قانون قيصر يلاحق مسؤولي النظام وداعميه عن جرائم الحرب التي وقعت في سوريا
قانون قيصر يلاحق مسؤولي النظام وداعميه عن جرائم الحرب التي وقعت في سوريا

عماد بوظو/

أخيرا أصبح قانون سيزر لحماية المدنيين السوريين نافذا، وسيدخل المنشق السوري الذي هرّب 55 ألف صورة وثّقت إجرام نظام الأسد التاريخ، لأن صوره أحدثت تحوّلا في الراي العام ساهم في إيصال الأمور إلى ما هي عليه اليوم، ورغم ذلك ونتيجة التشاؤم الذي يسيطر على كثير من السوريين بعد سنوات من الصمت الدولي على مأساتهم، فقد شكك بعضهم في جدوى القانون واعتبروه مجرد خطوة إعلامية لن يكون لها تأثير على أرض الواقع، خصوصا منهم أولئك الذين تخرّجوا من مدرسة الأحزاب القومية واليسارية والإسلامية التي نشأت على نظرية المؤامرة. 

ولكن الصياغة الدقيقة والتفاصيل التي تضمنها قانون سيزر تشير إلى ما هو أكثر من خطوة إعلامية، فقد شملت معاقبة أجهزة الحكومة السورية والمؤسسات المملوكة أو التابعة لها، وكل الأطراف والأفراد التي تعمل على مساعدتها، والميليشيات التي تقدم لها العون من جمهورية روسيا الاتحادية وإيران، وأي جهة تزوّد أو تبيع الحكومة السورية بضائع أو خدمات أو خبرات تكنولوجية أو معلومات تدعم بشكل مؤثّر إنتاج وصيانة منشآت الحكومة السورية للبترول والغاز ومشتقاتها، وكل من يقدم بضائع أو خدمات تدعم الحكومة السورية عسكريا بما فيها سلاح الجو، وكل من يزوّد هذه الحكومة بمعدات أو مساعدات للبناء والأعمال الهندسية، أو يقدم لها مساعدات مالية كالقروض والحسابات الجارية وحسابات التصدير، كما نص على إغلاق وحظر أي تحويلات أو عائدات من أطراف أميركية أو تعمل للولايات المتحدة للنظام السوري، وفي حال رأت الإدارة أن البنك المركزي السوري قد شارك في غسيل أموال أو أعمال غير مشروعة فبإمكان الرئيس فرض عقوبات عليه. 

وشملت عقوبات هذا القانون مجموعة كبيرة من الأشخاص بينهم بشار أسد ومستشاريه وقادته العسكريين والأمنيين والسياسيين، وكل من ساعد في قصف المستشفيات والأسواق ومن فرض الحصار والتجويع على السكان، وفي نفس الوقت نصّ القانون على استمرار المساعدات الإنسانية للشعب السوري، ودراسة جميع الخيارات لمساعدة السوريين المحاصرين، وجمع الأدلة حول من إرتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق السوريين من داخل وخارج سوريا، وكل من ساعد على حدوثها منذ آذار 2011 حتى الآن. 

قال عضو الكونغرس الجمهوري فرينش هيل "إن دعوة الحكومة الأميركية لتجميع الأدلة ضد بشار أسد بالاسم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية هو حجر الرحى في هذا القانون"، لأن هذا يجعل محاولة إعادة تعويمه أكثر صعوبة، كما قال السيناتور جيم ريتش، "هذا القانون يرسل رسالة بصوت عال لهؤلاء الذين يريدون إعادة تأهيل أو التطبيع مع هذا النظام المجرم"، وهذان النائبان ليسا سوى مثال لمئات الأمريكيين من أعضاء الكونغرس والسياسيين والقانونيين والناشطين الذين اعتبروا القضية السورية قضيتهم الشخصية، وبذلوا في سبيلها كل ما استطاعوا من جهد. 

وبالنسبة للذين يتساءلون هل سيتم تنفيذ القانون، فالولايات المتحدة دولة مؤسسات ليس من السهل عدم إحترام قوانينها، وهناك تحقيق اليوم مع الرئيس نفسه لأنه جمّد المساعدات العسكرية لأوكرانيا لبضعة أيام، ولن يتغير ذلك حتى لو تغيّرت الإدارة الأمريكية، لأن هناك شبه إجماع على الإلتزام به بين الجمهوريين والديموقراطيين حسب نتائج تصويت الكونغرس على القانون، بالإضافة إلى أن هناك تعاطفا عند كثير من الإعلاميين وأعضاء الكونغرس ومراكز الأبحاث وكبار الموظفين الحكوميين مع القضية السورية. 

