Iraqi university students
Iraqi university students

أراقب منذ سنوات باهتمام وقلق كبيرين ظاهرة تحول دول ومجتمعات ذات أكثرية عربية إلى ساحات يتصارع فوق أراضيها جيران العرب، بسبب ضعفها وتفككها وفساد وتخلف حكامها. نجح هؤلاء الجيران بوضع هذه الدول والمجتمعات تحت ظلالهم الثقيلة وسيطرتهم الخانقة المباشرة وغير المباشرة عبر وكلائهم وعملائهم المحليين، أو ساهموا في تهميش دول أخرى. 

وكان لبعض هذه الدول العربية في السابق، مثل العراق ومصر وإلى حد أقل سوريا، طموحات قيادية، وحاولت لعب أدوارا إقليمية عبر تشكيل ائتلافات وأحلاف وحركات تضم دول من المنطقة وخارجها.

خلال 2019 أصبحت هذه الظاهرة نافرة ومحرجة أكثر من أي وقت مضى، ولم يعد بالإمكان نكرانها. في 2019 خيمت إيران وتركيا بظلالهما الداكنة على اليمن والعراق وسوريا ولبنان وليبيا.

نحن لا نتحدث في هذا السياق عن رغبة إيران وتركيا، كدولتين جارتين للعراق وسوريا، بالحفاظ على مصالحهما الاقتصادية أو حتى ممارسة بعض النفوذ السياسي المتوقع من دول أكبر. ما تسعى إليه إيران وتركيا هو التحكم بمستقبل ومسيرة العراق وسوريا.

المنتفضون والثوار في العراق ولبنان، يقودون أيضا حركة تحرر سياسي وطني

فإيران تريد إبقاء سوريا ولبنان واليمن في ظلها أو أن تدور هذه الدول في فلكها. بدورها، تسعى تركيا الآن لاستعادة نفوذها العثماني في ولايتها السابقة طرابلس الغرب.

تتدخل إيران الآن بشكل مباشر وعبر وكلائها العراقيين في تشكيل حكومة عراقية جديدة. كما تقوم إيران، عبر وكيلها "حزب الله" وتوابعه المحليين في لبنان، التحكم بطبيعة الحكومة الجديدة في بيروت.

في منطقة الخليج، شنت إيران، على الرغم من أنها محاصرة اقتصاديا، هجمات عسكرية استهدفت ناقلات نفط تملكها دول عربية وغربية، وقصفت أكبر منشأتين للطاقة في السعودية.

قوبلت هذه الهجمات بتصعيد لفظي ملحوظ في بيانات الإدانة من الدول الخليجية والولايات المتحدة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب زمجر وهدد، وأرسل تعزيزات عسكرية للسعودية، ولكنه مثل شهرزاد حين أدركه الصباح، توقف حتى عن الكلام المباح.

أما تركيا، وبسبب تحالفها الإسلاموي مع قطر، فعادت عسكريا إلى الخليج، بعد قرن من انهيار الإمبراطورية العثمانية. مصر، أكبر دولة عربية، كانت ولا تزال تعيش في ظل إسرائيل، أكبر قوة عسكرية واقتصادية في المنطقة.

وإسرائيل التي تحتل هضبة الجولان السورية، والضفة الغربية منذ 1967 وتحاصر قطاع غزة منذ عقود، تقصف بشكل دوري أهداف عسكرية سورية وإيرانية في سوريا، وفي 2019 وسعت نطاق هجماتها العسكرية لتشمل قواعد داخل العراق تنتشر فيها ميليشيات ما يسمى بوحدات "الحشد الشعبي" التي تؤيدها وتسلحها إيران، لتدمير صواريخ ومعدات عسكرية إيرانية في طريقها إلى قوات "حزب الله" في سوريا.

المفارقة التي يصعب استيعابها، والتي تلخص بشكل فاضح كيف تم تهميش دولة عربية كانت محورية مثل مصر، هو حقيقة أنه بعد أكثر من نصف قرن على تدمير إسرائيل لسلاح الجو المصري في الساعات الأولى لحرب يونيو 1967، يقوم سلاح الجو الإسرائيلي بين وقت وآخر، وبطلب من الحكومة المصرية، بشن غارات جوية ضد مواقع وقواعد الجماعات الإسلامية المتطرفة والإرهابية في شبه جزيرة سيناء. هذا ما وصل إليه حال العرب في 2019. ولا توجد هناك أي مؤشرات بأن هذا الانهيار العربي الطويل والبطيء سوف يتوقف في 2020، أو في السنوات اللاحقة.

