من تظاهرات الجزائر
من تظاهرات الجزائر

بدأ العقد الحالي في العالم العربي بموجة من الانتفاضات الشعبية التي عصفت بتونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن والبحرين، وهزت دعائم دول تحكمها نخب فاسدة سياسيا، وفاشلة اقتصاديا وطاغية أمنيا. ومع اقتراب العقد من نهايته، شهدنا موجة ثانية من الانتفاضات بدأت في السودان والجزائر ضد نظامين فاسدين ومترهلين عاجزين عن تلبية الحد الأدنى من مطالب شعبيهما، ونجحت التظاهرات الاحتجاجية في 2019 في إسقاط الرئيسان عمر البشير في السودان، وعبد العزيز بوتفليقة في الجزائر. الضغوط الشعبية لا تزال مستمرة في البلدين من أجل تغييرات بنيوية سياسية واقتصادية، في وجه مقاومة مستمرة من أركان النظامين. وفي خريف 2019 انفجرت انتفاضة العراق، التي ردت عليها السلطات الحاكمة، وخاصة الميليشيات الموالية لإيران بعنف سافر عكس قلق السلطات العراقية، ومن ورائها النظام الإيراني الذي أوضح أنه لن يقبل بأي تحد لمصالحه الاقتصادية ونفوذه السياسي العميق في العراق. وبعد أسابيع شهد لبنان انتفاضة سياسية غير معهودة عمت مدنه وبلداته وهزت نظام حكم ضعيف تهيمن عليه طبقة سياسية فاسدة أوصلت البلاد إلى حافة الإفلاس المالي والاقتصادي. في لبنان، كما في العراق، سارعت القوى المتحالفة والمتعاونة مع إيران وأبرزها حزب الله، وحركة أمل برفض مطالب المنتفضين، وأرسلت عناصر من ميليشياتها إلى الاعتداء على المتظاهرين وترهيبهم، في خطوة باركها عمليا حليفهم "التيار الوطني الحر".

التطور اللافت الذي صاحب الانتفاضتين العراقية واللبنانية، هو تحديهما للهيمنة الإيرانية على البلدين، وإن كانت المطالب المعيشية، والفساد السياسي والمالي هي الشرارة التي فجرت الانتفاضتين. التطور اللافت الثاني، هو أن إيران شهدت في الشهر الماضي انتفاضة شعبية عمت المدن والبلدات الإيرانية، وشكلت أكبر تحد للنظام الإسلامي في طهران منذ الثورة التي أوصلته إلى الحكم في 1979. وأي تحليل للوضع في العراق ولبنان لا يأخذ بعين الاعتبار العقبة الضخمة التي تشكلها إيران في وجه أي إصلاح سياسي حقيقي في بغداد وبيروت، يخطيء جذريا في تشخيص مشاكل العراق ولبنان.

حصيلة الموجة الاولى

وحدها تونس بحثت ولا تزال تبحث عن حلول سياسية للأسباب التي أدت إلى الانتفاضة، عجز الحكومة عن توفير تنمية اقتصادية مستدامة تخلق فرص العمل وتقلص معدلات البطالة وتوفير التعليم لشاباتها وشبابها الذين يشكلون أكثرية السكان، وفتح المجال أمام التمكين السياسي، عبر انتخابات حرة ونزيهة، في ظل دستور عصري. تونس تواصل مسيرتها الصعبة والتي تخللتها عقبات متوقعة وأخرى غير متوقعة، وفعلت ذلك إلى حد كبير في غياب العنف. في ليبيا سقوط نظام معمر القذافي بالقوة، والتدخل العسكري للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الذي لم يصاحبه تصور سياسي لمرحلة ما بعد القذافي، ساهم في تقسيم البلاد وتعريضها لتدخلات أجنبية لا تزال تمنع توحيدها. في مصر، أدى سقوط نظام حسني مبارك إلى سيطرة القوات المسلحة، لفترة انتقالية، عقبها انتخابات في 2012 جاءت بأول رئيس مدني منذ سقوط الملكية في 1952، بعد فوز محمد مرسي ممثلا لحركة الإخوان المسلمين. بعد سنة حافلة بالاضطرابات والهفوات أطاح العسكر بالرئيس مرسي في انقلاب دموي قاده المشير عبد الفتاح السيسي، الذي لا يزال يحكم مصر بيد من حديد. في اليمن أدت الانتفاضة الشعبية إلى التخلص من الرئيس علي عبدالله صالح بعد مواجهات مسلحة، وانتخاب نائبه عبد ربه منصور هادي في 2012. ولكن التغيير في اليمن بقي سطحيا، وعادت بعدها البلاد إلى الانزلاق والفوضى، وبروز حركة التمرد التي قادها الحوثيون الذين احتلوا صنعاء وأرغموا الرئيس هادي على اللجوء إلى السعودية. ومرة أخرى انزلقت اليمن إلى حرب أهلية، ساهم في تعميقها هذه المرة السعودية وإيران . في البحرين، انتهت الانتفاضة الشعبية بالقوة العسكرية التي استخدمتها السلطات البحرينية، بعد التدخل العسكري للسعودية وحلفائها في مجلس التعاون الخليجي.

