تقابل التظاهرات السلمية التي تجتاح العراق ولبنان وإيران بالعنف، ويسقط في بعضها شهداء أبرياء برصاص قناصة مجهولين أو معروفين، بردود فعل باردة حينا، ومنكرة حينا آخر، من قبل بعض السياسيين المتشبثين بكراسي السلطة والحريصين على مصالحهم، في إنكار لمشروعية المطالبة بالإصلاح.

للأسف الشديد، لطالما تجاهل السياسيون التقليديون حث المثقفين والمبدعين لهم منذ عقود عديدة على التنبه لجمر الغضب الملتهب تحت الرماد مثل بركان ينذر بالانفجار. أولئك المبدعون الذين التزموا الصمت وتذرعوا بالحياد، غالبا ما فعلوا ذلك مرغمين، لأنهم يعيشون داخل حدود أوطانهم خائفين من التعرض للاضطهاد، لكنهم في أعماقهم يؤيدون الشعوب التي ينتمون إليها. 

لا نكاد نجد سوى أصوات نادرة من الأدباء والفنانين تصر على أن تبقى السلطات القائمة على حالها رغم تكشف زيف كل الوعود والعهود المبذولة، وتفاقم الفساد والاستبداد.

عديد من الروائيين العرب قاربوا ما سمي "أدب السجون"

أما معظم المبدعين الأصلاء فسارعوا لتأييد احتجاج المتظاهرين، كما عبرت الفنانة ماجدة الرومي ببلاغة وإيجاز في كلمات تسري على جميع الثورات، ليس في الدول العربية فحسب، بل حتى في إيران، عندما قالت: "رأي الشعب من رأي الله، والذي يخاف الله يأخذ برأي الشعب".

بوجهٍ عام، يشكل الإبداع الثقافي والفني هما ثقيلا يؤرق السياسي. إنه يدرك مسبقا روح التمرد المتأصلة لدى المبدع، سواء كان روائيا أم قاصا أم شاعرا أم مسرحيا أم كاتب سيناريو سينمائيا وتلفزيونيا. لذلك، يقال إنه ما أن يُذكر أمام السياسي المحترف اسم مثقف أو فنان أصيل حتى يتحسس مسدسه.

هكذا، بالرغم من ابتسامة السياسي التقليدي العريضة وتعليقاته الدبلوماسية اللبقة، إلا أنه غالبا شخص ليس لديه استعداد للحوار، ولا قابلية لأن يستجيب للنقد. إنه ليس مؤهلا للإصغاء إلى مطالب الإصلاح وتلبيتها طواعية. من وجهة نظره الراسخة، العالم منقسم إلى أبيض أو أسود، إلى حق أو باطل، إلى موالين أو خونة.

لا اختلاف بين بلد من العالم النامي، أو بلد من العالم المتطور. ربما غض السياسي التقليدي نظره إلى حين عن المبدع رمادي الموقف، لكنه لن يتورع ـ متى استقر الحال واستعاد كامل قوته ونفوذه ـ عن صب جام انتقامه حتى على أولئك الرماديين الذين لم يجاهروا بتأييدهم له في وقت الشدة، عقابا لهم على تخاذلهم.

غرافيتي في شوراع بغداد

هناك أكثر من تناقض بين مصطلحي "السياسة" و"الثقافة". هدف السياسة دعائي، أما هدف الثقافة فتنويري، وأحيانا كثيرة يصل دور الثقافة إلى حد "التثوير". لذلك، نلاحظ ريبة من السياسيين عامة تجاه الثقافة والفنون، مما يجعل الساسة ينوسون بين ادعائهم السعي إلى دعم الإبداع وتشجيعه، وبين العمل خلسة على ترويضه وتدجينه. هذا التناقض بين المعلن والمضمر يصادر من الثقافة دورها الفعال في المجتمعات الإنسانية، لأنه لا ثقافة ولا إبداع من دون حرية.

أليس الأدب والفن على وجه العموم سياسيين في جوهرهما؟ نستنتج من استعراض غالبية الأعمال الإبداعية الخالدة في العالم أن الجواب هو "نعم". في الوقت ذاته، لا بد لنا من وعي حقيقة كون أهداف الإبداع الأدبي والفني مختلفة عن أهداف السياسة والسياسيين، لأنها ليست أهدافا مرهونة بالحاضر، بل أهدافا استشرافية للمستقبل.

بالتالي، تشكِّل السياسة عنصرا كامنا بشكل غير مباشر في الأنماط الإبداعية كافة، لكنها ليست تلك السياسة الملبية لاستمرار الوضع القائم، وإلا لأصبح التعبير السياسي في الآداب والفنون دعائيا.

