قادة بالحشد الشعبي: حامد الجزائري، قيس الخزعلي، أبو مهدي المهندس حضروا الاحتجاجات أمام السفارة

في أعقاب قيام "كتائب حزب الله" ("الكتائب") الشيعية المدعومة من إيران بتنفيذ 11 هجوم [ضد مواقع أميركية] وتحذيرات واشنطن العديدة التي أعقبتها، ردت الولايات المتحدة أخيرا عسكريا على هذه الميليشيا.

ففي 29 ديسمبر، قصفت الطائرات الحربية الأميركية خمس قواعد تابعة لـ "كتائب حزب الله" في العراق وسوريا، مما أسفر عن مقتل 25 من أعضاء هذه الجماعة وجرح خمسين آخرين. وجاءت الغارة بعد يومين من إطلاق قوات "الكتائب" ثلاثين صاروخا على قاعدة "K-1" العسكرية في العراق، مما أسفر عن مقتل مقاول أميركي واحد وإصابة عدد من الجنود العراقيين والأميركيين.

وردا على القصف الأميركي، قام أعضاء من "قوات الحشد الشعبي" ومؤيدون لها ـ وهي شبكة الميليشيات الحكومية التي تُعد "كتائب حزب الله" جزء منها رسميا ـ باقتحام أبواب مجمع السفارة الأميركية في بغداد في 31 ديسمبر. وتزعمهم مسؤولون عراقيون رئيسيون مثل مستشار الأمن الوطني فالح الفياض ورئيس "منظمة بدر" المدعومة من إيران، هادي العامري.

العراق ما زال بحاجة الى مساعدة أمنية من الولايات المتحدة لدرء تنظيم "الدولة الإسلامية" المنبعث من جديد

إن كل هذا التصعيد يلحق الضرر بالعراق، الذي يتسبب عجز حكومته [على احتواء الميليشيات] في تحميله مسؤولية العنف. فالهجوم على السفارة الأميركية والرد الأميركي المستمر يجب أن يمنحا لحظة صفاء للزعماء العراقيين أثناء اتخاذهم خيارا قاسيا بشأن مستقبل البلاد: بمعنى، هل سيختارون العزلة الدولية المماثلة لإيران، أو نوع الدولة السيادية والفعالة التي يطالب بها المحتجون العراقيون ويموتون من أجلها منذ 1 أكتوبر؟

أما واشنطن فتواجه مأزقها الخاص ـ فعلى الرغم من أنه كان من الضروري القيام بعمل عسكري ضد "كتائب حزب الله" لردع طهران ووكلائها، إلا أن تنفيذ هذا التصعيد دون اتخاذ تدابير سياسية ضرورية أخرى قد يعطي الميليشيات الموالية لإيران والنخب السياسية العراقية ذريعة لمواصلة تأخير الإصلاحات الحاسمة التي يطالب بها المتظاهرون في عشرات المدن.

السيادة الانتقائية للعراق

كانت الغارة الجوية الأميركية أول عملية من نوعها ضد أهداف عراقية منذ عام 2011، لكن مع ذلك، كانت قيادة البلاد سريعة في إدانتها ـ حتى في الوقت الذي ظلت فيه صامتة في الغالب حول قتل وجرح جنود أميركيين الأمر الذي استلزم القيام بهذه العملية في المقام الأول.

وبعد أن هدد زعيم "كتائب حزب الله" أبو مهدي المهندس الولايات المتحدة بالانتقام، أصدر كل من مكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة و"مجلس الأمن الوطني" للحكومة العراقية تصريحات قاسية ضد العملية وهددا بمراجعة الوجود العسكري الأميركي بأكمله.

كما ندد كل من الرئيس برهم صالح ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي بالهجمات الجوية، على الرغم من أن تصريحاتهما المدروسة كررت أيضا التأكيد على أهمية حماية المواقع الدبلوماسية وممارسة سيطرة الدولة على جميع الجماعات المسلحة من أجل تجنب مثل هذه الردود الأميركية.

