسانيد المأخوذة من القرآن والسنة وفتاوى الفقهاء.

يتم إقناع الكادر بضرورة الانضمام لمسيرة الجهاد الذي تتبناه الجماعات المتطرفة باستخدام العديد من الآليات المساعدة على تطبيق المفاهيم الرئيسية مثل فكرة "الولاء والبراء"، الذي يقول عنه الخباص في رسالته المذكورة:

"إن حكم الطغاة في تلك البلاد (أي البلاد العربية والإسلامية) لم تكن فيه فائدة لدين الشعوب أو حتى دنياهم. ولهذا هاجرت العديد من العائلات لأوروبا سعيا وراء الاستقرار والحياة الأفضل. وعلى الرغم من أن العديدين قد استفادوا من عيشهم في الغرب بلا شك مثل دراستهم للطب فإن هذا الأمر لم يتم دون دفع ضريبة. هذه الضريبة ليست بسيطة ولكنها عالية أدت إلى فقدان الكثيرين لعقيدة الولاء والبراء والكفر بالطاغوت، وتم استبدالها بعقيدة العلمانية التي يتم ممارستها تحت ستار يسمى بـ"الإسلام الحديث".

مسؤولية فتح العقل تقع في المقام الأول على عاتق المسلمين أنفسهم وليس غيرهم

البراء يعني بغض الكافرين، ومن مظاهره عدم الإقامة في بلاد غير المسلمين، وعدم السفر إليها لغرض النزهة ومتعة النفس، وعدم اتخاذ الكفار والمشركين بطانة ومستشارين، وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي.

من الأشياء الخطيرة التي تترتب على تلك العقيدة هي ضرورة كراهية غير المسلمين حتى لو سافرنا وأقمنا في بلادهم، فأنواع السفر لبلاد الكفر هي السفر للدارسة أو التجارة أو العلاج أو الدعوة، ووفقا لتلك العقيدة فإن هناك شروط للإقامة ببلاد الكفر أحدها أن يكون المقيم مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم.

أيضا تعتبر آلية "التترُّس" من الآليات المهمة التي تُعطي المشروعية لقتل المسلمين أثناء الحرب على "الكفار"، وفي هذا الإطار يقول ابن تيمية "وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترس بمن عنده من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم".

قد كان من نتائج العمل بهذه الآلية أن فجرت المجمعات السكنية في العديد من البلاد الإسلامية وقتل الآمنين. كذلك تم استخدام العديد من الفتاوى التي تعضِّد السير في هذا الطريق مثل فتوى "ماردين" التي قال بها ابن تيمية.

تستخدم الجماعات العنيفة أدلة من القرآن والسنة للسيطرة على عقول الشباب وتجنيد الكادر، من أجل تبرير المفاهيم واعطاء المبررات للممارسات الهادفة لتحقيقها، ففي موضوع الجهاد يتم الاستشهاد بأقوال منسوبة للرسول مثل "من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق"، و "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".

أما قضية ذبح الأسرى، فيتم تبريرها باستخدام الحديث المنسوب للرسول والذي يقول: "أتسمعون يا معشر قريش: أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح"، وكذلك حادثة ذبح خالد القسري للجعد بن درهم، حيث قام بنحره في المسجد يوم عيد الأضحية، وذلك بعد أن خطب في الناس وقال في خطبته تلك: "أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم... ثم نزل فذبحه في أصل المنبر". وقد تردد صدى هذه الممارسات في التهديد الذي أطلقته "داعش" للصحوات في ليبيا: "صبرا صحوات درنة، إنما جئناكم بالذبح".

ومن ناحية أخرى، فإن تفجير النفس في الآخرين وقتلهم من خلال تفجير الجسد، فيتم تبريره بالحديث "مِنْ خير مَعَاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانّه".

في قضية حرق الأسرى يستشهدون بالحديث المروي عن عكرمة "قال: أُتي عليٌّ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرِّقهم، لنهي رسول الله (لا تُعذبوا بعذاب الله) ولقتلتهم لقول رسول الله (من بدَّل دينه فاقتلوه)".

ولكن تبقى الآية الخامسة من سورة التوبة والمعروفة بآية "السيف" هي الأكثر تأثيرا في نفوس الشباب: حيث يقول الحق تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم".

تعتبر آلية "التترُّس" من الآليات المهمة التي تُعطي المشروعية لقتل المسلمين أثناء الحرب على "الكفار"

تُفسِّر الحركات العنيفة هذه الآية بالقول إنّ عدم الإيمان بالله والإسلام له يعتبر بحد ذاته مُبررا لإباحة قتل الإنسان حتى إذا لم يكن هذا الإنسان عدوا محاربا، وتنبني هذه الرؤية على مقولات جل علماء الفقه والتفسير الذين يعتبرون أنّ آية السيف قد نسخت كل آية مخالفة، والنسخ هنا يعني أنّ تلك الآيات المخالفة قد "سقط حكمها وبقي رسمها" ولا ينبني عليها أي أثر تشريعي.

بما أن الفكر العنيف يتشكل أساسا في العقول، فإنه لن يكون مُمكنا التخلص من ظاهرة العنف الأصولي الإسلامي بصورة جذرية إلا بفتح العقل المُسلم الذي أغلق بصورة كاملة منذ القرن الثالث عشر. إن الخطر الكبير الذي تمثله المفاهيم التي يتم استخدامها للسيطرة على العقول يكمن في استلاب أجيال بأكملها من الشباب وجعلهم وقودا للعنف الذي لا يجني من ورائه المسلمون شيئا سوى تكريس التخلف والجمود.

ومن البديهي الإشارة إلى أن مسؤولية فتح العقل تقع في المقام الأول على عاتق المسلمين أنفسهم وليس غيرهم، وتفيدنا تجارب التاريخ بأن الغرب المسيحي قد مر بذات المرحلة التي يمر بها المسلمون، ولكنه نجح في تخطيها بفكر الأنوار الذي جعل الغرب يتجاوز ظلام العصور الوسطى ويُمسك بزمام التقدم والحضارة في العالم.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.