"الصراع على سوريا"

في سنة 1965 نشر الصحافي والمؤرخ البريطاني باتريك سيل كتابه الأول والشهير "الصراع على سوريا" الذي تحول بسرعة إلى مرجع هام لأي باحث يريد التعرف على الأوضاع السياسية في سوريا وانعكاسات السياسات الإقليمية عليها منذ نهاية الانتداب الفرنسي في 1945 إلى حين إقامة الجمهورية العربية المتحدة مع مصر في 1958.

"الصراع على سوريا"، كان بداية لسلسلة من الكتب تطرق فيها سيل، الذي قضى سنوات طفولته في سوريا، إلى "صراعات" العرب من أجل الوحدة ومواجهة إسرائيل وتداعيات الإرث الاستعماري الغربي على المشرق العربي.

شملت هذه السلسلة كتاب سيل عن الرئيس حافظ الأسد و"الصراع من أجل الشرق الأوسط"، وأنهاها بكتابه الأخير، الذي اعتبره أفضل كتبه "الصراع من أجل الاستقلال العربي: رياض الصلح وصنّاع الشرق الأوسط الحديث" الذي نشره في 2010، قبل وفاته بأربع سنوات.

كتاب "الصراع على سوريا" مكتوب بأسلوب شيّق ويتسم بسردية حيوية تفتقرها كتب المؤرخين المحترفين، وهو يستند إضافة إلى الوثائق على معلومات مستوفاة من المقابلات التي أجراها سيل مع عدد من السياسيين والمسؤولين السوريين.

المشهد العربي في بداية سنة 2020 قاتم ومحبط بامتياز

وينطلق سيل في الصفحة الأولى في كتابه، من الأهمية الاستراتيجية لسوريا "وكأنها مرآة للمصالح المتنافسة على المستوى الدولي، ما يجعل سوريا تستحق اهتماما خاصا. وفي الواقع فإن شؤونها الداخلية لا معنى لها تقريبا إلا إذا تم ربطها بالسياق الأوسع، أولا مع جيرانها العرب، وبعدها مع القوى الأخرى المعنية. وليس صدفة أن سوريا يجب أن تعكس في هياكلها السياسية الداخلية المنافسات بين جيرانها، لأنه، كما سأبين لاحقا من يريد أن يقود الشرق الأوسط لا بد له من السيطرة عليها" (سوريا).

الصراع بين الدول العربية للسيطرة على سوريا في الحقبة التي درسها باتريك سيل، كان بالدرجة الأولى بين الهاشميين في العراق وجمال عبد الناصر في مصر. الهاشميون كانوا يسعون لوحدة تشمل جزءا كبيرا من "الهلال الخصيب": العراق والأردن وسوريا. هذه الوحدة كان لها مؤيدوها داخل سوريا.

لانتفاضتي العراق ولبنان هدف آخر لا يقل أهمية عن الهدف الأول، وهو ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم السياسي كمجتمعات حرة تعيش في ظل دول تتمتع بسيادة حقيقية

مصر التي كانت تتنافس مع العراق الذي كان قبل انقلاب 1958 جزءا من حلف بغداد الذي عارضه عبد الناصر، رأت في أي تقارب بين العراق وسوريا تحديا لنفوذها في المشرق. وعندما "عرض" حزب البعث وحلفائه في سوريا الوحدة الكاملة مع مصر، قبل عبد الناصر هذا العرض، وإن بتردد، لأنه أراد الالتفاف على الهاشميين في العراق.

على الصعيد الدولي كان هناك نوعا من الصراع على سوريا بين فرنسا، الدولة التي اضطرت لإنهاء انتدابها على سوريا في 1945، وبريطانيا التي كانت تريد حماية نفوذها في العراق حيث أيدت خطط الوحدة مع سوريا، ومصالحها في مصر (قناة السويس).

الأسباب التي جعلت سوريا لعبة تتصارع عليها القوى الإقليمية والغربية، تعود للانقسامات والاستقطابات السياسية والأيديولوجية وميل القوى الداخلية لجذب وتشجيع التدخلات الخارجية.