تعمل الثقافة المبدعة ـ على نقيض ذلك ـ ضد التيار الموجَّه الذي يروج له الإعلام، إذ كثيرا ما تكون الروايات والقصص والمسرحيات والأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية مناوئة، مشاغبة، متمردة ومثيرة للجدل. وحده السياسي الديمقراطي، الإصلاحي، الوطني، هو من يتقبل الجرأة في الانتقاد ويدعمها.

منذ زمن طويل، أعرب الجمهور العربي عن ملله من الأعمال الدرامية ذات الطابع الدعائي المتشح بيافطات وطنية، وعن سأمه حتى الأعمال الدرامية الاجتماعية المهادنة التي ليس لها لون ولا طعم ولا رائحة.

غرافيتي في شوراع بغداد

بقي إنتاج تلك الأعمال مجرد صناعة هدفها الربح عبر دغدغة عواطف معينة بأساليب تجارية رخيصة، لكن هذه الأعمال لم تكن جديرة أن تخوض المنافسة على جوائز المهرجانات أو أن تحظى بتقييم عالٍ من النقاد.

بالتالي، تحتفي الثقافة والفنون بالسياسة بالمعنى الفلسفي العميق للكلمة، وليس بمعانيها الآنية السطحية والواعظة بمباشرة ممجوجة. هكذا، نجد عديدا من الروائيين العرب قاربوا ما سمي "أدب السجون"، وكتبوا الكثير عن إجراءات القمع والتوقيف الاعتباطي دون محاكمة، وعن إخضاع الموقوفين إلى الاستجواب تحت التعذيب وامتهان الكرامة.

من جهة أخرى، لا شك أن بعض قصص الأدب العاطفية نحت إلى مزج الحب بالسياسة بصورة رومانسية شاعرية، فصورت الحب أشبه بحمامة تطاردها طيور الظلام الجارحة، سواء كانت نسور الإرهاب أم صقور الأمن.

من ناحية أخرى، نجد معظم الأعمال الأدبية العربية المستلهمة من التاريخ أو التراث حافلة بالإسقاطات السياسية، نتيجة الرغبة في مراوغة الرقابة، بحيث تعرض مواربة ما لم تجرؤ عن الإفصاح عنه جهارا، وأعتقد أن في هذا جرأةٌ كبيرة، وإن موهت نفسها بعباءة الرمزية.

رغم ما تقدم، لا بد من التأكيد على أن السياسة بغاياتها النفعية الآنية، والثقافة بأهدافها الأزلية السامية، تسيران على صراطين مختلفين تفصل بينهما هوة اختلافٌ الدافع والغاية، القصد والهدف، البذور والحصاد.

غالبا ما يقيِّم السياسي المبدعين حسب الولاء، في حين يقيم المثقف المبدعين حسب الكفاءة

من الملاحظ أن عددا من الأدباء والفنانين في بلدان عربية عدة ينحون إلى مقاطعة المؤسسات الحكومية، متخذين منها موقفا سلبيا مسبقا ناجما عن خيبتهم منها ومعارضتهم لها.

في اعتقادي، يؤدي هذا الموقف إلى إجحاف بحقوق المبدعين نفسها، وتنازلا عن التواصل مع قطاع مهم من جمهور بلادهم، لأن ما تتيحه مؤسسات الدولة من إنتاج أعمال جادة بعيدا عن مفهوم الربح والخسارة نادرا ما تتيحه شركات الإنتاج والنشر الخاصة.

المفترض أن يعبر المبدع عن صوته من داخل المؤسسات الرسمية نفسها، لأنها ليست ملكا لنظام ولا لحزب معين. هذا التشجيع ليس منَّة من السلطة على الكاتب أو الفنان، فهيئات النشر والإنتاج الحكومية حقٌ للمواطن المبدع، كائنا ما كان دينه وطائفته وانتماؤه الإثني. إنها لا تقدم مكرمة ولا فضلا، بل من واجب الإدارات الثقافية أن تتيح المجال لإبداع المبدعين، وأن تحتضن إنتاجاتهم بفخر، مثلما هو واجبها تجاه جمهور المتلقين أن تقدم لهم أعمالا لائقة وجيدة. من المفترض أن تغربل المؤسسات التي ترعى الإبداع الأدبي والفني الصالح من الطالح بموضوعية بعيدا الانحياز أو التحامل، وأن تمنح دعمها دون محسوبية لمن يسهم في تطوير مجتمعه وخلق وعي لدى شعبه.

غالبا ما يقيِّم السياسي المبدعين حسب الولاء، في حين يقيم المثقف المبدعين حسب الكفاءة. تقارب السياسة الثقافية الإبداع الأدبي أو الفني على نحوٍ نظري دون أن تتمكن من تحويل الحلم إلى واقع، أو وضع "خطة طريق" لتحقيقه بشكل سريع وفعال من خلال جدول زمني محدد.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!