Iraqi university students
Iraqi university students

أراقب منذ سنوات باهتمام وقلق كبيرين ظاهرة تحول دول ومجتمعات ذات أكثرية عربية إلى ساحات يتصارع فوق أراضيها جيران العرب، بسبب ضعفها وتفككها وفساد وتخلف حكامها. نجح هؤلاء الجيران بوضع هذه الدول والمجتمعات تحت ظلالهم الثقيلة وسيطرتهم الخانقة المباشرة وغير المباشرة عبر وكلائهم وعملائهم المحليين، أو ساهموا في تهميش دول أخرى. 

وكان لبعض هذه الدول العربية في السابق، مثل العراق ومصر وإلى حد أقل سوريا، طموحات قيادية، وحاولت لعب أدوارا إقليمية عبر تشكيل ائتلافات وأحلاف وحركات تضم دول من المنطقة وخارجها.

خلال 2019 أصبحت هذه الظاهرة نافرة ومحرجة أكثر من أي وقت مضى، ولم يعد بالإمكان نكرانها. في 2019 خيمت إيران وتركيا بظلالهما الداكنة على اليمن والعراق وسوريا ولبنان وليبيا.

نحن لا نتحدث في هذا السياق عن رغبة إيران وتركيا، كدولتين جارتين للعراق وسوريا، بالحفاظ على مصالحهما الاقتصادية أو حتى ممارسة بعض النفوذ السياسي المتوقع من دول أكبر. ما تسعى إليه إيران وتركيا هو التحكم بمستقبل ومسيرة العراق وسوريا.

المنتفضون والثوار في العراق ولبنان، يقودون أيضا حركة تحرر سياسي وطني

فإيران تريد إبقاء سوريا ولبنان واليمن في ظلها أو أن تدور هذه الدول في فلكها. بدورها، تسعى تركيا الآن لاستعادة نفوذها العثماني في ولايتها السابقة طرابلس الغرب.

تتدخل إيران الآن بشكل مباشر وعبر وكلائها العراقيين في تشكيل حكومة عراقية جديدة. كما تقوم إيران، عبر وكيلها "حزب الله" وتوابعه المحليين في لبنان، التحكم بطبيعة الحكومة الجديدة في بيروت.

في منطقة الخليج، شنت إيران، على الرغم من أنها محاصرة اقتصاديا، هجمات عسكرية استهدفت ناقلات نفط تملكها دول عربية وغربية، وقصفت أكبر منشأتين للطاقة في السعودية.

قوبلت هذه الهجمات بتصعيد لفظي ملحوظ في بيانات الإدانة من الدول الخليجية والولايات المتحدة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب زمجر وهدد، وأرسل تعزيزات عسكرية للسعودية، ولكنه مثل شهرزاد حين أدركه الصباح، توقف حتى عن الكلام المباح.

أما تركيا، وبسبب تحالفها الإسلاموي مع قطر، فعادت عسكريا إلى الخليج، بعد قرن من انهيار الإمبراطورية العثمانية. مصر، أكبر دولة عربية، كانت ولا تزال تعيش في ظل إسرائيل، أكبر قوة عسكرية واقتصادية في المنطقة.

وإسرائيل التي تحتل هضبة الجولان السورية، والضفة الغربية منذ 1967 وتحاصر قطاع غزة منذ عقود، تقصف بشكل دوري أهداف عسكرية سورية وإيرانية في سوريا، وفي 2019 وسعت نطاق هجماتها العسكرية لتشمل قواعد داخل العراق تنتشر فيها ميليشيات ما يسمى بوحدات "الحشد الشعبي" التي تؤيدها وتسلحها إيران، لتدمير صواريخ ومعدات عسكرية إيرانية في طريقها إلى قوات "حزب الله" في سوريا.

المفارقة التي يصعب استيعابها، والتي تلخص بشكل فاضح كيف تم تهميش دولة عربية كانت محورية مثل مصر، هو حقيقة أنه بعد أكثر من نصف قرن على تدمير إسرائيل لسلاح الجو المصري في الساعات الأولى لحرب يونيو 1967، يقوم سلاح الجو الإسرائيلي بين وقت وآخر، وبطلب من الحكومة المصرية، بشن غارات جوية ضد مواقع وقواعد الجماعات الإسلامية المتطرفة والإرهابية في شبه جزيرة سيناء. هذا ما وصل إليه حال العرب في 2019. ولا توجد هناك أي مؤشرات بأن هذا الانهيار العربي الطويل والبطيء سوف يتوقف في 2020، أو في السنوات اللاحقة.

