رجال مثل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس يحملون في صدورهم قلوب من حديد. هؤلاء لا يستحقون الرثاء أو التأسف على رحيلهم، هذا ما يستحقه ضحاياهم الكثر

قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب قتل الجنرال قاسم سليماني، وهو خيار رفضه سلفيه باراك أوباما وجورج بوش لتفادي مواجهة شاملة مع الجمهورية الإسلامية، وضع الولايات المتحدة وإيران على طريق الحرب.

هذا ما قاله أكثر من مراقب ومحلل، منذ الإعلان عن الغارة التي قضت على سليماني وزميله في القتال ضد أميركا وحلفائها في المنطقة أبو مهدي المهندس وهما يغادران مطار بغداد.

ولكن أي مراجعة للتاريخ الطويل والمعقد والحافل بالتناقضات للعلاقات الأميركية ـ الإيرانية منذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران قبل أكثر من أربعين سنة، تبين أن البلدين يسيران ببطء ولكن بثبات على طريق طويل سينتهي بالحرب.

القوات الأميركية والإيرانية خاضت معارك عسكرية مباشرة في سياق الحرب العراقية ـ الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. كما تفاوض البلدان بالسر للإفراج عن الرهائن الأميركية في لبنان ـ لقاء سلاح إسرائيلي لإيران ـ ولاحقا خاضت إيران معارك غير مباشرة ضد القوات الأميركية في العراق، قبل أن يفرض عليهما عدو مشترك اسمه تنظيم "الدولة الإسلامية"، ضرورة قتاله معا في العراق وسوريا، ولكن دون تنسيق مباشر، ليعودا إلى طريق العداء بعد هزيمته.

يلتقي ترامب والقيادة الايرانية على رفضهما التورط في حرب نظامية أو تقليدية

قاسم سليماني، ذو الخلفية المتواضعة، تلقى معمودية النار خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية التي زارت تقريبا كل بيت إيراني وعراقي وخلفّت وراءها جثث القتلى، والمجروحين جسديا وروحيا والمبتورين واليائسين.

في أواخر التسعينيات ترأس سليماني قيادة فيلق القدس في الحرس الثوري المسؤول عن بناء خطوط الدفاع الأولية عن الثورة الإيرانية من خلال تأسيس وتطوير القوى والتنظيمات العسكرية الشيعية وبمعظمها في المحيط الجغرافي لإيران، لاستخدامها في حروب الجمهورية الإسلامية بالوكالة.

استخدم قاسم سليماني فيلق القدس لتدريب وتنظيم وتسليح التنظيمات التي قاتلت ضد القوات الأميركية في العراق، حيث حملته وزارة الدفاع الأميركية مسؤولية قتل أكثر من 600 جندي أميركي.

لاحقا، حين واجه نظام بشار الأسد في سوريا انتفاضة مسلحة كادت تطيح به، نقل قاسم سليماني خبراته العسكرية والقتالية إلى سوريا، واستخدم احتياط إيران من المقاتلين الشيعة المتوفرين له من صفوف "حزب الله" في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق والمقاتلين الأفغان الشيعة إلى سوريا وأنقذ الطاغية الأسد ونظامه من هزيمة مؤكدة.

هذا التاريخ الوجيز لقاسم سليماني يبين أنه كان في صلب جميع المعارك التي خاضها النظام الإسلامي في إيران منذ بدايته ضد أعدائه الإقليميين وضد الولايات المتحدة. ويظهر بوضوح أن يديه ـ وأيدي قادة الميليشيات التي تدور في فلك إيران ـ ملطخة بدماء آلاف الضحايا، وخاصة في سوريا والعراق، وأكثريتهم من المسلمين والعرب.

وأي تاريخ وجيز لـ"الحاج" [قاسم سليماني] كما كان يناديه محبيه، يجب أن يشير إلى أن قاسمي كان محنكا وماكرا، وخرج في سنواته الأخيرة من ظلال العمل السري حيث خلق لنفسه شخصية كاريزمية ساهم الإعلام الإقليمي وحتى الأوروبي والأميركي في نشرها وتعزيزها، حيث بدى سليماني في بعض المقالات والتعليقات وكأنه شخصية أسطورية لا تقهر.

