بدأت محاولات فيسبوك دخول عالم الواقع الافتراضي في 2014، عندما اشترت نظارة "أوكيولس" بتكلفة بلغت 2 مليار دولار أميركي.
بدأت محاولات فيسبوك دخول عالم الواقع الافتراضي في 2014، عندما اشترت نظارة "أوكيولس" بتكلفة بلغت 2 مليار دولار أميركي.

في آخر كل عام يتم نشر توقعات المتخصصين للعام القادم، ولكن عام 2020 له نكهة خاصة لأنه ارتبط بالاستشراف المستقبلي للباحثين منذ التسعينيات الميلادية، كما دأب الرؤساء التنفيذيون على وضعه كهدف لإنجازاتهم الكبرى، وبينما بدى عام 2020 بعيدا عندما قالوا هذه التوقعات، فإن 2020 قد وصل، وباب المستقبل المنتظر سيفتح الآن، لنتجول في أرجائه، بينما ستنتقل التوقعات والوعود إلى عام 2030 أو 2040.

كثير من التوقعات الكبرى لعام 2020 لم تتحقق بطبيعة الحال. رئيس شركة إنتل توقع أن تستهلك الأجهزة الذكية القليل جدا من الطاقة (مما يعني بطاريات تعيش لمدى طويل)؛ ورئيس أمازون توقع أن يتم تسليم شحناتهم في أميركا عبر طائرات بدون طيار (درونز)؛ وإيلون ماسك توقع إطلاق مركبات الهيبرلوب بسرعة 1280 كيلومتر في الساعة؛ وتويوتا وعدت أن تطلق السيارات ذاتية القيادة على الطرق.

الجيل الخامس يعني باختصار انطلاق عهد ما بعد الإنترنت كما نعرفه

كل هذا لم يحصل، ولسنا حتى قريبين منه، ولكن هذه التوقعات، مثلها مثل الخطط الوطنية المستقبلية التي تعلنها الحكومات، تضع الأهداف الحالمة أمام الجميع لينطلقوا نحوها. الهدف عادة هو تحفيز الانطلاق وتوجيه الخطط وتحدي الذات وليس تحقيق الأهداف بحذافيرها.

دأبت لعدة سنوات على وضع قائمة بتوقعاتي التقنية للعام القادم، وهذه قائمتي لعام 2020:

1- الجيل الخامس من شبكات الاتصالات (5G). لا شيء سيميز عام 2020 مثل إطلاق الـ5G، وذلك لأن سرعة 1 إلى 8 ميجابايت في الثانية تعني تحقيق كل أحلام شركات الإنترنت وعشاق التقنية، وبالمقابل ستركز شركات الاتصالات التي استثمرت مئات الملايين في تطوير بنيتها التحتية على تسويق خدمات الـ5G وعلى البحث عن تطبيقات مناسبة لها لإغراء الجمهور بالقادم الجديد. بالنسبة لي، الجيل الخامس يعني باختصار انطلاق عهد ما بعد الإنترنت كما نعرفه.

2- الانتخابات الرئاسية الأميركية 2020. مثل ما شهدت انتخابات 2016 مختلف تجارب "تزييف الأخبار" فإن انتخابات 2020 ستشهد تصاعدا مخيفا في هذا المجال، وخاصة بما يتعلق بـ"التزييف العميق" (الذي يزور الفيديوهات). بالمقابل، ستحاول المواقع الإخبارية أن تؤكد على مصداقيتها وعلى اجتذاب أكبر حصة من سوق الإعلانات الانتخابية. بخلاف 2016، سيكون هناك حذر كبير في أوساط الجهات الأمنية الأميركية من حملات الاختراق التقني القادمة من خارج أميركا.

3- الاهتمام بالخصوصية سيتصاعد. في يناير 2020 سيبدأ تطبيق قانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا، والتي ستفرض على الشبكات الاجتماعية والمنصات التقنية أن تسمح لأي مقيم في كاليفورنيا أن يتحكم بشكل كامل في استخدام معلوماته الشخصية، وبشكل غير مسبوق. هذا في الغالب سيقود ولايات أميركية ودول أخرى لتبني قوانين مشابهة، والذي سيمثل تحولا هاما في أنظمة الخصوصية الرقمية.

4- عام الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (IR). بعد الكثير من التجارب التقنية والتجارية خلال الفترة الماضية، صار مستقبل وتأثير تطبيقات الواقع الافتراضي والواقع المعزز أمرا مستقرا وملموسا. عالم الألعاب سيشهد نقلة ضخمة في هذا المجال (عدد كبير من المنتجات والتطبيقات والألعاب، ونمو مذهل يزيد عن 50 في المئة)، كما سيتم الإعلان عن انتهاء تطوير حزمة كبيرة من التطبيقات من هذا النوع بما يخدم الأفراد والشركات في مجالات التعليم والبناء والرعاية الصحية والصناعة والسيارات بشكل خاص. أحد أسباب النمو السريع لهذه التطبيقات هو نمو الجيل الخامس من شبكات الاتصالات، ودعم هذه التطبيقات بالذكاء الاصطناعي.

