في مطلع شبابنا، حين انطلق التلفزيون بالأسود والأبيض مع قيام الوحدة بين سوريا ومصر، عرف السوريون لأول مرة شخصية مصرية طريفة اسمها "أبو لمعة" كان يجسدها فنان يدعى محمد أحمد المصري.

أضحكت نكات ذلك الفنان الكوميدي جمهور الإقليمين الشمالي والجنوبي معا، لأنها اعتمدت على عنصر غير مألوفٍ آنذاك، ألا وهو الكذب. صحيح أن الكذب عادةٌ ذميمة، لكن الحق يقال، كانت كذبات أبو لمعة التي يطلقها أمام الشخصية المقابلة له والمسماة "الخواجة بيجو" ـ وكان يؤدي شخصيته فنان يدعى فؤاد راتب ـ كذبات لا يصدقها عقل الطفل الصغير.

كان ذلك النمط من الكذب يثير الضحك لأنه كذب يتضمن قدرا كبيرا من الخيال، لكن أبا لمعة كان يلقي كذباته الفاضحة بكل ثقة وجدية كأنها حقائق ثابتة، بحيث كان سامعوه من المشاهدين السوريين يرددون منبهرين: "أيعقل هكذا؟!" ثم لا يلبثون بالانفجار ضاحكين إما عليه أو على أنفسهم لأنهم ابتلعوا الكذبة بسهولة، واجدين في الكذب الأبيض ترفيها مناسبا لبرنامج "ساعة لقلبك".

المثير للاستغراب هو النطق بكذب مفضوح أشبه بالخيال وكأنه الحقيقة الساطعة

في عام 1785، ابتدع كاتب ألماني يدعى رودولف إريك راسبه شخصية أصبحت جزءا من التراث الشعبي أسماها البارون مونشهاوزن. يروي ذلك البارون مغامراته خلال رحلات وحملات عسكرية خاضها لصالح الإمبراطورية الروسية في حربها ضد الأتراك بين عامي 1735 ـ 1739.

استاء البارون الحقيقي الذي استلهم منه الكاتب راسبه شخصيته وأضفى على حكاياته الخيال الخصب، بحيث حاز شعبية واسعة بين القراء ليس في ألمانيا فحسب، وإنما في أوروبا بأجمعها، فترجم الكتاب إلى عدة لغات، ثم ما لبث أن طوره الشاعر غوتفريد أوغست برغر. خشي المؤلف الأصلي للكتاب من تهديد البارون الحقيقي برفع دعوى قضائية ضده بتهمة القدح والذم، فأنكر مسؤوليته عن تأليف الحكايات.

في الواقع، تعتمد شخصية مونشهاوزن على الكذب الطريف عبر سرد مغامرات مستحيلة الحدوث، مثل امتطاء قذيفة مدفع في الهواء، الصراع مع تمساح طوله أربعين قدما والقيام برحلة إلى القمر.

بالتأكيد، حصد هذا الطراز من الخيال الجامح إعجابا كاسحا نتيجة إثارته للضحك بسبب عبثية الادعاء بانتصارات وهمية حققها البارون مونشهاوزن في غزواته وحروبه. جدير بالذكر، استلهمت شخصية البارون مونشهاوزن وأكاذيب بطولاته المزعومة مسرحيا وإذاعيا وتلفزيونيا وسينمائيا، ويعتبر أشهر الأفلام التي أنتجت عن تلك الشخصية الطريفة فيلم "مغامرات البارون مونشهاوزن" (1988) من إخراج المخرج المشهور تيري غيليام.

الواقع، ليست كل أنواع الكذب مأساوية في التاريخ، إذ تعتمد حبكات "الكوميديا المرتجلة" (الكوميديا دي لارتي) على الكذب عبر شخصيات نمطية عدة. نجد فيها العجوز ـ المتصابي الذي يغازل من هي في عمر حفيداته، متصنعا الشباب والفحولة، كما نجد الكابتن المدعي الذي يتظاهر بالشجاعة والإقدام بينما يخاف من فأر. نجد أيضا البخيل الذي يدعي الكرم، ونجد الفقير الذي يزعم الثراء، ونجد العاهرة التي تلبس لبوس الشرف، كما نجد رجل الدين الذي يرتكب الموبقات خلسة عن الأعين وهو يزعم التقوى والورع. 

كثيرا ما استخدم المؤلفون المسرحيون الكذب في الكوميديا، فمسرحيات موليير وماريفو وسكريب وبومارشيه الفرنسيين حافلة بالأكاذيب، وحبكات عديد من مسرحيات أوسكار وايلد وبرنارد شو ونويل كوارد وبريستلي البريطانيين كذلك تستند إلى الأكاذيب.

بالمقابل، استخدم مؤلفو التراجيديا الكذب بلونيه الأبيض والأسود كمادة أساسية في مسرحياتهم، منذ عصر شكسبير إلى وبستر وفورد وصولا إلى مؤلف معاصر مثل جو أورتون.