تصعيد نوعي

الغارة التي قتلت سليماني تمثل تصعيدا نوعيا ولا سابقة له في العلاقات بين واشنطن وطهران. يلتقي المحللون والخبراء بالشؤون يلتقون على القول إن سليماني، كان "الرجل الثاني" في إيران بعد المرشد علي خامنئي وإنه كان مرشحا حقيقيا لقيادة البلاد في مرحلة ما بعد خامنئي، وخاصة إذا تم إلغاء منصب ولاية الفقيه، كما يتوقع البعض.

في الواقع، يمكن القول إن سليماني كان صاحب الكلمة الفصل في إيران خلال مناقشة أي خلافات أو اجتهادات أمنية واستراتيجية تتعلق بالدول والتنظيمات التي تدور في فلك إيران.

لا تزال شخصية ترامب المتقلبة، من أبرز علامات الاستفهام في هذه الفصل الجديد

من هذا المنظور فإن تصفية شخصية متميزة من الصعب استبدالها مثل قاسم سليماني، بقرار من رئيس أميركي من الصعب، بل من المستحيل التنبؤ بمواقفه وقراراته، تعتبر أكبر نكسة سياسية تتعرض لها إيران منذ نهاية حربها مع العراق. الصدمة التي تلقتها إيران حقيقية، لأن قتل أسطورة قاسم سليماني لم يكن أمرا متوقعا. وهذا يعني من جملة ما يعنيه، أن القيادة الإيرانية ستركز في الأيام القليلة المقبلة على تعبئة الإيرانيين ضد الولايات المتحدة خلال تشييع ودفن سليماني، وعلى خلق أسطورة جديدة "للحاج قاسم"، هي أسطورة "الشهيد" خاصة وأن المرشد خامنئي كان يدعو سليماني أحيانا "الشهيد الحيّ".

طهران تحتاج إلى مثل هذه الأسطورة لتحويل الاهتمام عن قمعها الدموي للمتظاهرين الإيرانيين ضد الفساد والنظام الإسلامي. تحتاج القيادة الإيرانية أيضا إلى المزيد من الوقت لاستيعاب حجم هذه النكسة، قبل التخطيط بصبر ودم بارد لكيفية الرد على ما اعتبرته بمثابة إعلان حرب أميركية عليها من خلال قتل سليماني، وأن تفعل ذلك بطريقة تليق بمكانة وأسطورة سليماني.

حصان أصيل أم بغل بطيء؟

حوّل قاسم سليماني فيلق القدس إلى قوة إقليمية لا يستهان بها بسبب شبكة العلاقات المعقدة التي بناها خلال العقدين الماضيين. فهو يعرف شخصيا قادة الميليشيات الشيعية التي يمولها ويسلحها و"يرشدها" من "حزب الله" في لبنان، إلى ميليشيات ما يسمى بالحشد الشعبي في العراق، إلى الجيش السوري والميليشيات التي تدعمه، إلى المتمردين الحوثيين في اليمن.

وخلال القتال ضد تنظيم "الدولة الاسلامية" في العراق وسوريا، وحصار حلب والقتال في المناطق السورية الأخرى كان دور قاسم سليماني بارزا ومحوريا وخاصة في العراق. مثل هذه الخبرة الميدانية، والعلاقات الشخصية التي تطلب تطويرها سنوات عديدة، من الصعب تعويضها بسرعة.

عين المرشد علي خامنئي نائب سليماني، اسماعيل قاآني قائدا لفيلق القدس. وحده الزمن سيبين لاحقا ما إذا قام خامنئي باستبدال حصان أصيل ببغل بطيء.

قيل وكتب الكثير في الأيام الماضية عن طبيعة "الانتقام" الإيراني وكيف سترد القيادة في طهران على مثل هذه الضربة الموجعة وما إذا كان الرد سيكون بوسائل وأدوات إيرانية وموجه ضد الولايات المتحدة ومصالحها، أم سيكون عبر وكلاء أو عملاء إيران وموجه ضد أميركا وحلفاؤها في الشرق الأوسط.