مع حلول سنة 1957، يقول سيل إن النظام السياسي السوري "كان على حافة الانهيار"، لأن الأطراف الداخلية المتنازعة كانت عاجزة بمفردها عن فرض سيطرتها دون تدخل خارجي، ما يفسر قبول جمال عبد الناصر المتردد بالوحدة مع سوريا في 1958، التي كانت سنة محورية سقط فيها النظام الملكي في العراق في انقلاب عسكري دموي صدم بريطانيا والولايات المتحدة التي سارعت بإنزال بحريتها في لبنان، وانتهى فيها حلف بغداد، وانتهى معه ما سمي باللحظة البريطانية في الشرق الأوسط، أو على الأقل بداية النهاية لهذه اللحظة.

الصراع الراهن على سوريا والعراق

بعد مرور أكثر من ستين سنة على الحقبة، التي وصفها سيل، هناك صراع إقليمي جديد على سوريا، وصراع آخر على العراق، تلعب فيه الدول البعيدة أدوارا مساندة. المشهد الراهن يبيّن أن مصر المشغولة بمشاكلها الداخلية والتي همشّت نفسها إقليميا، تلعب دورا ثانويا في صراعات المشرق والخليج.

هذه المرة الأطراف الإقليمية التي تتصارع على سوريا والعراق بشكل مباشر وغير مباشر عبر وكلاء مسلحين وغير مسلحين هي إيران وتركيا. ووراء هذه البلدين تقف روسيا الاتحادية التي أصبحت منذ 2015 طرفا مباشرا في الحرب التي يشنها نظام بشار الأسد في دمشق ضد شعبه، والتي تقبل على مضض تحالف إيران مع نظام الأسد؛ والولايات المتحدة التي حاربت تنظيم "الدولة الإسلامية" في البلدين، والتي أيدت الاجتياح التركي لشمال سوريا.

لا يخفي الرئيس ترامب رغبته بإنهاء "التورط" الأميركي العسكري في سوريا، وحتى في العراق، وكان ربما قد فعل ذلك لولا معارضة وزارة الدفاع والكونغرس، بما في ذلك المشرعين الجمهوريين.

تغلغل النفوذ الإيراني في معظم أوجه الحياة في العراق: الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والدينية، حيث تمارس إيران نفوذها عبر وكلائها وعملائها المسلحين، الذين يلعبون دورا رئيسيا في القمع الدموي للانتفاضة الشعبية في العراق.

التقويم الرسمي لوزارة الدفاع الاميركية حول غزو العراق هو أن إيران هي الطرف الفائز. من جهتها تقوم تركيا بدعم مطالب التركمان في العراق، وتقيم تحالفات عسكرية مع قوى سورية محلية تعمل نيابة عنها في شمال البلاد، ويمكن أن ترسل تركيا عناصر من هذه القوى المرتزقة لقتال أعداء تركيا في ليبيا.

وسيكون للتدخل العسكري التركي في ليبيا مضاعفات سياسية واستراتيجية تمس بمصالح دول مثل مصر وإسرائيل وإيطاليا وغيرها، وسوف يكون مؤشر آخر يؤكد طموحات الرئيس رجب طيب إردوغان "العثمانية".

ليبيا مفككة وسوف تبقى خاضعة لتدخلات خارجية في المستقبل المنظور

في السنوات الماضية اجتمع رؤساء إيران وتركيا وروسيا لأكثر من مرة لبحث مستقبل سوريا، وطبعا من دون مشاركة السوريين، تماما كما كانت تفعل الدول الاستعمارية حين كانت تقرر نيابة عن الدول التي تستعمرها.

لإيران اليوم نفوذ غير مسبوق في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. ولا يوجد هناك أي مؤشر أن الاحتلال العسكري التركي لأراض سورية، والاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان، والاحتلال الإيراني السياسي لدمشق في ظل نظام الأسد إضافة إلى دورها العسكري الكبير في سوريا، سوف ينتهي أي منها في أي وقت قريب.

