نجيرفان برزاني
نجيرفان برزاني رئيس إقليم كردستان العراق

نضال منصور/

في الوقت الذي تشهد بغداد أزمات متوالية وحركة احتجاج شعبي غير مسبوقة رفضا لنهج السلطة السياسية الحاكمة، كان في الصورة الأخرى رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني يستقبل وفدا إعلاميا دوليا مرموقا يشارك في الملتقى الدولي للصحفيين، الذي نظمته نقابة صحفيي كوردستان في أربيل بتاريخ 17 ديسمبر 2019.

وفي الوقت الذي زاد عدد قتلى المظاهرات في المدن العراقية عن 500 شخص، وتخطى عدد المصابين 21 ألفا، كان الرئيس بارزاني يتحدث عن النصائح التي وجهتها قيادة كوردستان للحكومة المركزية في بغداد، وكنت أستطيع أن أتجول في أربيل بأمان وحرية دون متاريس إسمنتية ومظاهر مسلحة.

الاحتجاجات والمظاهرات مستمرة في المدن العراقية حتى الآن، والحراك الساسي في بغداد لم يصل إلى حلول وتفاهمات نهائية، فإن نجح البرلمان في إقرار قانون جديد للانتخابات، فإن الصراع على رئاسة الحكومة والكتلة الأكبر التي لها الحق بتسميته مازال دائرا، والأهم ماذا سيُرضي المحتجين؛ ليوقفوا "ثورتهم" على الاستبداد والفساد والمحاصصة الطائفية؟

كنت ممن استقبلهم الرئيس بارزاني في قصره بدفء وحميمية ليشتبك في حوار معنا استمر لأكثر من ساعة، كان دبلوماسيا أحيانا، وجريئا ومباشرا أحيانا أخرى، ولكنه كان صيادا ماهرا كما يعني اسمه باللغة الكردية.

رغم أن الحوار كان يفترض أن يبقَ في دائرة حرية الإعلام، فالوفد كله خبراء ونقابيون جاؤوا للحديث عن حرية الإعلام، وتجاربهم في تنظيم مهنة الإعلام، إلا أنني استأذنت الرئيس لكسر القواعد التقليدية للحوار، والذهاب أبعد من ذلك لمناقشة القضايا الساخنة والمُلّحة، فرحب على الفور بابتسامة، فعاجلته بالسؤال عن موقف إقليم كوردستان مما يجري في العراق بعد سقوط مئات القتلى جراء الاحتجاجات، ولماذا يشوب موقف حكومة كوردستان الصمت؟

وجدت اللقاء فرصة أخرى لأسأل عن مستقبل كوردستان بعد الاستفتاء الذي وجد معارضة من بغداد، واعتبرته خطوة غير شرعية، ولم يجد تأييدا إقليميا ودوليا.

الرئيس بارزاني لم يتردد في القول "إنهم تواصلوا باستمرار مع الحكومة العراقية، ونصحوهم أن يستمعوا بإصغاء إلى مطالب المحتجين".

"المتظاهرون في العراق جيل جديد لا تزيد أعمارهم عن 25 عاما، جُلهم لم يعش تفاصيل حكم صدام، أو مرحلة الاحتلال، والقاسم المشترك لمطالبهم أنهم يريدون حياة أفضل"، هذا ما قاله الرئيس في حديثه الذي لم يُنشر حتى الآن.

أكثر من ذلك يذهب رئيس إقليم كوردستان للتأشير بوضوح "إلى أن قيادة الحكومة المركزية في بغداد تعيش حالة إنكار للأزمة، ولا تفهم الأبعاد الحقيقية للمشكلة، وتعتقد أن الحل بإصدار أوامر بتعيين 200 ألف شخص".

المحتجون - كما يرى الرئيس بارزاني- "يدركون أن العراق دولة غنية، ولكنهم لا يتمتعون بحياة لائقة، وخدمات مناسبة، وحتى حين يقارنون الوضع بما وصل له الحال بإقليم كوردستان، فإنهم يشعرون بالإحباط والضيق".

لجأت الحكومة العراقية للهروب من الأزمة بالحديث عن سلسلة تعيينات كبيرة لا يُعرف إن كانت حقيقية أم وهمية، فـلقد سبق أن كُشف عن ألاف الأسماء الوهمية المسجلة في الوزارات والجيش، ويأخذ رواتبها مسؤولون بارزون في الدولة.

بارزاني يتساءل "كلفة التعيينات الجديدة سترفع قيمة الرواتب 10 مليارات دولار، فإذا ما انخفض سعر البترول، فمن أين سيُسددون هذه الرواتب؟!".

أكثر ما يُريح رئيس إقليم كوردستان أنه ولأول مرة منذ عام 2003 لا تحملهم الحكومة المركزية مسؤولية الاحتجاجات، ويقول بجرأة "لقد كنا طوال السنوات الماضية الشماعة التي يعلقون عليها أزماتهم".

ربما تراجعت حدة الصراع بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كوردستان بعد اندلاع الاحتجاجات، وانشغال القادة السياسيين في العاصمة العراقية بمعالجة الشرخ العميق الذي رسخته التظاهرات، وسقوط القتلى والجرحى، إلا أن الحقيقة أن ضعف الثقة والاتهامات من الطرفين، و"هشاشة" التحالف تحت يافطة دولة فيدرالية هو الواقع الذي يمكن أن تلمسه حين تستمع لقيادات في الشارع الكردي.