5- تقرير مصير العملات الرقمية. تواجه شركة فيسبوك مشكلات كبيرة مع عملتها المزمع إطلاقها (ليبرا)، وهي في الغالب ستعلن استسلامها وإلغاء المشروع في 2020، الأمر الذي سيترك تأثيرا سلبيا على عالم العملات الرقمية بشكل عام، وخاصة مع الضغط الذي تضعه الحكومات على عالم العملات الرقمية بهدف التحكم فيه. في حال نجحت شركة فيسبوك في دعم مشروعها، وفي حال أطلقت الصين عملتها الرقمية التي وعدت بها (وكلاهما غير متوقع)، فسيكون هذا عام النقلة الاستثنائية للعملات الرقمية.

عام 2020 يمثل عاما هاما في المنافسة بين نتفلكس وهولو وأمازون وديزني وغيرها من المنصات

6- التجارة الإلكترونية تحقق المزيد من التطور والمبيعات. شهد عام 2019 أرقاما قياسية في التجارة الإلكترونية وإقبال الشركات التقليدية على الانتقال للعالم الرقمي. 2020 سيشهد المزيد من ذلك، مع برامج تساعد في رفع فهم احتياجات المستهلك وتلبيتها، وتخصيص التجربة باستخدام الذكاء الاصطناعي. لكن هذا العام، سيشهد المزيد من التركيز على أنظمة الدفع والتسليم، وعلى تحقيق الأرباح أكثر من تحقيق المبيعات، وعلى وضع أفكار ترفع من ولاء الجمهور للمنصة الرقمية، لكن أمازون ستبقى في المقدمة رغم تزايد عدد المنافسين.

7- إرهاق المنافسة بين منصات المشاهدة حسب الطلب. عام 2020 يمثل عاما هاما في المنافسة بين نتفلكس وهولو وأمازون وديزني وغيرها من المنصات، لأننا وصلنا لمرحلة الإشباع، وصار على الجمهور أن يختار أي منصة يريد في بيته لأن الاشتراك فيها جميعا يعني تكلفة مادية كبيرة. المنافسة ستكون طاحنة، بينما قنوات الترفيه التلفزيوني التقليدية ستترنح وتستعد للسقوط بشكل غير مسبوق. أيضا، ستواجه هذه المنصات لأول مرة مشكلات القرصنة من الجمهور الذي لا يريد أن يدفع.

8- "تصحيح" عالم الذكاء الاصطناعي. بعد الطفرة الهائلة في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي خلال العامين الأخيرين، يتوقع أن يشهد عام 2020 تباطؤا في النمو، مع مراجعة الشركات الكبرى لخططها وما تم تحقيقه، في ظل انخفاض للتفاؤل بنتائج التطوير في مجال الذكاء الاصطناعي. بالمقابل، ستدخل شركات صغيرة كثيرة في هذا المجال بعد أن كان محصورا على الشركات العملاقة، مع توفر برامج أكثر تساعد القادمين الجدد على ذلك.

اربط الحزام، والبس نظارات الواقع الافتراضي (الـVR)، واستمتع بالرحلة

9- المساعد الصوتي يركب السيارة. التنافس يحتدم بين غوغل وأمازون وأبل في تطوير برامج المساعد الصوتي (غوغل وأليكسا وسيري)، وخاصة الذي يمكنك من التحكم في كافة تفاصيل البيت بالأوامر الصوتية. هذه السنة سيتم تفعيل المساعد الصوتي في السيارة، وستكون نقلة هامة لغوغل التي تملك خرائط غوغل، أهم تطبيق يستخدمه الناس أثناء تنقلاتهم. من جهة أخرى، سيستمر النمو في تبني المساعد الصوتي والبحث عبر الصوت في 2020 بمعدلات عالية.

10- تطور العمل عن بعد. يتوقع أن يمثل عام 2020 ذروة تطور البرامج التي تساعد فرق العمل عن بعد في تنسيق أعمالها، كما أن هناك نمو لمنصات العمل الحر، بالإضافة لوعي متزايد بأهمية استقطاب المواهب ومنحها حرية الحركة اللازمة. كل هذا مع ضغط التكلفة ينبغي أن يساهم في تزايد عدد الشركات حول العالم التي تتبنى العمل عن بعد كمنهجية عمل لها.

سواء صدقت هذه التوقعات أو لم تصدق، المؤكد أن العقد الثالث من القرن 21 سيكون حافلا بكل المقاييس. كل ما أقوله: اربط الحزام، والبس نظارات الواقع الافتراضي (الـVR)، واستمتع بالرحلة.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