سبق قمة كوالالمبور، صدور أصوات تطالب بتفعيل العمل الإسلامي المشترك
سبق قمة كوالالمبور، صدور أصوات تطالب بتفعيل العمل الإسلامي المشترك

منذ تأسيسها قبل نصف قرن، انعقد لواء زعامة منظمة المؤتمر الإسلامي، والتي ستعرف لاحقا باسم منظمة التعاون الإسلامي، للملكة العربية السعودية... حدث ذلك في ظروف إقليمية ودولية مواتية تماما للمملكة.

فهي من جهة أولى، حاضنة للحرمين الشريفين، مهد الرسالة المحمدية وموطنها الأول، ومن جهة ثانية، لم تلق منافسة جدّية من قبل دول إسلامية وازنة، اقتصاديا وديموغرافيا في تلك الفترة (مصر مثخنة بجراح هزيمة يونيو 1967، تركيا لصيقة بالغرب والناتو وضعيفة اقتصاديا، إيران تحت حكم الشاه، كانت دعامة أساسية للنفوذ الغربي في الخليج، الباكستان وإندونيسيا غارقتان في الفقر والتحديات الداخلية، نمور آسيا، ومن ضمنها ماليزيا، لم تكن خرجت من أقفاصها بعد)... كما أن الزعامة السعودية للعالم الإسلامي، من جهة ثالثة، كانت "متطلبا" أملته ظروف الحرب الباردة ومقتضياتها في تلك الأزمنة.

المنظمة الإسلامية نشأت في الأصل، في سياقات الصراع العربي ـ الإسرائيلي وبفعل تداعياته ـ حريق المسجد الأقصى في العام 1969 ـ واقتصرت أدوارها ووظائفها على تقديم الدعم والإسناد للجانب الفلسطيني، وتبنت تلقائيا، المواقف والبيانات الختامية لجامعة الدول العربية، ونأت بنفسها عن "التورط العميق" في قضايا الخلاف داخل العالم الإسلامي وبين دوله، مكتفية بدعم مواقف دول إسلامية في نزاعاتها مع دول غير إسلامية (الباكستان في صراعها مع الهند، المسألة القبرصية وغيرها).

تجد المملكة صعوبة في إدامة قيادتها للعالم الإسلامي

تغير هذا الوضع في السنوات الفائتة، بل تغير كليا، فقد تبدلت مواقع المراكز الإسلامية الكبرى وتغيرت مواقفها وتطلعاتها الاستراتيجية... إيران الإسلامية مدفوعة بإنجازات العقدين الأخيرين، تتطلع لقيادة العالم الإسلامي أو قسم منه، في تحدٍ مباشر لزعامة المملكة المتفردة... تركيا سيكون لها بعد العام 2002 قيادة جديدة، ذات منحى "عثماني" واضح، وطموح جامح لاستعادة أمجاد إمبراطورية دارسة... الباكستان من موقعها كدولة إسلامية وحيدة مسلحة بأنياب نووية... ماليزيا وإندونيسيا، تنهضان كلاعبين عالميين في مجالات الاقتصاد والتجارة، وهما مرشحتان لدور أكثر تأثيرا... وحدها مصر، ما زالت من أسف، أسيرة سنوات الركود المديدة، التي خلّفت سلسلة من الأزمات المتناسلة، التي لم تخرج منها حتى يومنا هذا.

بقيت منظمة التعاون الإسلامي، أسيرة لشروط نشأتها، تماما مثلما صار عليه حال "جامعة الدول العربية"، لم تفعل الكثير لنصرة الفلسطينيين سوى البيانات والقرارات والمواقف اللفظية، لم تسجل "نصرا" على هذا الصعيد، ولم تنجح في المقابل، في توسيع نطاقات التعاون والتبادل التجاري والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي بين دولها وشعوبها... لم تستجب كفاية لمتطلبات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولم تترجم على نحو صحيح، طموحات مليار ونصف مليار مسلم للحاق بركب التقدم والحداثة والتنمية على قاعدة توسيع وتعميق المصالح المشتركة لبلدانها الأعضاء.

هذا الفشل، معطوفا على ضيق بعض الدول الأعضاء الرئيسة، بمحاولات "توظيف" المنظمة، من قِبل الدولة المضيفة و"القائدة" في حروبها وصراعاتها الإقليمية، وتحديدا ضد دول أعضاء أخرى، وليس ضد إسرائيل، "العدو الرئيس" الذي نشأت المنظمة في مواجهته، دفع دولا عديدة للتعبير عن ضيقها بهذا الإطار، ورغبتها في تغيير وجهته وأولوياته، من خلال تشكيل أطر موازية أو بديلة إن اقتضت الحاجة.

وزاد الطين بِلّة مضي المملكة في محاولاتها تشكيل ائتلافات ومحاور ذات طبيعة عسكرية، تارة في سياق الحرب على اليمن، وثانية في مواجهة إيران في إطار ما بات يُعرف بمشاريع "التحالف الشرق أوسطي" أو "الناتو العربي" بقيادة أميركية... في هذا السياق، وردا عليه، تأتي قمة كوالالمبور الإسلامية التي أنهت أعمالها السبت الفائت.