الأزمة ليست وليدة الاستفتاء في سبتمبر 2017، الذي أصر عليه الزعيم مسعود بارزاني، حتى أنه خاطب وزير الدفاع الأميركي الأسبق جيمس ماتيس "لن نؤجل الاستفتاء لدقيقة واحدة"، وإنما يمتد لتاريخ من الصراعات لم تطوَ صفحته مع سقوط نظام صدام حسين، وولادة عراق فيدرالي، ولهذا فإن بارزاني الرئيس الشاب للإقليم لا يُذيع سرا حين يقول "قبل عام 2003 كنا مستقلين، والأمريكان شجعونا لنكون جزءا أساسيا من العراق الجديد، العراق الديمقراطي الاتحادي الفيدرالي".

ويتابع حديثه "اليوم الدولة المركزية لا تلتزم بتعاملها معنا وفق الدستور، وحقوقنا منقوصة".

قطعت الحكومة العراقية الموازنة المالية المخصصة لإقليم كوردستان منذ عام 2014، بعد اتهامات لها بتهريب النفط وببيعه دون علم وموافقة الحكومة المركزية، وهي اتهامات نفاها رئيس الإقليم، مؤكدا أن "بيع النفط لم يحدث إلا بعد توقف المخصصات للإقليم".

مشكلة كوردستان العراق تفاقمت بعد تمدد تنظيم "داعش" ووصوله إلى حدود أربيل عاصمة الإقليم، وتنامي الأزمة الاقتصادية، وتزيد أعداد المتعطلين عن العمل، يُضاف إلى ذلك الصراع السياسي بين مكونات السلطة في الإقليم، خاصة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني قبيل رحيل زعيمه جلال الطالباني وهو الامر الذي استمر بإلقاء ظلاله وتداعياته السياسية على الرغم من اكتساح الحزب الديمقراطي الكردستاني نتائج الانتخابات التي جرت في أواخر شهر سبتمبر من العام الماضي 2018، وانتهت باستحواذ الحزب  الديمقراطي على 45 مقعدا في البرلمان المكون 111 مقعداً، ولم يحظَ الحزب الوطني سوى  بـ 21 مقعدا.

 

إقليم كوردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي من عام 1991 بعد احتلال الرئيس الأسبق صدام حسين للكويت بُسمع به أصوات انتقادات جدية لسلطة الحزبين الديمقراطي والوطني، وللعائلتين البارزاني وطالباني المسيطرتين على شؤون الحكم تاريخيا، وعلى الهامش تُسمع أيضا اتهامات بتوزيع غير عادل للثروات، وبيع خفي للنفط تؤيده وتسانده اتهامات رسمية من الحكومة المركزية في بغداد.

الاتفاق بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كوردستان يسمح بحصة 250 ألف برميل نفط تباع عن طريق الشركة الوطنية للنفط (سومو)، مقابل تسليم الإقليم 12.6 بالمئة من الموازنة العامة للدولة العراقية، يواجهها اتهامات صريحة بالبرلمان العراقي بأن قيادة الإقليم تتلاعب، وتبيع بين 450 ألف إلى 600 ألف برميل عن طريق مينائي جيهان وحاج عمران.

على الرغم من استرخاء حكومة إقليم كوردستان وابتعادها عن نار الأزمة المتقّدة في بغداد، فإن الهواجس والمخاوف لا تحصن العاصمة أربيل من تداعيات الازمة السياسية والاقتصادية، وهو ما يُرتب مزيدا من المسؤوليات على سلطة الإقليم أن تُصغي هي الأخرى لأصوات شباب السوشيال ميديا الذين يبحثون عن مستقبل أفضل، فالضيق الاقتصادي لا يطرق أبواب بغداد فقط، وإنما قد تصل ارتداداته إلى أربيل رغم تباهي بارزاني بالإنجازات التي تحققت في كوردستان في العقد الماضي بالشراكة مع القطاع الخاص وتدفق الاستثمارات الأجنبية لبلاده.

يدرك رئيس إقليم كوردستان أن المستقبل السياسي للإقليم شاق ومحفوف بالمخاطر وسط جوار إقليمي لا يتقبل شرعية الدولة الكردية ويعاديها علنا، وتواطئ دولي تجلى بعد تجربة الاستفتاء، ويُقر بأن الطريق والمشوار طويل لتكريس الحقوق والحريات بالصورة التي يتطلع لها العالم -مع التذكير بأن وضع كوردستان أفضل من غيرها- ولهذا أصغى باهتمام للمطالبات التي نقلها الوفد الإعلامي بضرورة وقف الانتهاكات ضد الصحفيين، ومنع الإفلات من العقاب، وسن قوانين ناظمة لاستقلال الإعلام وحرية عمله.

يعيش إقليم كوردستان بين فكي الحكومة المركزية في بغداد التي لا تسلم في كثير من مطالبه وتعتبرها انقضاضا على الشرعية وتفكيكا للدولة، وما بين إقليم ملتهب لم يتعافَ من شرر الإرهاب، ولا من دول "كاسرة" لا تعترف بدولة قومية لهم، وتنظر لتجربة كوردستان العراق بأنها "عدوى" خطيرة تهدد وحدة ترابهم، وتنذر بحروب أهلية إذا ما تعالى صوت الحق بتقرير المصير.

-----------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!