وبالمثل، انضم الزعيم الشيعي آية الله علي السيستاني إلى عاصفة الإدانات بترديده إياها لكنه أشار إلى أن الضربة الأميركية كانت "ردا على الأنشطة غير القانونية التي قامت بها بعض الجماعات".

وكانت الكلمة الأكثر انتشارا في هذه التصريحات وغيرها هي "السيادة"، لكن سجل بغداد الخاص [في هذا المجال] جعل من المستحيل على واشنطن احترام السيادة الوطنية العراقية في هذه الحالة.

ورغم أن وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبير لم يطلب إذن بغداد قبل أن يأمر بالضربات الجوية، إلا أنه أعطى رئيس الوزراء عادل عبد المهدي تحذيرا مسبقا عن الغارة.

بالإضافة إلى ذلك، وصف بيان صادر عن البنتاغون العملية بأنها دفاعية، وأشار "ممثل الولايات المتحدة الخاص" لشؤون إيران براين هوك بأنه تم إعطاء الأمر بشن الضربات بعد قيام الميليشيات الموالية لإيران بمهاجمة المواقع الأميركية في العراق 11 مرة في الشهرين الماضيين وحدهما.

وسابقا، ضغط وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ومسؤولون آخرون على بغداد مرارا وتكرارا للوفاء بالتزاماتها بحماية المستشارين العسكريين الأميركيين المكلفين بتدريب قوات الأمن العراقية. وعندما أسفرت الهجمات التي نفذها وكلاء [إيران] أخيرا عن سقوط ضحية أميركية في الأسبوع الماضي، أخذت واشنطن زمام الأمور بيدها.

وتكشف الضجة الناتجة عن ذلك عن اتجاه مزعج يمكن أن ينتهي به المطاف إلى تدمير الدولة: فكل من الحكومة العراقية والميليشيات الخارجة عن السيطرة مثل "كتائب حزب الله" انتقائية عندما تحترم وتُطبق مبدأ السيادة الوطنية. ومن الصعب التعامل بجدية مع الخطاب الصارم المناهض للولايات المتحدة الذي صدر على مدار الأربع وعشرين ساعة التي سبقت كتابة هذا المقال في ضوء عدم مبالاة الحكومة والصمت الذي دام شهورا بشأن المليشيات التي تهاجم القواعد العسكرية العراقية، و "المنطقة الدولية" في بغداد، وأنابيب النفط السعودية.

يبدو أن الزعماء السياسيين العراقيين قد وقعوا في الفخ الخطابي لـ "كتائب حزب الله"

وبالمثل، لم يزعج أي مسؤول عراقي نفسه لدحض التقارير التي أفادت بأن القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني قاد شخصيا حملة القمع ضد المتظاهرين العراقيين، والتي قُتل فيها أكثر من 500 شخص وجُرح أكثر من 20 ألفا وخُطف الكثيرون منذ الأول من أكتوبر.

وبالمثل فإن الميليشيات الموالية لإيران انتقائية أيضا فيما يتعلق بممارسة هويتها العراقية. فبعد أن فازت الأحزاب السياسية المرتبطة بها بمقاعد في الانتخابات البرلمانية عام 2018، قاومت العديد من هذه الميليشيات المساءلة أمام الدولة بحجة أنها جزءا من حركة "مقاومة إسلامية" أكبر، على حد تعبير زعيم "عصائب أهل الحق"، قيس الخزعلي.

ومع ذلك، ففي أعقاب الضربات الأميركية على قواعد "كتائب حزب الله"، تصر "الكتائب" وجماعاتها الشقيقة على كونها منضوية ضمن "قوات الحشد الشعبي" وبالتالي تخضع لسلطة الجيش العراقي.

وتريد "كتائب حزب الله" أن تكون في كلا الاتجاهين ـ العمل بشكل مستقل عن الدولة عندما يكون ذلك مناسبا لها، والاستناد على السيادة العراقية عندما تحتاج إلى الحماية.