الانتفاضة الشعبية في سوريا بقيت سلمية في أشهرها الأولى على الرغم من القمع والعنف الذي استخدمه النظام ضدها. منذ بداية الانتفاضة سعى نظام بشار الأسد إلى تشويه صورتها ومطالبها الإصلاحية الوطنية من خلال الادعاء بأنها إسلامية في جوهرها، وسعى إلى "أسلمتها" من خلال الإفراج عن عناصر إسلامية من سجونه. ولكن نظام الأسد لم يترك أي فرصة إلا وأكد فيها شعار أنصاره الرهيب "الأسد أو نحرق البلد". الثمن الذي دفعه الشعب السوري كان رهيبا بالفعل. أكثر من نصف مليون قتيل واقتلاع وتهجير أكثر من ثلث الشعب السوري في إحدى أكبر المآسي في القرن الحادي والعشرين ساهمت فيها مباشرة روسيا وإيران، وبشكل غير مباشر العجز الأوروبي والأميركي.

 الموجة الثانية إلى أين؟

الأسباب التي أدت إلى انتفاضات الموجة الأولى في بداية العقد، والموجة الثانية في نهايته متشابهة إلى حد كبير على الرغم من خصوصيات كل دولة: أنظمة سلطوية عاجزة عن التأقلم مع المتغيرات الديموغرافية العميقة في مجتمعاتها، وتحديدا تلبية احتياجات شابات وشباب هذه المجتمعات بفرص عمل جديدة، والأداء الاقتصادي الرديء لهذه الحكومات والذي يؤدي إلى معدلات نمو اقتصادي ضئيلة للغاية، إضافة إلى ضحالة أو حتى غياب الخدمات الأساسية، من صحية وتعليمية وغيرها للمواطنين، واتساع الهوة  وانعدام المساواة بين الطبقات الاجتماعية  والاستهتار العام بالبيئة، وانتشار الفساد المالي والإداري، والذي يمكن تلخيصه بعبارة :غياب الحكم الصالح. الشرارة التي فجرت الانتفاضات في السودان والعراق ولبنان، كانت أما زيادة الأسعار أو زيادة الضرائب.

 وبما أن معظم الأنظمة الحاكمة في العالم العربي تعاني من أزمة غياب الشرعية، فإن شرعية الحكم تتحول إلى إشكالية لا يمكن معالجتها بسهولة إذا تفاقمت الأزمات الاقتصادية.  معظم الانتفاضات العربية خلال العقد الحالي جرت في مجتمعات تحكمها أنظمة مترهلة على رأسها رجال مسنّون وعاجزون عن فهم المتغيرات التقنية الجديدة التي جلبتها العولمة الاقتصادية، ووسائل الاتصال الاجتماعي التي غيرت طبيعة التواصل بين الناس والثقافات وخلقت ديناميات وقيم جديدة، وكيف أن مواطنيهم الشباب يستخدمون هذه الوسائل والديناميات الجديدة في حياتهم وفي تعاملهم مع بعضهم البعض ومع ثقافات المجتمعات الأخرى، وفي تعاملهم مع حكامهم. هذه المتغيرات التقنية الجديدة، زادت من قدرة شابات وشباب هذه المجتمعات على تمكين أنفسهم سياسيا وثقافيا بطرق غير معهودة من قبل.