في عصرنا أصبح الإمساك بالحقيقة مثل الإمساك بسمكة في الماء

من الأمثلة الفريدة على الكذب الإيجابي الأبيض مسرحية "سيرانو دو برجراك" من تأليف إدموند روستان، وهي تدور عن فارس مغوار يجيد الكلام الشاعري المنمق والجميل ويهوى صبية جميلة، لكنه لا يلفت نظرها بسبب قباحة أنفه الطويل. عندما يكتشف سيرانو أن صديقه العيي في الكلام يحبها وتحبه دون أن يجيد التعبير عن مشاعره، يضحي بحبه من أجل إسعادها، فيجعل صديقه العاشق يقف تحت شرفتها بينما يتسربل بعباءة الظلام ملقيا لها كلاما من أعماق قلبه، لتخال أن قائله هو ذلك الشاب الوسيم الذي لا يحسن الكلام. لا تكتشف الحبيبة روكسان حقيقة تضحية سيرانو وحبه الصادق لها إلا بعد فوات الأوان، حين يصاب سيرانو بجرح مميت خلال الحرب، ويحين أجله.

ربما سنتفهم ونبرر دواعي الكذب الأبيض، فمن الممكن أن يقترف الكذبة البيضاء أحد الزوجين عندما يقوم بفعل غير أخلاقي يدرك أنه سيلاقي ردة فعل غاضبة من شريك العمر، حين لا يقصد ذلك الفعل الطائش إلى "خربان البيت"، فيكذب كذبة بيضاء تغطي ذلك السلوك الناشز أو تلك النزوة العابرة.

ربما يطلق الكذبة البيضاء أيضا مرؤوس لرئيسه تبريرا لهفوة أو تقصير، أو تجنبا لعقوبة حسمٍ من المعاش أو نقل إلى قسم آخر أقل شأنا أو أصعب دواما. أما طبع الكذب المتأصل عند بعض الأشخاص فيبقى مستغربا، إذ يطلقون الكذبة، ثم تنطلي عليهم هم أنفسهم، فيصدقونها.

بالرغم من انتقادنا اليوم لبعض الأخطاء التاريخية، فإن حجم الكذب السياسي في الماضي لا يقارن بالكذب في الزمن الراهن. كان الكذب في تصريحات وخطب شخصيات الماضي رماديا، إنما ليس أسود اللون.

أما في القرن الحادي والعشرين، وفي معظم دول العالم المتخلفة والمتقدمة، فيمارس الكذب السياسي بجرأة تفوق أضعاف ما كان يمارس من قبل. لو تابع المرء برامج المواجهات الساخنة بين خصمين ينتميان إلى معسكرين سياسيين متصارعين، أو استمع إلى تحليل محلل سياسي جندته محطة ذات اتجاه سياسي معين يتبع حزبا أو زعيما أو نظاما ما، فسيدهش لمقدار "البجاحة" في الكذب، حسب التعبير باللهجة المصرية الدارجة.

الغريب هو أنه بدلا من أن توفر الفضائيات والإنترنت والمواقع الإلكترونية ووسائل الاتصال الاجتماعي الحقيقة للمتلقي المتلهف إلى المعرفة، والراغب في اتخاذ موقف محدد تجاه حدث سياسي أو اجتماعي ما، فإن تضارب المعلومات يجعل المرء في عصرنا أشد ضياعا وحيرة، بحيث يصبح الإمساك بالحقيقة مثل الإمساك بسمكة في الماء.

كثيرا ما استخدم المؤلفون المسرحيون الكذب في الكوميديا

في القرن الحادي والعشرين، لم يعد المرء يستطيع إلا نادرا سماع كلمة صادقة في تصريح أو تحليل أو خطاب. بالأحرى، غالبا ما يجد المتلقي نفسه بين مصدقٍ ومكذب، حائرا أمام الشيء ونقيضه، كما أن كثيرا ما ينشر موقع إلكتروني أو صحيفة مطبوعة أو محطة تلفزيونية تكذيبا لكلام نشر قبل يوم، وأحيانا قبل ساعات.

يستقبل الناس عبر تطبيق "واتسآب" وسواه من وسائل اتصال كمية هائلة من الإشاعات ويتداولونها على أنها حقائق ثابتة إلى أن يكتشفوا بطلانها. "كل يغني كلٌ على ليلاه" ليعبر من وجهة نظره عن موقف إدانة أو شجب أو تأييد، فيبرر قرارا أو سلوكا اتخذه حزب معين بإيعازٍ ممن يموله ويتلاعب به كما يتلاعب لاعب الدمى بالماريونيت. المثير للاستغراب هو النطق بكذب مفضوح أشبه بالخيال وكأنه الحقيقة الساطعة.

كم من مرة اكتشفنا أن ما روج له هو عبارة عن محض كذب؟ إنه ليس كذبا أبيض اللون، بل هو كذب ملطخ بالسواد، كذب سخيف ورقيع لا هدف له سوى التضليل وتشويه السمعة وتفتيت الشمل وإثارة النعرات الدينية والطائفية والقومية. اضطرب قاموس المصطلحات، وأصبحت معظم التعبيرات تعني أشياء أخرى، فتسمم الدعايات الحقيقة وتسير في جنازتها، لأن صفة الكذب باتت الطريق الأيسر للنجاح.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.