ومن هذا المنطلق، فإن إثارة الاحتجاجات المناهضة للولايات المتحدة في السفارة الأميركية هي بديل أكثر أمانا لـ "كتائب حزب الله" من إطلاق الصواريخ. وحيث يقلّل مثل هذا التحوّل من مخاطر قيام الولايات المتحدة بشن ضربات انتقامية، فقد يساعد أيضا "كتائب حزب الله" والجهات الفاعلة المماثلة على تغيير صورتها من مرتكبة جرائم إلى ضحايا، وتصوير أنفسها أساسا كحركات شعبية غاضبة بحق، ترقى إلى مستوى المتظاهرين الإصلاحيين في "ساحة التحرير".

في جنوب البلاد، أصبح من النادر الآن رؤية علم يمثل الميليشيات أو أحزابها

ويبدو أن الزعماء السياسيين العراقيين قد وقعوا في الفخ الخطابي لـ "كتائب حزب الله"، بإدانتهم الضربات الأميركية بوصفها اعتداء على "قوات الحشد الشعبي" بدلا من كونها ضربات على عنصر مارق يخدم أجندة إيرانية عنيفة. ومقارنة بصمتهم في أعقاب هجمات الميليشيات التي قتلت رجال أمن عراقيين، فإن إظهار تعاطفهم مع "كتائب حزب الله" يبدو وكأنه إيماءة تعكس الخوف من طهران ومن الضغط الذي تمارسه على النخبة السياسية في العراق. كما أنه تناقض مخز للانتقادات الملفوظة الموجهة من قبل حركة الاحتجاج للميليشيات، التي أدت مغامراتها المدمِّرة نيابة عن إيران إلى خلق الخوف في صفوف المستثمرين الأجانب والتسبب في هجمات انتقامية.

ومع ذلك، فإن الرد من بغداد ليس سيئا بالكامل. فكما ذُكر أعلاه، إذا قُرئت تصريحات الرئيس صالح وآية الله السيستاني بحذاقة مناسبة، فإنها تلقي اللوم على التصعيد الأخير بشكل مباشر على الميليشيات الجامحة وضعف الدولة المستمر.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إصدار إدانات شديدة للغارات الجوية يمكن أن يعطي المزيد من الجهات الفاعلة العراقية العقلانية بعضا من التنفس السياسي، مما يمكّنها من الخروج من الموجة الحالية من الغضب المعادي لأميركا دون الرضوخ للدعوات الإيرانية والجهات الوكيلة لها لرحيل القوات الأميركية.

دعم الإصلاحيين ووقف التصعيد

قد تكون حركة الاحتجاج الوطنية التي بدأت بجدية في أكتوبر أقوى وسيلة متاحة لجعل الحكومة العراقية أكثر عرضة للمحاسبة حول قضية الميليشيات وغيرها من المسائل ذات الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة.

وقد ساعدت المظاهرات المستمرة في بغداد وجنوب العراق حتى الآن في الحد من تأثير الميليشيات والنفوذ الإيراني في بعض المناطق، مما أدى إلى تحوّل هيكل الحوافز لصالح القوميين العراقيين. ومن خلال إيماءات السيستاني والرئيس صالح، أدّت الاحتجاجات إلى إرغام رئيس الوزراء على الاستقالة وأعادت تصميم النظام الانتخابي.

وفي جنوب البلاد، أصبح من النادر الآن رؤية علم يمثل الميليشيات أو أحزابها. وبالمقارنة، فإن المسيرة نحو السفارة الأميركية هي شأن صغير نسبيا يهدف إلى صرف الانتباه عن الاحتجاجات الأكبر في "ساحة التحرير" وغيرها من المواقع.

ومع ذلك، ظل عبد المهدي رئيسا مؤقتا للوزراء، وكلما طال شغله هذا المنصب، كلما كان من السهل على الميليشيات وضع أنصارها في مواقع السلطة. ففي الأسبوع الماضي، على سبيل المثال، قام بتعيين شخصية بارزة من "كتائب حزب الله" هو [الفريق الركن تحسين العبودي الملقب بـ] أبو منتظر الحسيني في المنصب المسؤول عن أمن "المنطقة الخضراء". وبمجرد تعيينه في هذا المنصب المهم، سرعان ما سمح الحسيني لمثيري الشغب بالدخول إلى مجمع السفارة.