أما من ناحية من يعتقد بأن العقوبات الإقتصادية لوحدها لن تتمكن من إسقاط أي نظام، ويبرهن على ذلك ببقاء نظام صدام حسين 12 عاما بعد إقرار العقوبات، فوضع العراق في ذلك الوقت كان مختلفا، حيث كان صدام هو الحاكم الأوحد للعراق ولديه جيش وأجهزة أمن منضبطة تطيعه، في حين بقاء بشار أسد بالسلطة يعتمد كليّا على إيران وروسيا، وحتى الوحدات العسكرية السورية أصبحت في قلّة إنضباطها أقرب للميليشيا بحيث أصبح بشار أسد واجهة بروتوكولية تستخدمها أطراف إقليمية وداخلية، وأحد أهداف هذا القانون إقناع الروس وغيرهم بأن إعادة تعويم النظام ليست حلا يمكن قبوله. 

كما كان سبب فرض العقوبات على العراق إحتلال الكويت الذي كان كثير من العراقيين والعرب يؤيده، بينما سبب قانون سيزر إرتكاب نظام الأسد جرائم حرب وفظائع ضد الشعب السوري نفسه من الصعب الدفاع عنها، كما كان لصدام حسين بنظر أتباعه شخصية قيادية مقنعة، أما بشار أسد فهو مجرد وريث مهزوز الشخصية وغير مقنع حتى بنظر من ربطوا مصيرهم به، وساهم حلفاؤه أنفسهم في ترك هذا الإنطباع عنه عندما وضعوه لعدة مرات في مواقف مهينة.  

أما لمن يشكك بجدوى العقوبات الأمريكية عندما تكون أحادية، فما عليه سوى إلقاء نظرة على ما حدث في إيران عندما فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات عارضتها أوروبا وروسيا والصين، دون أن تتمكن جميع هذه الدول من إنقاذ الإقتصاد الإيراني، كما أن من المرجّح أن مواقف بعض الدول الأوروبية ستتبلور قريبا بما يتماشى مع قانون سيزر، ودول الخليج لم يعد بإمكانها بعد هذا القانون القيام بما يخالفه، والصين التي لم تستطع إنقاذ إيران رغم وجود فرص تجارية معقولة فيها ما الذي سيدفعها للمغامرة وإستثمار أموالها في بلد مدمّر مفلس موارده محدودة مثل سوريا. 

أما من يقولون أنهم يخشون على الشعب السوري من هذه العقوبات، فالقانون لم يستهدف سوى مؤسسات النظام وتضمّن إستمرار المساعدات الإنسانية، والشعب السوري قبل صدور قانون سيزر لم يكن يعيش في نعيم، فإنهيار الليرة الحالي سبق هذا القانون وسيستمر بعده، ويتحمل مسؤوليتة من دمّر المدن والقرى والمنشآت الإقتصادية بالبراميل، ومن أحرق الحقول وقتل البشر والحيوانات، وكان الأجدى أن تتأثر إنسانية هؤلاء مع صور سيزر التي وثّقت مقتل 11 ألف شاب وفتاة سورية تحت التعذيب وهم لا يشكلون سوى نسبة بسيطة من ضحايا هذا النظام. 

ومن المؤكد أن الجالية السورية التي دفعت لإقرار قانون سيزر ستعمل بالتعاون مع أصدقائها الأمريكيين لمتابعة تنفيذه والإبلاغ عن أي مخالفة له، وستعيد بعض الدول العربية التي كانت تراهن مع بوتين على التطبيع مع النظام النظر في موقفها، وسيعيد المعارضون الذين إشتركوا في مؤتمرات أستانا وسوتشي ومعهم حزب الإتحاد الديموقراطي تقييم مواقفهم وسياساتهم، وحتى الموالين من الأفضل لهم اليوم قبل الغد البحث عن حل واقعي للقضية السورية يأخذ بعين الإعتبار التبعات السياسية والإقتصادية لقانون سيزر. 

---------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!