رجال دين في جامع الأزهر خلال رمضان الماضي

منذ دخول الحضارة الإسلامية طور الغيبوبة في القرن الثالث عشر الميلادي، ظلت محاولات البعث والإحياء المتقطعة تحقق اختراقات محدودة وتعجز عن بلوغ نقطة التحول المطلوب لإنجاز مهمة النهوض الحضاري التي طال غيابها بسبب الصراع المستمر بين "العقل والنقل" وأيهما سيقود قطار التغيير الهادف للحاق بركب الأمم المتقدمة.

وإذ ترتبط عملية التحول الفكري للأفراد بسياقات اجتماعية وسياسية عميقة، فإن الروايات الإسلامية التاريخية تجنح في أحيان كثيرة لإلحاق أبعاد متعالية لأسباب تلك التحولات وذلك بوضعها في إطار من الأسطرة التي تتسم بقدسية أو ماورائية فارقة يُعتقد أنها تعضد مصداقيتها وتؤكد شرعية المواقف المرتبطة بها.

في هذا الإطار أتناول في السطور التالية حادثتين متعاليتين "رؤى منامية" أوردتهما الروايات التاريخية وكان لهما أثرا كبيرا في إحداث تحولات جذرية في مسار الفكر والتطور الحضاري، بحيث ارتبطت الأولى منهما بالصعود الكبير الذي شهدته الحضارة الإسلامية بينما لعبت الثانية دورا حاسما في الانحدار الذي أدى لتدهور وأفول تلك الحضارة.

كرَّست الأشعرية على الصعيد السياسي الاستبداد واستمرار الظلم

ليس الغرض من تناول تلك الرؤى المنامية في هذه السطور تأكيدها أو نفيها، بل محاولة النظر في الكيفية التي تسعى من خلالها المرويات لتفسير التحولات الفردية والمجتمعية بعيدا عن أسبابها الاجتماعية والسياسية والتاريخية.

بلغت الحضارة الإسلامية أوجها في القرن العاشر الميلادي/الرابع الهجري، حيث أثمرت في العلم والفلسفة مذاهب ونظريات لها طابعها الخاص الذي يدعو لتفسير الحياة والوجود تفسيرا يستند إلى التوحيد الإلهي، ولا شك أنه لم يتأت لهذه الحضارة أن تبدع ما أبدعته إلا بعد قرون شغلت فيها بالنقل والاطلاع على تراث الأمم القديمة التي سبقتها خصوصا اليونان، الذين شكلت فلسفتهم الرافد الرئيسي الذي نهلت منه حضارة الإسلام.

كان الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور أول من اعتنى بالعلوم ولكن الخليفة العباسي السابع عبد الله المأمون بن هارون الرشيد كان أكبر من دعم الحركة العلمية، حيث أنشأ "بيت الحكمة" وأمر بترجمة الكتب في مختلف الفنون والعلوم، وكان يُعطي وزن ما يُترجم ذهبا مما أدى إلى توافد العلماء والمترجمين ورواج صناعة العلم والأدب والفنون والنقل والترجمة.

ذكر ابن النديم في كتابه "الفهرست" السبب الذي دفع المأمون للاهتمام بالفلسفة والعلوم والإعلاء من شأن العقل في مقابل النقل قائلا:

"إن أحد الأسباب في كثرة كتب الفلسفة وغيرها في البلاد الإسلامية أن المأمون رأى في منامه كأن رجلا أبيض اللون مُشربا بالحمرة، واسع الجبهة مقرون الحاجب، أجلخ الرأس أسهل العينين حسن الشمائل جالسا على سريره، قال المأمون: وكأني بين يديه قد ملئت له هيبة فقلت من أنت؟ قال: أرسطاطاليس، فسررت به وقلت أيها الحكيم أأسألك، قال: سل، قلت ما الحسن؟ قال: ما حسن في العقل، قلت ثم ماذا: قال ما حسن في الشرع، قلت ثم ماذا: قال ما حسن عند الجمهور، قلت ثم ماذا؟ قال ثم لا ثم".

الرؤيا المنامية التي أوردها ابن النديم فتحت المجال لخلق جو علمي زاهر في بغداد وبرز العلماء في شتى أنحاء الدولة العباسية، كما ظهر فلاسفة مسلمين كبار أمثال، يعقوب الكندي، الذي خلّف آثارا علمية في الفلسفة والفلك والرياضيات والطب وعلم الحيوان والجغرافيا والموسيقى والتشفير وعلوم كثيرة غيرها، ومضت القرون الإسلامية حُبلى بالعلماء والفلاسفة الذين لم يكتفوا بنقل علوم اليونان، بل شرحوها وطوروها وأنتجوا مفاهيم ومعارف جديدة.