انتفاضة مستمرة في العراق منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وانتفاضة مستمرة في لبنان منذ أكثر من شهرين. استمرار التظاهرات في العراق على الرغم من سقوط مئات القتلى وجرح الآلاف، يعكس تصميم المنتفضين على مواصلة نضالهم، ويعكس أيضا تصميم القوى المستفيدة من الوضع الراهن على قمعهم. حتى الآن لم يشهد لبنان قمعا عنيفا للمتظاهرين، وإن كان هذا الخطر ماثلا ولا يمكن استبعاده كليا. التحذير من استخدام العنف الواسع ضد المتظاهرين اللبنانيين، كان من بين الرسائل التي أوصلها وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية السفير دافيد هيل إلى السياسيين اللبنانيين الذين التقاهم قبل أيام في بيروت، وخاصة خلال اجتماعه بزعيم حركة أمل نبيه برّي (رئيس مجلس النواب منذ 1992) التي قام عناصرها بمهاجمة المتظاهرين.

باستثناء تونس، أخفقت الانتفاضات العربية في تحقيق أهدافها لأسباب مختلفة بعضها يعود لخصوصية كل دولة ومجتمع، وأبرزها بسبب القمع والعنف الذي تعرضت له من السلطات الحاكمة. ولكن هناك أسباب أخرى تعود إلى طبيعة القوى الاجتماعية التي فجرت هذه الانتفاضات، وأبرزها عدم قدرتها في البداية، وقبل بروز عوامل جديدة غير متوقعة، إلى تحويل نفسها إلى حركات شعبية أو حتى أحزاب قادرة على الاستمرار وعلى تطوير مواقف ومطالب قابلة للتطبيق، وتحظى بدعم واسع في الداخل وتعاطف من الخارج. في العراق كما في لبنان، الحكومة مستقيلة، وتشكيل حكومة جديدة سيسغرق وقتا طويلا نسبيا، قد يؤدي في لبنان إلى انهيار النظام المصرفي، وفي العراق إلى المزيد من العنف. في العراق، كما في لبنان، هناك برلمان عطّل نفسه عن العمل، ولا يزال مؤسسة تعكس محدودية وضعف واهتراء الطبقة السياسية السائدة في البلاد. وهذا يفسر عدم حماس العراقيين واللبنانيين لإجراء انتخابات جديدة، لأن إجراءها وفق قوانين الانتخابات الموجودة سيؤدي إما إلى عودة الوجوه ذاتها، أو الوجوه ذاتها باقنعة جديدة.

في لبنان يطالبون بحكومة تكنوقراط، من وجوه من خارج الطبقة السياسية المرفوضة لإجراء الإصلاحات الاقتصادية والمالية والسياسية لمنع الانهيار الكامل. وسبقهم إلى ذلك السودان عندما تم تكليف تكنوقراطي هو الخبير الاقتصادي عبدالله حمدوك، وكذلك تكليف الخبير نورد الدين بدوي في الجزائر. أبرز صفات هؤلاء التكنوقراط هي أنهم لا ينتمون إلى أحزاب أو قوى سياسية معينة، ولديهم خبرات وتجارب تساعدهم على معالجة المشاكل الآنية التي تواجهها مجتمعاتهم، ويفترض أن يتمتعوا ببعض الاستقلالية. ولكن في أفضل الحالات التكنوقراط عليهم أن يتحركوا وينشطوا في حال توليهم لمناصبهم، في عالم خلقته قوى سياسية وأيديولوجية متجذرة في مجتمعاتها وقادرة على عرقلة عملهم وإصلاحاتهم بطرق عديدة مباشرة وغير مباشرة. ويجب في هذا السياق أن نتذكر أن تعيين عادل عبد المهدي رئيس وزراء العراق المستقيل، جاء بعد فراغ حكومي وأزمة سياسية في العراق، وكان الافتراض أن حكومة تكنوقراطية في بغداد يمكن أن تقوم بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المطلوبة. عادل عبد المهدي، الذي قاوم الاستقالة لأسابيع، قدمها لاحقا لأنه أدرك أنه يعيش في نظام سياسي صنعه آخرون، ولا يستطيع تحديه أو تجاهله.