عراقيون يشاركون بتشييع المهندس

وذّكرت معظم التعليقات بالقول الصائب في مثل هذه الحالات: الذين يتحدثون كثيرا لا يعرفون، والذين لا يتحدثون أبدا يعرفون. وبما أن إيران لم تواجه مثل هذه الخسارة من قبل، يمكن القول إنه لا أحد يعرف بأي درجة من الثقة كيف وأين سترد إيران، وكل ما يمكن قوله ببعض الثقة، إنه بناء على سجل الجمهورية الإسلامية، سوف يكون هناك رد، لأن إيران لا تستطيع أن تسمح لأعدائها بالقول إنها فقدت هيبتها بعد فقدانها لقاسم سليماني.

ستحاول إيران استيعاد هيبتها لكي تؤكد لأعدائها كما لأصدقائها ووكلائها أنها أصيبت بنكسة، ولكنها لم تهزم. إيران من هذا المنظور تبدو كإدارة الرئيس ترامب التي بدت وكأنها فقدت هيبتها في الأشهر الماضية حين واصلت إيران استفزازاتها وتصعيدها العسكري المباشر وغير المباشر لأميركا. وهذا يشمل إسقاط طائرة أميركية مسيّرة، وتفجير ناقلات نفط سعودية وإماراتية في الخليج، وقصف أكبر منشأتي نفط في السعودية، وكذلك القصف المستمر والمتنامي للقواعد العسكرية في العراق التي تتواجد فيها قوات أميركية وعراقية.

إخفاق واشنطن في الرد السريع على هذه الاستفزازات، ساهم في تعزيز موقع إيران. من هذا المنظور يمكن اعتبار تصفية قاسم سليماني تصعيدا نوعيا وحتى خطيرا يهدف من جملة ما يهدف إليه استعادة هيبة أميركا في المنطقة.

من هنا كان خيار قتل سليماني مفاجئا، لأن الرئيس ترامب يردد دائما أنه يريد الانسحاب من حروب أميركا في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وقتل سليماني يمكن أن يورطه أكثر في نزاع معقد مع إيران قد لا يستطيع السيطرة عليه.

هل كان قرار تصفية سليماني حكيما؟

سوف يستمر النقاش لوقت طويل حول ما إذا كانت عملية قتل قاسم سليماني مبررة قانونيا أو أخلاقيا. ولكن إذا نظرنا إليها سياسيا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح هو: هل كان القرار حكيما أو عمليا بمضاعفاته على الأرض. 

يقول المسؤولون الأميركيون يقولون إن قتل سليماني كان عملا "دفاعيا" لأنه كان يخطط مع قادة الميليشيات التي تهيمن عليها إيران في المنطقة، وفقا لمعلومات مؤكدة من الاستخبارات الأميركية، لضرب مصالح الولايات المتحدة في بعض دول المنطقة. وحده الزمن، وطبيعة الرد الإيراني، والرد الأميركي الذي سيتبع الرد الإيراني، سيبين ما إذا كان القرار حكيما ويعكس المداولات المتأنية والعقلانية للمخططين الاستراتيجيين، أم متهورا وانتقاميا ويعكس شخصية الرئيس الأميركي.

الأمر المقلق هو أنه لم يعد هناك حول الرئيس مستشارون لهم خبرات في الحكم ومعرفة بقضايا السياسة الخارجية ويتمتعون بشخصيات قوية تؤهلهم لوقف أي تصرفات متهورة من ترامب وإعطائه بدائل أفضل.

هل هناك شخصيات بارزة في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي والوزارات الأساسية قادرة على التنبؤ بكيفية قراءة إيران لوضعها وخياراتها؟ أو قادرة على ممارسة لعبة الشطرنج السياسي ولعبة الصبر الاستراتيجي الطويل الذي تجيده إيران؟ قطعا لا نستطيع أن نقول إن الرئيس ترامب هو واحد منهم، وقطعا لا نستطيع أن نستبعد أن يغير رأيه بعد أيام وأسابيع وأن يعيد خلط الأوراق ويخلق الفوضى ويرغم مساعديه على محاولة التأقلم مع حقائق من الصعب التأقلم معها.