"الصراع على سوريا"

في سنة 1965 نشر الصحافي والمؤرخ البريطاني باتريك سيل كتابه الأول والشهير "الصراع على سوريا" الذي تحول بسرعة إلى مرجع هام لأي باحث يريد التعرف على الأوضاع السياسية في سوريا وانعكاسات السياسات الإقليمية عليها منذ نهاية الانتداب الفرنسي في 1945 إلى حين إقامة الجمهورية العربية المتحدة مع مصر في 1958.

"الصراع على سوريا"، كان بداية لسلسلة من الكتب تطرق فيها سيل، الذي قضى سنوات طفولته في سوريا، إلى "صراعات" العرب من أجل الوحدة ومواجهة إسرائيل وتداعيات الإرث الاستعماري الغربي على المشرق العربي.

شملت هذه السلسلة كتاب سيل عن الرئيس حافظ الأسد و"الصراع من أجل الشرق الأوسط"، وأنهاها بكتابه الأخير، الذي اعتبره أفضل كتبه "الصراع من أجل الاستقلال العربي: رياض الصلح وصنّاع الشرق الأوسط الحديث" الذي نشره في 2010، قبل وفاته بأربع سنوات.

كتاب "الصراع على سوريا" مكتوب بأسلوب شيّق ويتسم بسردية حيوية تفتقرها كتب المؤرخين المحترفين، وهو يستند إضافة إلى الوثائق على معلومات مستوفاة من المقابلات التي أجراها سيل مع عدد من السياسيين والمسؤولين السوريين.

المشهد العربي في بداية سنة 2020 قاتم ومحبط بامتياز

وينطلق سيل في الصفحة الأولى في كتابه، من الأهمية الاستراتيجية لسوريا "وكأنها مرآة للمصالح المتنافسة على المستوى الدولي، ما يجعل سوريا تستحق اهتماما خاصا. وفي الواقع فإن شؤونها الداخلية لا معنى لها تقريبا إلا إذا تم ربطها بالسياق الأوسع، أولا مع جيرانها العرب، وبعدها مع القوى الأخرى المعنية. وليس صدفة أن سوريا يجب أن تعكس في هياكلها السياسية الداخلية المنافسات بين جيرانها، لأنه، كما سأبين لاحقا من يريد أن يقود الشرق الأوسط لا بد له من السيطرة عليها" (سوريا).

الصراع بين الدول العربية للسيطرة على سوريا في الحقبة التي درسها باتريك سيل، كان بالدرجة الأولى بين الهاشميين في العراق وجمال عبد الناصر في مصر. الهاشميون كانوا يسعون لوحدة تشمل جزءا كبيرا من "الهلال الخصيب": العراق والأردن وسوريا. هذه الوحدة كان لها مؤيدوها داخل سوريا.

لانتفاضتي العراق ولبنان هدف آخر لا يقل أهمية عن الهدف الأول، وهو ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم السياسي كمجتمعات حرة تعيش في ظل دول تتمتع بسيادة حقيقية

مصر التي كانت تتنافس مع العراق الذي كان قبل انقلاب 1958 جزءا من حلف بغداد الذي عارضه عبد الناصر، رأت في أي تقارب بين العراق وسوريا تحديا لنفوذها في المشرق. وعندما "عرض" حزب البعث وحلفائه في سوريا الوحدة الكاملة مع مصر، قبل عبد الناصر هذا العرض، وإن بتردد، لأنه أراد الالتفاف على الهاشميين في العراق.

على الصعيد الدولي كان هناك نوعا من الصراع على سوريا بين فرنسا، الدولة التي اضطرت لإنهاء انتدابها على سوريا في 1945، وبريطانيا التي كانت تريد حماية نفوذها في العراق حيث أيدت خطط الوحدة مع سوريا، ومصالحها في مصر (قناة السويس).