بقيت منظمة التعاون الإسلامي، أسيرة لشروط نشأتها

استشعرت المملكة خطرا محدقا بمكانتها في قيادة العالم الإسلامي، فقد سبق قمة كوالالمبور، صدور أصوات تطالب بتفعيل العمل الإسلامي المشترك، وتنتقد "حالة الموت السريري" التي تعيشها منظمة التعاون الإسلامي، وخلو هذا التعاون من كل ما يمكن أن يفيد نهضة المسلمين والتحاق دولهم بركب التنمية، وانتشرت مقولات واتهامات، تنتقد حالة "الاستتباع" التي تعيشها المنظمة لأجندات دولة واحدة من دولها الأعضاء، وصارت مفاهيم من نوع "السيادة" و"التنمية" و"التكنولوجيا" و"المصالح" أكثر شيوعا في خطاب الدول المنتقدة لقيادة المملكة لهذه المنظمة، علنا وصراحة أو على نحو مضمر غير مباشر.

وسبق ذلك، أن تعالت لأول مرة، دعوات من قلب العالم الإسلامي، تطالب بـ"تدويل" رعاية الأماكن المقدسة في المملكة، وقد صدرت تلك الدعوات ابتداء من طهران، ولاحقا من الدوحة، ودائما على خلفية الأزمات المتعلقة بترتيبات حجيج مواطني هذه الدول إلى مكة والمدينة، المرتبطة أشد الارتباط، بالخلافات السياسية بين الرياض وعواصم هذه الدول.

والحقيقة أنه لم يبق من عناصر "الميزة النسبية" للمملكة العربية السعودية، التي مكنتها من قيادة العالم الإسلامي طوال خمسة عقود، سوى حضانتها لأهم معلمين إسلاميين على الأرض...

فثمة أقطاب إسلامية ناشئة في العالم تتوفر على عناصر الاقتدار المالي والاقتصادي والديموغرافي والجيوسياسي، تجد صعوبة في قبول الارتهان للرؤية السعودية لدور هذه المنظمة و"ولايتها" والكيفية التي تُقاد بها...

ثمة تحدٍ تركي ـ إيراني ـ ماليزي لقيادة المملكة، ليست الباكستان وإندونيسيا بعيدتان عنه، وإن كانت للدولتين حسابات وأولويات تمنعهما من تصدر صفوف المعسكر المتمرد على القيادة السعودية.

وفي ظني، أن "السياسات المغامرة" التي انتهجتها المملكة في الأعوام الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، أفضت إلى "نفور" أقطاب عربية وإسلامية واتجاه عدد منها لاعتماد سياسة "الإبقاء على مسافة من الرياض"، ونشير على نحو خاص إلى المغامرة اليمنية للعهد السعودي الجديد، وجريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، واحتجاز رئيس الوزراء اللبناني في الرياض وإرغامه على الاستقالة...

وزاد الطين السعودي بَلّة، إن معظم، إن لم نقل جميع، هذه المغامرات منيت بالفشل الذريع، فلم تحقق سياسات المملكة في سنوات الربيع العربي أي من أهدافها العريضة، لا في سوريا والعراق ولا في لبنان أو ليبيا.

المملكة التي تجد صعوبة في إدامة قيادتها للعالم الإسلامي، تجد صعوبة أكبر في إدامة وتجديد زعامتها للنظام العربي الذي تكاد "جامعته" تلفظ أنفاسها الأخيرة، وهي من بين أقدم جميع المنظمات الإقليمية والدولية القائمة حاليا، وتبدي دولا عديدة، ميلا للاحتفاظ بمسافة أمان عن الرياض...

ثمة تحدٍ تركي ـ إيراني ـ ماليزي لقيادة المملكة

كما أن المملكة فقدت دورها المهيمن في إطار مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي بعد فشل سياسة مقاطعة قطر، وميل كل من سلطنة عُمان والكويت، للتغريد خارج السرب السعودي في عدد من ملفات الإقليم وأزماته، وتراكم الدلائل على تفشي النزاع مع الإمارات في عدد من الملفات، من بينها الملف اليمني ذاته.

لقد قرأت بعض الدول/الأقطاب في العالم الإسلامي، وصول "اللحظة الخليجية في العالمين العربي والإسلامي" بداية نهايتها، وهو أمرٌ سبق لنا أن تناولنا في مقالة سابقة على هذا الموقع بالذات، فأخذت تعد العدة، لإضعاف الدور السعودي المهيمن على منظمة التعاون الإسلامي، ولكل دولة/قطب منها أسبابه وأهدافه المختلفة، بيد أن ما يجمع بينها هو رغبتها المشتركة في الخروج من الفلك السعودي، واستعادة زمام المبادرة بما يخدم أدوارها ومصالحها، ويتجاوب مع التبدلات في توازنات القوى داخل العالم الإسلامي...

وإذا ما كُتب لهذه المحاولات النجاح، فإن "العرب" سيفقدون قيادة العالم الإسلامي، حتى بوجود أهم مراكزه الروحية والدينية على أرضهم، تماما مثلما انتقلت مراكز الكنيسة المسيحية إلى الخارج، مع أن فلسطين وجوارها، هي موطن المسيحية الأول، وهي حاضنة أهم الكنائس والأديرة التاريخية وأكثرها ارتباطها بالمسيحية الأولى.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.