وإذا اختارت إيران وميليشياتها تصعيد الموقف إلى حرب شاملة بالوكالة على الأراضي العراقية، فسيؤدي ذلك إلى مزيد من تقويض فرص الإصلاحات الجادة ويزيد من تأثير إيران وميليشياتها على الحكومة. يجب على واشنطن حرمان إيران بشدة من هذا النفوذ، وإبقاء العبء على عاتق المسؤولين العراقيين لحماية العسكريين والدبلوماسيين الأميركيين، وهو سبيلهم الوحيد المؤكد لتفادي هجمات انتقامية أميركية في المستقبل.

وعلى نطاق أوسع، يجب على المسؤولين الأميركيين إدراك القيود على متابعة سياسات محلية أكثر تركيزا على مواجهة إيران من مساعدة العراق، لأن هذه المقاربة تُسهل في النهاية التأثير الإيراني. وبدلا من ذلك، يجب على واشنطن مضاعفة دعمها المعلن للمحتجين العراقيين الذين يتحالفون ضد الفساد والمحسوبية الطائفية.

ويستلزم ذلك مواصلة الضغط على المؤسسات العراقية الرسمية وغير الرسمية لحماية حقوق الإنسان والحفاظ على قدرة المواطنين على الاحتجاج. وتحقيقا لهذه الغاية، ينبغي على الحكومة الأميركية الإشارة إلى عقوبات إضافية وفقا لـ "قانون ماغنيتسكي" تُفرض على المستويات العليا للطبقة السياسية، وكذلك مواصلة دعمها للإصلاح السياسي والاقتصادي بالتنسيق مع "الاتحاد الأوروبي" و "بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق" ("يونامي"). وإذا استمرت الجهود القمعية داخل العراق، فينبغي على واشنطن إيجاد طرق مبتكرة لمساعدة الإصلاحيين على إسماع أصواتهم بشكل أفضل.

وأخيرا، إذا كان الضغط الإيراني أو العاطفة المحضة يدفعان بغداد إلى المطالبة بإنهاء مهمة بعثة التدريب العسكري الأميركية، يجب على واشنطن التواصل بوضوح مع المواطنين العراقيين وصناع القرار حول كيفية تسبب هذه الخطوة بتعريض أمنهم واقتصادهم للخطر.

الميليشيات الموالية لإيران انتقائية أيضا فيما يتعلق بممارسة هويتها العراقية

فالعراق ما زال بحاجة الى مساعدة أمنية من الولايات المتحدة لدرء تنظيم "الدولة الإسلامية" المنبعث من جديد. بالإضافة إلى ذلك، يتم حاليا تلبية احتياجات العراق من الطاقة بالغاز الطبيعي الإيراني، الذي لا يستطيع العراق شراءه بدون إعفاءات العقوبات الأميركية.

وربما الأهم من ذلك هو اعتماد الاستقرار المالي للبلاد على عائدات بيع النفط المحمية من قبل "البنك الاحتياطي الفيدرالي" في نيويورك. وكل هذه المصالح واضحة للعديد من القادة العراقيين، الذين قد يكونون على استعداد للوقوف في وجه الضغوط الإيرانية من أجل حماية هذه المصالح ـ خاصة وأنه من المرجح أن تحذو الدول الأخرى حذو الولايات المتحدة إذا خفضت واشنطن علاقاتها الدبلوماسية.

وعلى الرغم من بذل المسؤولين العراقيين قصارى جهدهم قانونيا وسياسيا لإبقاء معاداتهم لأمريكا في عالم الخطابة المحضة في السنوات الأخيرة، إلا أن ذلك قد لا يكون كافيا بعد الآن في أعقاب إراقة دماء أميركية.

وفي الوقت نفسه، لا يزال بعض القادة العراقيين حذرين من التقلّبات في سياسة الولايات المتحدة كما شوهد في سوريا المجاورة، لذلك ينبغي على واشنطن توخي الحذر في تجنب تقديم الوعود (أو إلقاء التهديدات) التي هي غير مستعدة للوفاء بها.

بلال وهاب هو "زميل واغنر" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.