الأسباب التي جعلت سوريا لعبة تتصارع عليها القوى الإقليمية والغربية، تعود للانقسامات والاستقطابات السياسية والأيديولوجية وميل القوى الداخلية لجذب وتشجيع التدخلات الخارجية.

مع حلول سنة 1957، يقول سيل إن النظام السياسي السوري "كان على حافة الانهيار"، لأن الأطراف الداخلية المتنازعة كانت عاجزة بمفردها عن فرض سيطرتها دون تدخل خارجي، ما يفسر قبول جمال عبد الناصر المتردد بالوحدة مع سوريا في 1958، التي كانت سنة محورية سقط فيها النظام الملكي في العراق في انقلاب عسكري دموي صدم بريطانيا والولايات المتحدة التي سارعت بإنزال بحريتها في لبنان، وانتهى فيها حلف بغداد، وانتهى معه ما سمي باللحظة البريطانية في الشرق الأوسط، أو على الأقل بداية النهاية لهذه اللحظة.

الصراع الراهن على سوريا والعراق

بعد مرور أكثر من ستين سنة على الحقبة، التي وصفها سيل، هناك صراع إقليمي جديد على سوريا، وصراع آخر على العراق، تلعب فيه الدول البعيدة أدوارا مساندة. المشهد الراهن يبيّن أن مصر المشغولة بمشاكلها الداخلية والتي همشّت نفسها إقليميا، تلعب دورا ثانويا في صراعات المشرق والخليج.

هذه المرة الأطراف الإقليمية التي تتصارع على سوريا والعراق بشكل مباشر وغير مباشر عبر وكلاء مسلحين وغير مسلحين هي إيران وتركيا. ووراء هذه البلدين تقف روسيا الاتحادية التي أصبحت منذ 2015 طرفا مباشرا في الحرب التي يشنها نظام بشار الأسد في دمشق ضد شعبه، والتي تقبل على مضض تحالف إيران مع نظام الأسد؛ والولايات المتحدة التي حاربت تنظيم "الدولة الإسلامية" في البلدين، والتي أيدت الاجتياح التركي لشمال سوريا.

لا يخفي الرئيس ترامب رغبته بإنهاء "التورط" الأميركي العسكري في سوريا، وحتى في العراق، وكان ربما قد فعل ذلك لولا معارضة وزارة الدفاع والكونغرس، بما في ذلك المشرعين الجمهوريين.

تغلغل النفوذ الإيراني في معظم أوجه الحياة في العراق: الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والدينية، حيث تمارس إيران نفوذها عبر وكلائها وعملائها المسلحين، الذين يلعبون دورا رئيسيا في القمع الدموي للانتفاضة الشعبية في العراق.

التقويم الرسمي لوزارة الدفاع الاميركية حول غزو العراق هو أن إيران هي الطرف الفائز. من جهتها تقوم تركيا بدعم مطالب التركمان في العراق، وتقيم تحالفات عسكرية مع قوى سورية محلية تعمل نيابة عنها في شمال البلاد، ويمكن أن ترسل تركيا عناصر من هذه القوى المرتزقة لقتال أعداء تركيا في ليبيا.

وسيكون للتدخل العسكري التركي في ليبيا مضاعفات سياسية واستراتيجية تمس بمصالح دول مثل مصر وإسرائيل وإيطاليا وغيرها، وسوف يكون مؤشر آخر يؤكد طموحات الرئيس رجب طيب إردوغان "العثمانية".

ليبيا مفككة وسوف تبقى خاضعة لتدخلات خارجية في المستقبل المنظور

في السنوات الماضية اجتمع رؤساء إيران وتركيا وروسيا لأكثر من مرة لبحث مستقبل سوريا، وطبعا من دون مشاركة السوريين، تماما كما كانت تفعل الدول الاستعمارية حين كانت تقرر نيابة عن الدول التي تستعمرها.

لإيران اليوم نفوذ غير مسبوق في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. ولا يوجد هناك أي مؤشر أن الاحتلال العسكري التركي لأراض سورية، والاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان، والاحتلال الإيراني السياسي لدمشق في ظل نظام الأسد إضافة إلى دورها العسكري الكبير في سوريا، سوف ينتهي أي منها في أي وقت قريب.