ومثلما كانت رؤيا الخليفة المأمون سببا في ازدهار الحضارة الإسلامية بإعلاء شأن العقل، فإن رؤيا أخرى للفقيه، أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، مثلت ركنا أساسيا من أركان التدهور الذي أصاب تلك الحضارة حتى وصلت حالة الجمود والموت السريري.

نشأ الأشعري في رعاية شيخ المعتزلة أبي علي الجبائي، وظل معتنقا لمذهب الاعتزال مدافعا عنه بالمناظرة والمناقشة حتى بلغ سن الأربعين حيث كان يشار إليه بأنه رأس المعتزلة، ثم حدث له تحول فكري شكل علامة فارقة في الحياة الإسلامية الاعتقادية.

يروي الإمام تاج الدين السبكي في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى" قصة التحول العقيدي الذي وقع للأشعري، حيث غاب الأخير عن الناس في بيته خمسة عشر يوما ثم خرج إلى الجامع وصعد المنبر وقال:

"معاشر الناس، إنما تغيبت عنكم هذه المرة، لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله تعالى، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده، كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به، ودفع الكتب التي ألفها على مذاهب أهل السنة إلى الناس".

وحكى عن مبدأ رجوعه أنه كان نائما في شهر رمضان، فرأى النبي (ص) فقال له: يا علي أنصر المذاهب المروية عني، فإنها الحق. فلما استيقظ دخل عليه أمر عظيم، ولم يزل مفكرا مهموما من ذلك وكانت هذه الرؤيا في العشر الأول، فلما كان العشر الأوسط، رأى النبي (ص) في المنام ثانيا فقال: ما فعلت فيما أمرتك به؟

فقال: يا رسول الله، وما عسى أن أفعل وقد خرجت للمذاهب المروية عنك محامل صحيحة؟! فقال لي: انصر المذاهب المروية عني فإنها الحق.. فاستيقظ وهو شديد الأسف والحزن، وأجمع على ترك الكلام، واتباع الحديث وملازمة تلاوة القرآن.

فلما كانت ليلة سبع وعشرين، وكان من عادته سهر تلك الليلة أخذه من النعاس ما لم يتمالك معه السهر، فنام وهو يتأسف على ترك القيام فيها فرأى النبي (ص) ثالثا، فقال له: ما صنعت فيما أمرتك به؟ فقال: تركت الكلام يا رسول الله، ولزمت كتاب الله وسنتك.

فقال له: أنا ما أمرتك بترك الكلام، إنما أمرتك بنصرة المذاهب المروية عني، فإنها الحق. قال: قلت يا رسول الله، كيف أدع مذهبا تصورت مسائله، وعرفت دلائله منذ ثلاثين سنة، لرؤيا؟

قال: فقال لي: لولا أني أعلم أن الله يمدك بمدد من عنده، لما قمت عنك حتى أبين لك وجوهها، فجدّ في ذلك، فإن الله سيمدك بمدد من عنده فاستيقظ وقال: ما بعد الحق إلا الضلال، وأخذ في نصرة الأحاديث في الرؤية والشفاعة والنظر وغير ذلك. وكان يفتح عليه من المباحث والبراهين لما لم يسمعه من شيخ قط، ولا اعترضه به خصم، ولا رآه في كتاب.

العالم الإسلامي اليوم في حاجة ماسة لاستعادة دور العقل في ريادة عملية التغيير

أطلق الأشعري بعد تلك الرؤيا نظرية في العقيدة هيمنت على العقل المسلم وأعلت من شأن النقل وبلورت طريقة في التفكير تقوم على الاستدلال بالخبر وتعتبر النص أصلا لكل معرفة، ولم يقتصر أثرها السلبي في تعطيل دور العقل على قضايا العقيدة أو الأمور الفقهية بل امتدت إسقاطاته لتشمل كافة النواحي المعرفية والعلمية والسياسية والاجتماعية في المجتمعات العربية والإسلامية.

قد كرَّست الأشعرية على الصعيد السياسي الاستبداد واستمرار الظلم، وذلك عبر إنكارها لحرية إرادة الإنسان وفاعليته، ودعوتها إلى الصبر على الحاكم ولو كان ظالما مستبدا. كما أنها عملت على تقويض العلم بنفيها لمبدأ السببية في ظواهر الطبيعة، وهو المبدأ الذي يمثل ركنا أساسيا من أركان العلم.

لا شك أن العالم الإسلامي اليوم في حاجة ماسة لاستعادة دور العقل في ريادة عملية التغيير بعد أن ساد النقل لقرون طويلة أدت لحالة الجمود الحضاري التي أقعدت بالمسلمين وجعلتهم يقبعون في مؤخرة ركب الأمم بعد أن بلغوا شأوا كبيرا في التطور كانت ذروته في القرن الرابع الهجري.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.