والسؤال الأهم المطروح في واشنطن، وفي عواصم الدول المعنية في الشرق الأوسط هو: هل لدى الرئيس ترامب بالتحديد، وأيضا مساعديه تصورا أو خططا جاهزة ومدروسة بدقة وقابلة للتطبيق للرد على ردود الفعل الإيرانية؟ أم أن قتل سليماني كان عملا انتقاميا صرفا أو اعتباطيا اتخذه ترامب بعد أن راقب تغطية شبكات التلفزيون لاقتحام عناصر الميليشيات في العراق للدفاعات الأولية للسفارة الأميركية في بغداد؟

تصفية سليماني تعتبر أكبر نكسة سياسية تتعرض لها إيران منذ نهاية حربها مع العراق

المؤشرات الأولية تبين أن مضاعفات وتداعيات قتل سليماني لم تدرس بدقة، لأنه وفقا لتقرير مفصّل نشرته صحيفة نيويورك تايمز وضع المخططون الأميركيون خيار قتل سليماني ليس لٰنهم يحبذون اتخاذ مثل هذه الخطوة النوعية والخطيرة، بل أنهم يفعلون ذلك عادة لإقناع الرئيس باختيار التوصيات الأقل خطورة. الصحيفة أشارت إلى أن المخططين العسكريين دهشوا لأن الرئيس ترامب قبل بهذه التوصية الخطيرة.

غياب أي تصور لمرحلة ما بعد تصفية سليماني غير مفاجئ وينسجم مع سلوك إدارة الرئيس ترامب تجاه إيران منذ وصوله إلى البيت الابيض وتحديدا منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الدولي مع إيران. بعد هذه الخطوة فرض الرئيس ترامب ما سمي بسياسة "الضغوط القصوى" ضد إيران من خلال إعادة فرض العقوبات الاقتصادية القديمة ضدها ومعاقبة أي دول أو شركات تتعامل معها.

نجحت سياسة "الضغوط القصوى" بإلحاق أضرار كبيرة بالاقتصاد الإيراني ونوعية حياة الإيرانيين، ولكنها لم تنجح سياسيا في إرغام النظام الإيراني على العودة إلى المفاوضات.

لم تطور إدارة الرئيس ترامب استراتيجية تجلب إليها الأطراف الموقعة على الاتفاق النووي مع إيران وأصدقائها الآخرين والقول للإيرانيين بأن هناك أفق سياسي إذا قبلت بتعديل سياساتها مقابل تخفيف أو الغاء بعض العقوبات. ولهذا السبب بدت واشنطن وكأنها تريد أن توجع إيران، وكأن التسبب بالوجع لمجرد التسبب به هو الهدف، وليس التوصل إلى تسوية سلمية تنقذ المنطقة من سباق تسلح نووي وتضبط سلوك إيران التخريبي.

يلتقي الرئيس ترامب والقيادة الايرانية على رفضهما التورط في حرب نظامية أو تقليدية. ترامب لا يريدها لأنه لا يريد التورط في حرب أخرى لا نهاية لها في الشرق الأوسط، ولأنه لا يريد أن يكون متورطا في حرب طويلة الأمد وهو يحضر لمعركة إعادة انتخابه. الإيرانيون لا يريدونها لأنهم ليسوا في وضع متساو مع الولايات المتحدة وقدراتهم القتالية النظامية متدنية كثيرا مقارنة بالقدرات الأميركية. ولكن ذلك لا يعني أن المواجهات غير المباشرة وحروب الوكالة لن تستمر بين البلدين في المستقبل المنظور.

خلال الأيام والأسابيع المقبلة ستواجه إدارة الرئيس ترامب أسئلة صعبة ومشككة من الديمقراطيين في الكونغرس الذين نددوا بقرار ترامب التصعيدي والأحادي الجانب، والذي اتخذه دون تفويض من الكونغرس ودون استشارة قادة الحزبين كما يفترض.