الانقسامات والاستقطابات العميقة في المجتمع السوري في خمسينيات القرن الماضي، التي وصفها باتريك سيل بدقة والتي جعلت من سوريا لعبة للأمم، هي ذاتها تعصف اليوم بسوريا والعراق، وهي الخلافات التي أدت إلى نزاعات دموية واقتتال أهلي في العراق منذ الغزو الأميركي في 2003، وفي سوريا منذ الانتفاضة السلمية في 2011 والتي عسكرها لاحقا نظام الأسد وحوّلها إلى نزاع دموي.

المشهد العربي في بداية سنة 2020 قاتم ومحبط بامتياز. مصر، الدولة المحورية سابقا، فقدت دورها الإقليمي ومنشغلة بمكافحة أعداء الداخل، وهي عاجزة عن التأثير على إثيوبيا التي ستحصل على معدلات عالية من مياه نهر النيل حين تنتهي من بناء سد النهضة الضخم.

ليبيا مفككة وسوف تبقى خاضعة لتدخلات خارجية إقليمية ودولية في المستقبل المنظور.

النزاعات الدموية والاستقطابات السياسية في العراق وسوريا لن تنتهي في أي وقت قريب. كما لن تنتهي هيمنة إيران وتركيا وروسيا على البلدين خلال السنوات القليلة المقبلة.

النفوذ الإيراني في اليمن تعزز بعد تحول الانتفاضة اليمنية إلى نزاع دموي وسقوط الرئيس علي عبدالله صالح، وسيطرة المتمردين الحوثيين على صنعاء.

في لبنان، سوف تحاول إيران، من خلال حليفها ووكيلها المسلح "حزب الله" وحلفائه الانتهازيين، الإبقاء على هيمنتها إلى حين تحييد "حزب الله" ـ وهو تحد صعب، ولن يتحقق بسهولة.

هذه الدول الهشة سياسيا، والتي تحكمها طبقات سياسية فاسدة، تسيطر على مجتمعات منهكة ومقموعة، ولكنها ليست بالضرورة مهزومة أو مستسلمة، وهذا ما يفسر الانتفاضات الشعبية والحركات الرامية إلى تحقيق تغييرات وإصلاحات جذرية سياسية واقتصادية وحتى ثقافية، وهي انتفاضات عصفت بالمجتمعات العربية خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والتي ستستمر في العقد الجديد.

تركيا، وبسبب تحالفها الإسلاموي مع قطر، فعادت عسكريا إلى الخليج

الانتفاضات التي هزت الدول العربية خلال السنوات العشر الماضية بدأت بمطالب اقتصادية وإصلاحية متشابهة ومتواضعة، ولحقها مطالب سياسية جذرية أكثر تطالب "بإسقاط النظام".

الشرارة التي فجرت انتفاضة العراق قبل أكثر من ثلاثة أشهر، والتي فجرت الانتفاضة اللبنانية قبل أكثر من شهرين كانت أيضا ذات طبيعة اقتصادية (احتجاج على زيادة الأسعار أو فرض ضرائب جديدة أو تردي الخدمات) وهي بذلك تشبه بدايات الانتفاضات العربية الأخرى، التي تطورت لاحقا إلى مطالب سياسية جذرية أكثر.

القوى الحاكمة والمتجذرة لن تتخلى بسهولة عن مصالحها واحتكاراتها وسوف تقاوم كل هذه الانتفاضات بدرجات متفاوتة من العنف. ولكن انتفاضتي العراق ولبنان تواجهان تحديا واجهته الانتفاضة السورية في بداياتها، ولكن لم تواجهه الانتفاضات الأخرى: العراقيون واللبنانيون انتفضوا ضد واقع اقتصادي وسياسي فاسد واحتكاري تسيطر عليه طبقة سياسية عاجزة أو مقاومة للتغيير الإيجابي وتمكين شعوبها؛ ولكن لانتفاضتي العراق ولبنان هدف آخر لا يقل أهمية عن الهدف الأول، وهو ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم السياسي كمجتمعات حرة تعيش في ظل دول تتمتع بسيادة حقيقية.

