يملك الإسلاميون السوريون "أحجية مُغلقة" لتفسير أسباب خراب بلادهم، تتمركز حول تحميل النظام السوري وحلفائه الإقليمية مسؤولية ما حدث ويحدث في البلاد. ولا يتوانون عن الغمز من جهة شبكة علاقات النظام الداخلية، سواء مع البرجوازية التجارية المدينية، أو مع كتل الطوائف والمذاهب "الأقلوية" السورية ونخبهما، من غير العرب السنة، في إيحاء دائم بأن منبع وسبب كامل الخراب السوري متأت من ذلك الجذر، المتمثل بـ"تحالف الأقليات".

لا تُختصر قراءة الإسلاميين السوريين على ما يجري راهنا، بل تتوسع لأن تكون بمثابة رؤية تاريخية، ترى أن العقود المعاصرة من تاريخ سوريا إنما كانت بين ذلك التحالف "المتآمر"، والكتلة النظيرة له، المتمثلة بالأغلبية العربية السنية، التي يستميت الإسلاميون في سبيل احتكار تمثيلها، رمزيا وسياسيا.

يرى الإسلاميون أن سياسة فرنسا العسكرية والأمنية، أثناء سنوات استعمارها لسوريا، كانت القوام والقاعدة التأسيسية لذلك، حينما مكنت أبناء الطوائف والقوميات، من غير العرب السنة، من الإمساك بعصب الجيش السوري. 

أسس الإسلاميون، إلى جانب العسكر وانقلاباتهم، أسسوا للعنف السياسي

ثم تتدحرج تلك قراءتهم، لتعتبر بأن الأحزاب الأيديولوجية السورية، الشيوعية والقومية السورية والبعثية، إنما كانت فقط غطاء خطابيا لنزعات وأهداف تلك الأقليات السورية، ولم تكن الانقلابات والصراعات العسكرية إلا تصفية حسابات بين أبناء هذه الطوائف، بالذات منها أثناء أحداث الستينيات الطويلة، التي شهدت أربعة انقلابات جذرية، كانت الثلاثة الأخيرة منها ـ حسب قراءة الإسلاميين السوريين ـ مجرد صراع بين أبناء الأقليات، وتمتين من قِبلهم لسلطتهم المطلقة على البلاد، مقابل الإزاحة التامة لأبناء "الأغلبية" العربية السنية.

في سبيل تجذير نفسها، تسعى تلك القراءة للربط الدائم بين كتلة الأقليات السورية والقوى الدولية واستراتيجياتها، ساعية لأن تُحمل هذه الأقليات كامل أشكال الشيطنة والسعي "للتآمر" على بلادها، عبر ذلك التحالف مع القوى الغربية. كذلك لكسب قدر معقول من عوائد المظلومية للذات، المُتآمر عليها، ذات الإسلاميين.

لا تستند أحجية الإسلاميين السوريين المبتسرة هذه إلى أُسس موضوعية ومنطقية متماسكة. فالتشكل التاريخي الحديث للكيان السوري، بعوالمه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والجغرافية والسلطوية، ومن ثم تحولاته الرهيبة والكثيرة شديدة التعقيد والتركيب، سواء على مستوى طيف الركائز والديناميكيات الداخلية أو من خلال شبكة تداخلاته مع العوامل والظروف الخارجية، إنما هو أوسع بكثير من تلك الرؤية/الأحجية الإسلامية، التي ما كانت في أي وقت مجرد حقل وقراءة معرفية، بل كانت في أكثر من وجه خطابا أيديولوجيا وأداة سياسية بيد الإسلاميين السوريين، يحققون ويحصلون من خلالها على ما يتجاوز ما هو مجرد رأي بأحوال البلاد.

♦♦♦

الأمر الأكثر حيوية في ذلك السياق، هو سعي القوى السياسية والأيديولوجية الإسلامية السورية، بما في ذلك أكثرها اعتدلا وإيمانا بالعمل السياسي، سعيها للتنصل من مسؤوليتها وأدوارها في هذا الخراب السوري، وتحميله كاملا للآخرين. صحيح أن الحاكمين الفعليين لسوريا، السياسيين والأيديولوجيين، يتحملون الوزر الأكبر من هذا الخراب، لكن الإسلاميين السوريين كانوا بمعنى ما شركاء في المسؤولية عما جرى ويجري من خراب، وإن كانت حصتهم من ذلك أقل من النصف.