الانقسامات والاستقطابات العميقة في المجتمع السوري في خمسينيات القرن الماضي، التي وصفها باتريك سيل بدقة والتي جعلت من سوريا لعبة للأمم، هي ذاتها تعصف اليوم بسوريا والعراق، وهي الخلافات التي أدت إلى نزاعات دموية واقتتال أهلي في العراق منذ الغزو الأميركي في 2003، وفي سوريا منذ الانتفاضة السلمية في 2011 والتي عسكرها لاحقا نظام الأسد وحوّلها إلى نزاع دموي.

المشهد العربي في بداية سنة 2020 قاتم ومحبط بامتياز. مصر، الدولة المحورية سابقا، فقدت دورها الإقليمي ومنشغلة بمكافحة أعداء الداخل، وهي عاجزة عن التأثير على إثيوبيا التي ستحصل على معدلات عالية من مياه نهر النيل حين تنتهي من بناء سد النهضة الضخم.

ليبيا مفككة وسوف تبقى خاضعة لتدخلات خارجية إقليمية ودولية في المستقبل المنظور.

النزاعات الدموية والاستقطابات السياسية في العراق وسوريا لن تنتهي في أي وقت قريب. كما لن تنتهي هيمنة إيران وتركيا وروسيا على البلدين خلال السنوات القليلة المقبلة.

النفوذ الإيراني في اليمن تعزز بعد تحول الانتفاضة اليمنية إلى نزاع دموي وسقوط الرئيس علي عبدالله صالح، وسيطرة المتمردين الحوثيين على صنعاء.

في لبنان، سوف تحاول إيران، من خلال حليفها ووكيلها المسلح "حزب الله" وحلفائه الانتهازيين، الإبقاء على هيمنتها إلى حين تحييد "حزب الله" ـ وهو تحد صعب، ولن يتحقق بسهولة.

هذه الدول الهشة سياسيا، والتي تحكمها طبقات سياسية فاسدة، تسيطر على مجتمعات منهكة ومقموعة، ولكنها ليست بالضرورة مهزومة أو مستسلمة، وهذا ما يفسر الانتفاضات الشعبية والحركات الرامية إلى تحقيق تغييرات وإصلاحات جذرية سياسية واقتصادية وحتى ثقافية، وهي انتفاضات عصفت بالمجتمعات العربية خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والتي ستستمر في العقد الجديد.

تركيا، وبسبب تحالفها الإسلاموي مع قطر، فعادت عسكريا إلى الخليج

الانتفاضات التي هزت الدول العربية خلال السنوات العشر الماضية بدأت بمطالب اقتصادية وإصلاحية متشابهة ومتواضعة، ولحقها مطالب سياسية جذرية أكثر تطالب "بإسقاط النظام".

الشرارة التي فجرت انتفاضة العراق قبل أكثر من ثلاثة أشهر، والتي فجرت الانتفاضة اللبنانية قبل أكثر من شهرين كانت أيضا ذات طبيعة اقتصادية (احتجاج على زيادة الأسعار أو فرض ضرائب جديدة أو تردي الخدمات) وهي بذلك تشبه بدايات الانتفاضات العربية الأخرى، التي تطورت لاحقا إلى مطالب سياسية جذرية أكثر.

القوى الحاكمة والمتجذرة لن تتخلى بسهولة عن مصالحها واحتكاراتها وسوف تقاوم كل هذه الانتفاضات بدرجات متفاوتة من العنف. ولكن انتفاضتي العراق ولبنان تواجهان تحديا واجهته الانتفاضة السورية في بداياتها، ولكن لم تواجهه الانتفاضات الأخرى: العراقيون واللبنانيون انتفضوا ضد واقع اقتصادي وسياسي فاسد واحتكاري تسيطر عليه طبقة سياسية عاجزة أو مقاومة للتغيير الإيجابي وتمكين شعوبها؛ ولكن لانتفاضتي العراق ولبنان هدف آخر لا يقل أهمية عن الهدف الأول، وهو ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم السياسي كمجتمعات حرة تعيش في ظل دول تتمتع بسيادة حقيقية.

بمعنى آخر يجب النظر إلى هاتين الانتفاضتين على أنهما موجهتين أيضا ضد إيران، الدولة المهيمنة بقسوة على المجتمعين العراقي واللبناني. المنتفضون والثوار في العراق ولبنان، يقودون أيضا حركة تحرر سياسي وطني تهدف إلى تحقيق الاستقلال الحقيقي والنهائي للعراق ولبنان من السيطرة الإيرانية.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.