بمعنى آخر يجب النظر إلى هاتين الانتفاضتين على أنهما موجهتين أيضا ضد إيران، الدولة المهيمنة بقسوة على المجتمعين العراقي واللبناني. المنتفضون والثوار في العراق ولبنان، يقودون أيضا حركة تحرر سياسي وطني تهدف إلى تحقيق الاستقلال الحقيقي والنهائي للعراق ولبنان من السيطرة الإيرانية.

An activist takes part in a demonstration against sexual harassment, rape and domestic violence in the Lebanese capital Beirut…
تظاهرة نسوية في بيروت

على صفحته كشخصية عامة في فيسبوك، يعرّف أحد الشبان المصريين عن هدف هذه الصفحة، وهو كيفية جعل حياة الآخرين سهلة وممتعة، عبر ظهوره من وقت إلى آخر بمقاطع فيديو، ذات خلفيات مختلفة تترافق بمؤثرات صوتية، يتناول فيها مواضيع متنوعة، معظمها ديني روحاني بأسلوبية ملطفة، وبعضها اجتماعي، وهي المثيرة للجدل، يرشد من خلالها متابعيه لجادة الصواب حسب رؤيته. إضافة إلى أنه يبدي استعداده لتقديم الاستشارات الخاصة، عبر حجز مسبق لجلسات، يتم تحديد مواعيدها عن طريق رقم هاتف معلن مرفق بالصفحة.

يمكن اعتبار هذا الشاب، بمثابة داعية جديد مضاف إلى عشرات الدعاة المنتشرين على القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، لكنه يطرح نفسه بأسلوب عصري، ليس من حيث استخدامه لأدوات الاعلام الرقمي ومنصاته فقط، بل انسجامه شكلانيا مع العصرنة، حيث يحرص على تجنب الصورة النمطية للدعاة التقليديين، ويظهر في كل مقطع فيديو بهندام شبابي أنيق ذي ألوان مضيئة، مثل الزهري أو البرتقالي أو الأصفر أو غيرها.

في تتبع المنشورات العامة لصفحة هذا الداعية "المودرن"، قد لا تتضح لعامة الناس للوهلة الأولى ملامح أية مشكلة ظاهرة أو رئيسة في طروحاته، بل على العكس، يبدو الشاب متابعا ومشاهدا من مئات الآلاف، ويتلقى مع كل منشور مصور أيضا، مئات الآلاف من الإعجابات والتعليقات، ومشاركات تصل إلى أرقام مشابهة. 

الداعية العصري، يتجاهل أن الأنثى المنكسرة هي امرأة منهزمة روحيا، تؤسس لأسرة منكسرة وغير متوازنة، وتنجب أطفالا، تربي البنات بينهم بشكل خاص، ليصرن مثلها منهزمات ومنكسرات

من الواضح أن سبب نجاحه في جذب هذا الاستقطاب الكبير، لا يعود إلى رؤى حديثة أو مبتكرة له، بل استعماله بفطنة لجاذبية العصرنة في فن الخطابة والمخاطبة وإن ظاهريا كأحد أساليب الترويج الدعائي، من أجل تعميم أفكار يمكن وصف بعضها بالرجعية، والتي تتوافق مع طروحات سلفية تهدف إلى توجيه المجتمعات نحو مزيد من الانغلاق الفكري، وبخاصة فيما يخص المرأة.

أحد نماذج منشوراته المصورة التي أثارت مؤخرا استنكارا نسويا حادا، وتمت مشاركتها ومناقشتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين العديد من المنظمات النسوية المصرية والعربية، يظهر فيها هذا الشاب المصري كعادته، يتحدث برقة ونعومة وكياسة، مستخدما أسلوبية تمثيلية في الأداء توحي بالوداعة والبراءة، ويقدم بحسب وجهة نظره أربعة أسباب، أو أربع صفات، إذا انطبقت جميعها، أو واحدة منها، على أية فتاة، فمصيرها العنوسة حتما.

أسباب العنوسة الأربعة حسب رأيه، العناد والتشبث بالرأي، والتعالي عن المحيط، ومرافقة الأصدقاء من الذكور مما يسيء للسمعة، ولتفادي الأمر، ينصح بالصداقات وطلب المساعدة من المجتمع النسائي فقط، وبالتالي فإن عدم التقيد بهذه الإرشادات، والتعنت بالإصرار على عدم تغيير هذه الصفات، يؤدي حتما إلى عنوسة الفتاة، واعتبارها غير صالحة أن تكون أما أو زوجة.