فالإسلاميون كان لهم دور مركزي في تحويل الحساسيات الطائفية "الطبيعية" في المجتمع السوري، إلى نمط من الطائفية السياسية والاجتماعية المطلقة، التي صارت الملمح الأبرز لشكل الحياة العامة السورية. 

هذه الطائفية التي ساهمت في كبح تطور كتلة مجتمعية سورية "مدنية" مناهضة لتوجهات الأنظمة السورية الشمولية. هذا غير ما أمنته تلك الطائفية من كتل مجتمعية ونخب اقتصادية وثقافية وأيديولوجية ونسوية سورية لصالح النظام، تلك النخب التي تملك حساسية من طائفية الإسلام السياسي وميوله المحافظة والسلطوية في المجتمع، فتتمركز حول النظام الحاكم، أيا كان سلوكه السياسي.

 هذا النمط السياسي والأيديولوجي من الطائفية، وفر للنظام ملعبا مناسبا لتنفيذ استراتيجياته من الطائفية المستبطنة، التي كانت تستمد جزء من شريعتها من توجهات الإسلاميين من الطائفية المُعلنة.

كذلك أسس الإسلاميون، إلى جانب العسكر وانقلاباتهم، أسسوا للعنف السياسي. فكل القوى السياسية السورية، اليسارية والليبرالية والقومية، العربية والكردية منها على حد سواء، كانت ترفض مطلقا، وعلى الدوام، وأيا كانت سلوكيات وخيارات النظام الحاكم، كانت ترفض أن تستخدم أي شكل من العنف المضاد.

كانت تفعل ذلك لأسباب مختلفة، متعلقة بوعيها الأيديولوجي وفهمها السياسي العميق لطبيعة "اللعبة السورية" وخصائص الكيان السوري، وكي لا توفر للنظام السوري حاجته لمثل ذلك العنف، ليحول شموليته السياسية إلى عنف إطلاقي محاق، وهو ما لم يعه ويلتزم به الإسلاميون السوريون، منذ أواسط الستينيات وحتى الثورة السورية الأخيرة، مرورا بمرحلة الثمانينيات المفصلية.

مارس الإسلاميون السوريون في المجال الرمزي أضعاف ما فعلوه سياسيا. فمثل غيرهم من الإسلاميين، كانوا يحيلون صراعهم الأيديولوجي والسياسي مع القوى السياسية الغربية إلى مواجهة رمزية وثقافية مع قيم ذلك الغرب.

كانوا يستندون إلى هذه المواجهة بهدف خلق معركة بين تلك القيم الغربية والقواعد الاجتماعية للإسلاميين، وبالتالي دفع هذه القواعد نحو المزيد من المحافظة الاجتماعية والمركزية الأيديولوجية والأصولية الدينية، حيث أفرزت عددا من تيارات الإسلام السياسي الأشد تطرفا، التي شُيدت على ذلك الأساس الرمزي.

الإسلاميون السوريون شركاء في المسؤولية عما جرى ويجري من خراب

نفس تلك الدينامية، إنما منحت الأنظمة السورية خطابا مستبطنا، لكنه الأكثر ثراء في نسج علاقته مع القوى الغربية، خطاب يمكن تلخيصه بما يلي: نظام سياسي مدني، نحكم شعبا من المتطرفين، لذا فإن وحدة الحال، فيما بيننا وبين القوى الغربية، إنما ضرورة مطلقة. وهو الأمر الذي يستفيد منه النظام السوري حتى الآن.

فوق ذلك، فإن توجهات الإسلاميين السوريين وخياراتهم وارتباطاتهم الإقليمية والدولية، إنما أجبرت المسألة السورية لأن تتداخل مع عدد لا نهائي من القضايا والاشتباكات الإقليمية والدولية المعقدة، حيث انتقلت المسألة السورية لأن تكون مجرد مطالبة وتلهف سوري لاستحصال الحريات العامة والحياة الديمقراطية، لأن تكون اندراجا لانهائيا في القضايا والصراعات الإقليمية مستحيلة التفكك، يدفع السوريون أثمانها بدمائهم.

ربما لم يكن الإسلاميون السوريون يجاهرون بتلك الأحجية المبتسرة بشكل علني، لكنها على الدوام كانت النواة الصلبة والحقيقية لوعيهم السياسي حول سوريا، تاريخا وحاضرا، وطبعا مستقبلا، الذي لن يكون أكثر لطفا من حاضر الخراب السوري، ما لم يتخل الإسلاميون السوريون، مثل غيرهم، عن أحجيتهم المبتسرة حول سوريا، بلادهم وبلادنا.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.