تحدث الرئيس ترامب ومساعديه عن معلومات استخباراتية موثوقة حول خطط كان سليماني وقادة ميليشياته يعدونها لضرب المصالح الأميركية. يريد الديمقراطيون يريدون الاطلاع على هذه المعلومات. وسوف نسمع أصواتا من داخل وخارج الكونغرس تقول إن قرار ترامب قتل سليماني، يهدف من جملة ما يهدف إليه تحويل الأنظار عن محاكمته في مجلس الشيوخ ومساعدته انتخابيا. هذه الاصوات سوف تذّكر ترامب وأنصاره، بأن ترامب كان قد شكك علنا بنوايا باراك أوباما تجاه إيران حين اتهمه بأنه يريد استفزاز إيران والتورط في حرب معها واستغلال ذلك انتخابيا.

خصوم الرئيس الأسبق بيل كلينتون قالوا كلاما مماثلا خلال محاكمته عندما قصف معسكرات لتنظيم "القاعدة" في أفغانستان. الاتهامات لأوباما وكلينتون لم تكن صحيحة، ولا توجد أدلة حتى الآن بأن ترامب أمر بقتل سليماني لاعتبارات انتخابية.

لا تزال شخصية ترامب المتقلبة، من أبرز علامات الاستفهام في هذه الفصل الجديد المحفوف بالمشاكل والتحديات مع إيران. قبل أيام قال ترامب إنه لا يسعى إلى تغيير النظام في طهران، ولا يريد التورط في حرب مع إيران، لا بل ادعى أنه أمر بقتل سليماني لتفادي الحرب وليس للدخول في حرب جديدة.

الغارة التي قتلت سليماني تمثل تصعيدا نوعيا ولا سابقة له في العلاقات بين واشنطن وطهران

ولكن ترامب صعّد من تهديداته المتهورة لإيران في اليوم التالي حين رد على تهديدات متهورة لمسؤولين إيرانيين بالقول إنه إذا تعرض أميركيون أو أي مصالح أميركية للهجمات فإنه سوف يضرب في هذه الحالة 52 هدفا في إيران بما فيها أهداف "ثقافية"، وذلك في إشارة إلى عدد الرهائن الأميركية الذين احتجزتهم الثورة الإيرانية في السفارة الأميركية في طهران 444 يوما. ووصف ترامب تغريدته بأنها "إنذار" للإيرانيين، مضيفا أن الولايات المتحدة قد انتقت 52 موقعا "بعضها عالية المستوى ومهمة لإيران وللثقافة الإيرانية، وهذه الأهداف وإيران ذاتها سوف تتعرض لضربات سريعة جدا وقاسية جدا. الولايات المتحدة لن تقبل تهديدات إضافية". إشارة الرئيس ترامب إلى احتمال ضرب أهداف ثقافية هامة للإيرانيين أثار الاستغراب والاستياء خاصة وأن الأمم المتحدة ترفض وتدين مثل هذه الهجمات.

يواجه الرئيس ترامب محكمة في مجلس الشيوخ في المستقبل القريب، وإذا بقي في منصبه كما هو متوقع، سيواجه لاحقا معركة انتخابية صعبة. المرشد علي خامنئي ونظامه يواجهان موجة استياء شعبي هي الأسوأ منذ تظاهرات 2009 الهامة. وإذا حدثت مواجهات إقليمية، فإن الأطراف الأخرى مكشوفة وضعيفة وتواجه تحديات داخلية. في إسرائيل يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو اتهامات قضائية خطيرة، وانتخابات جديد هي الثالثة خلال سنة. في العراق هناك فراغ سياسي بعد استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وفي لبنان هناك فراغ حكومي بعد استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري وأزمة اقتصادية ومصرفية خانقة.

قاسم سليماني، الرجل الذي عاش بالسيف والبندقية والصاروخ، قتله صاروخ أطلقته طائرة أميركية مسيّرة كانت تنتظره فوق بغداد. رجال مثل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس يحملون في صدورهم قلوب من حديد. هؤلاء لا يستحقون الرثاء أو التأسف على رحيلهم، هذا ما يستحقه ضحاياهم الكثر. هل كانت تصفية قاسم سليماني قرارا حكيما؟ كيفية تعامل الرئيس ترامب وإدارته مع تداعيات تصفيته، بما في ذلك ردود الفعل على التصعيد الأميركي، سوف تجيب بوضوح أكثر على هذا السؤال.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.