فيما يحدد السبب الرابع، والذي يستحق التوقف عنده منفردا، وهو تعامل الفتاة بندّية مع الذكور، ومحاججتها للآخرين انطلاقا من إحساسها الخاطئ بمشاعر الندية، وظهورها بمظهر الفتاة ذات الشخصية القوية، وكي لا يكون مصيرها المحتوم هو العنوسة، يطلب منها حرفيا أن تبدو "منكسرة"، لأن قوة الأنثى تكمن في ضعفها وليس في قوتها، بحسب وجهة نظر الأستاذ الداعية العصري، الذي يتجاهل أن الأنثى المنكسرة هي امرأة منهزمة روحيا، تؤسس لأسرة منكسرة وغير متوازنة، وتنجب أطفالا، تربي البنات بينهم بشكل خاص، ليصرن مثلها منهزمات ومنكسرات. 

ولأن الأستاذ الداعية يهدف إلى جعل حياة الآخرين سهلة وممتعة كما يقول، لا يتوقف كثيرا عند النتائج، ويستمر في توزيع إرشاداته الاجتماعية ونصائحه، وينثرها مثل هبات على الجميع، ذكورا وإناثا، معددا في كل مرة يشخص فيها علة اجتماعية ما، أربعة أسباب لا أقل ولا أكثر، بحيث تصح تسميته بمكتشف الأسباب الرباعية، أو الأسباب ذات الدفع الرباعي.

مؤشرات اجتماعية مستمرة في الانزلاق، تترك آثارها السلبية الحادة بشكل خاص على تجهيل النساء وتغييب دورهن الحقيقي

اليوم، ونحن زمنيا على بعد ما يقارب قرنين من تاريخ نشوء حركات النضال النسوية منتصف القرن التاسع عشر، ينسف الأستاذ الداعية بظهوره الاستعراضي جهود ونضال ملايين النساء وتضحياتهن عبر العالم من أجل نيل حقوقهن، ويمتطي بسهولة ويسر منصات التواصل الاجتماعي ليساهم في تحطيم كرامة المرأة، عبر إصراره على تعميم المفهوم الخاطئ حول قوة الأنثى المتمثلة في ضعفها، و"الانكسار" المطالبة به لإرضاء المجتمع وشريك الحياة، وتعليمها أساليب مخادعة أو مواربة لجذب الرجل، تذكر بالطروحات الهدامة التي تقدمها بعض أعمال الدراما العربية من حين إلى آخر.

قد لا يكون مفاجئا ما يطرحه هذا الداعية العصري من أفكار لا تبتعد كثيرا عن أفكار غيره من الدعاة وطروحاتهم الغرائبية، بل تكمن المفاجأة باستمرار في ردود الفعل على مثل هذه الأفكار، ونسبة التأييد الشعبي لها، والذي يفصح  باضطراد وبأسف شديد عن مؤشرات اجتماعية مستمرة في الانزلاق، تترك آثارها السلبية الحادة بشكل خاص على تجهيل النساء وتغييب دورهن الحقيقي، في وقت تتعامل فيه هذه المجتمعات مع كافة أدوات العصر الحديثة ظاهريا، دون أن تساهم هذه الأدوات في الدفع نحو التقدم الاجتماعي المنشود والمأمول الذي يحفظ كرامة المجتمع والجنسين معا.

لا يتسع المجال للتذكير هنا بالعديد من الأمثلة كنماذج مشرفة لنساء عربيات شهيرات في التاريخ أو معاصرات أو عالميات، تمتعن بالشخصية القوية والشعور بالندية الإنسانية والحقوقية ونجحن في الوصول إلى مراكز هامة وقيادية حساسة ولم يعنسن بسبب هذه الصفات. 

وفي السياق، يحضرني بإلحاح محير اسم أحدثهن من الشهيرات، وهي الناشطة اليمنية توكل كرمان الحائزة على جائزة نوبل للسلام، والتي انضمت مؤخرا إلى مجلس الحكماء الخاص بمراقبة محتوى منشورات فيسبوك، والرغبة في معرفة رأيها حول انكسار المرأة المطلوب.