 في العراق، كما في لبنان، أحد الإصلاحات المطلوبة وبسرعة، هي إجراء انتخابات جديدة، على الرغم من أن برلماني البلدين في منتصف ولايتيهما. الانتظار لسنتين يعني تفويت فرصة قد لا تتوفر في أي وقت قريب. ولكن المعضلة هي أن اعتماد قانون انتخابي جديد، يتطلب موافقة البرلمان في بغداد والبرلمان في بيروت والقوى السياسة الممثلة فيهما على القانون الجديد الذي يفترض، وفقا لمطالب المنتفضين أن يضمن عدم عودة الوجوه القديمة وتسهيل انتخاب مشرعين جدد يقومون بالمشاركة في الإصلاحات المطلوبة. طبعا بقاء الضغوط من الشارع على الطبقة الحاكمة في البلدين أمر هام، وخاصة إذا تزامن ذلك مع الضغوط الخارجية. والضغوط الخارجية وتحديدا الأميركية، في حالة العراق ولبنان هامة لمساعدة الانتفاضتين، بسبب حاجة البلدين لمساعدة الولايات المتحدة والدول الأوروبية. العراق لا يزال بحاجة إلى الدعم العسكري الأميركي – من توفير العتاد إلى توفير التدريب – وكذلك إلى المساعدات التقنية الأميركية للقطاعات الاقتصادية الأخرى. في لبنان لا تستطيع أي حكومة إقناع واشنطن، أو الدول المانحة المشاركة في مؤتمر CEDRE توفير الدعم المالي والتقني، إلا إذا قبلت بإصلاحات اقتصادية ومالية وخضعت لمراقبة تنفيذ هذه الإصلاحات من قبل مؤسسات مالية دولية مثل صندوق النقد الدولي. إذا توفرت كماشة الضغوط الشعبية من جهة، وضغوط الأطراف الخارجية من جهة أخرى، عندها تتعزز فرص الضغط على القوى الأساسية في العراق وفي لبنان للقبول بقانون انتخابي جديد ونزيه وإجراء انتخابات نيابية مبكرة.

نظموها يا شباب

في القرنين السابقين، وقفت وراء الثورات قوى أو أحزاب، أو حركات سياسية-اجتماعية كانت تشكل ما يسمى بالمحرك الثوري. كان ذلك صحيحا في الثورات التي استخدمت العنف لتحقيق التغيير الثوري والجذري، من الثورة الفرنسية إلى الثورة البولشيفية وغيرها. ولكننا الآن نتحدث عن انتفاضات أو ثورات سلمية، أو يجب أن تبقى سلمية وتلجأ إلى مختلف انواع الضغوط غير العنفية لتحقيق مطالبها حتى من أنظمة مستعدة لاستخدام القوة. الحديث عن برلمانات جديدة تنتخب وفق قوانين عادلة وتمثيلية بالمعنى الكامل للكلمة يتطلب إحياء المجتمعات المدنية وتشكيل تجمعات وحركات منظمة وأحزاب لتعبئة الناخبين للمشاركة في العملية الانتخابية. قد تبدأ الانتفاضات بشكل عفوي وتلقائي، ولكنها لا تنجح إلا إذا تم تنظيمها سياسيا وتمت ترجمة تطلعاتها في مطالب سياسية عقلانية وقابلة للتحقيق. قيل الكثير وكتب الكثير في العقود الماضية حول موت الأيديولوجيات، ووصف الكثيرون العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بأنه عالم ما بعد الأيديولوجيات. ولكن في هذا السياق المباديء أهم من الأيديولوجيات. المطلوب ليس تصورات وطروحات أيديولوجية شمولية. المطلوب هو تركيز المطالب على بعض المباديء الأساسية والبديهية التي يفهمها  ويريد أن يمارسها الشابات والشباب الذين يمثلون "المحرك الثوري" لهذه الانتفاضات، أي إقامة الدولة المدنية، المبنية على أسس المواطنية والمساواة في الحقوق بين أفراد الشعب بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والإثنية أو جنسهم أو ميولهم الشخصية أو توجهاتهم السياسية في ظل برلمانات تمثل شعوبها، وحكومات تحكم وفقا لدساتير عصرية تضمن الحريات السياسية والمدنية الأساسية، وتوفر الفرص الاقتصادية والخدمات الأساسية لشعوبها، وتكافح الفساد  وتسود فيها سلطة القانون، ويخضع فيها المسؤول للمحاسبة والمسائلة. باختصار، ننتفض من أجل تحقيق الحكم الصالح.

أن نعرف ما لا نريده، أو أن نرفض الأمر الواقع الظالم هو البداية الصحيحة التي لا تتطلب الكثير من الشرح والتبرير. ولكن أن نترجم تطلعاتنا السياسية وآمالنا بعالم أفضل فهذه قضايا لا يجب أن تترك للعفوية أو التلقائية، بل تتطلب درجة من التنظيم والعمل الجماعي الدؤوب. وكما يقولون في لبنان: نظموها يا شباب.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.