في الثامن من يناير، ألقى المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي خطابه العلني الأول منذ قيام الولايات المتحدة بقتل قاسم سليماني والضربة الصاروخية الإيرانية اللاحقة على القواعد العراقية التي تضم قوات أميركية.

وفي إطار الكلمة التي تطرّقت إلى التضامن الإقليمي بوجه واشنطن وغير ذلك من المواضيع المهمة، أمضى خامنئي وقتا طويلا في ادعائه بأن سليماني كان رمزا لالتزام الشعب الإيراني المستمر بالثورة. وبقيامه بذلك أشار إلى أن الدعم الشعبي للنظام لا يزال هدفا جوهريا تصبو إليه القيادات الإيرانية ربما بدرجة أكبر من سعيها إلى توجيه تهديدات عسكرية إضافية أو تنفيذها.

تصوير سليماني باعتباره النموذج الثوري

في الكلمة التي ألقاها خامنئي أمام مجموعة من المواطنين في مدينة قُم ـ كما اعتاد كل عام في ذكرى التظاهرات المناهضة للشاه التي شهدتها المدينة قبل الثورة ـ وصف قائد "فيلق القدس" الراحل بمجموعة من الصيغ التفضيلية بقوله: "كان الشهيد سليماني شجاعا وحكيما وبارعا في الإدارة... ليس في ساحة المعركة فحسب بل في معترك السياسة ككل... كانت كلماته مؤثّرة ومقنعة، وقبل كل شيء صادقة. وقد استخدم شجاعته وحكمته أداة في خدمة الله، ولم يعرف النفاق بتاتا".

وعلى الرغم من إقرار المرشد الأعلى بنزعة سليماني "المغامرة"، إلا أنه جادل بأن القائد السابق لـ "فيلق القدس" كان في الوقت نفسه "حريصا على حماية الناس من حوله وجنوده وزملائه الأجانب".

لم يوجّه خطاب خامنئي في الثامن من يناير أي تهديد واضح للحكومات الأجنبية

وتابع خامنئي واصفا سليماني بالرجل "الثوري" الملتزم التزاما صارما بالقواعد الدينية: على سبيل المثال، قال إنه "كان يمتنع عن استخدام الأسلحة حيثما كان استخدامها محظورا".

وتحدّث على نطاق أوسع مشيدا "بتفانيه للثورة بدون أنانية" و"اعتباره المبادئ والممارسات الثورية خطا أحمر" كما وبتنزّهه عن الانتماءات الحزبية أو الفئوية. ولا بد من التنبّه إلى ما يقصده خامنئي حين يلقّب شخصاً ما بـ "الثوري" ـ بإشادته على وجه التحديد بولائه الأعمى لرغبة المرشد الأعلى وأوامره. وبنظره أن كل الذين يصفون أنفسهم بالثوريين دون إظهار التفاني اللازم له [كمرشد أعلى] (أي ممثل الله على الأرض) هم مخادعون يجب فضح أمرهم.

فضلا عن ذلك، أشاد خامنئي بدور سليماني في دعم أهداف النظام في الشرق الأوسط حين قال: "أنا اليوم أنحني إجلالا لما بادر به ونفّذه لمصلحة هذه الدولة وحتى المنطقة. إنه لإنجاز عظيم. لقد كان عمله لا يضاهى".

وتوسّعت فقراتٌ أخرى من الخطاب حول هذا الموضوع جاء فيها: "تمكّن، من خلال مساعدة شعوب المنطقة وضمان مساندتهم، من إحباط جميع المخططات الأميركية غير المشروعة" في بلدان مثل العراق وفلسطين وسوريا.

وأشاد خامنئي بشكل خاص بالتأثير الذي تركه سليماني على لبنان: "لقد ازداد "حزب الله" قوة والحمد لله، ليصبح اليوم عين لبنان ويده. وشهيدنا العزيز لعب دورا مميزا ومذهلا في هذا الأمر".

أشاد خامنئي بدور سليماني في دعم أهداف النظام في الشرق الأوسط

ولكن محور اهتمام المرشد الأعلى بقي محليا. فإلى جانب الثناء على مهارات سليماني الثورية، لفت إلى أن مقتله كان "بركة" نوعا ما لأنه أثار الصفات نفسها لدى الشعب الإيراني: "لقد صوّر بعض الناس الثورة على أنها ميتة في إيران... ولكن استشهاده أثبت أن الثورة حيّة. هل رأيتم ماذا حدث في طهران؟ وفي مدن أخرى؟" والمقصود بهذه الأسئلة مراسم التشييع المذهلة التي أقيمت لسليماني في الأيام الأخيرة، علما بأن بعضها احتدّ لدرجة أسفرت عن مقتل عشرات المشيّعين بسبب التدافع.

ثم انتقل خامنئي إلى اتهام "العدو" بتصنيف سليماني بالإرهابي: "الأميركيون غير العادلين، الأميركيون الكاذبون، الأميركيون السخفاء، الذين لا قيمة لكلماتهم... اصفعيهم أيتها الأمة الإيرانية!".

رد الفعل على الهجوم الأميركي

ناقشت كلمة خامنئي في بعض أجزائها طبيعة التدابير التي اتخذتها إيران بعد اغتيال سليماني والغرض منها. فقال متفاخرا: "في الليلة الماضية وجّهنا لهم صفعة على وجوههم" متحدثا عن الهجوم الذي شنّته إيران بالصواريخ الباليستية على منشآت أميركية في العراق.

ولكن الهدف الأكبر برأيه، والمتمثل بإنهاء "الوجود الأميركي المُفسد"، هو أمر بالغ الأهمية: "لقد جلبوا الحروب إلى هذه المنطقة والخلافات والفتن والدمار... ويصرّون على فعل الأمر نفسه لدولتنا العزيزة إيران ولجمهوريتنا أيضا. إن مسألة 'التفاوض' و 'الجلوس إلى الطاولة' وما إلى ذلك هي مجرد تمهيد للتدخل".

ولكن بخلاف اللغة العدائية التي استخدمها مؤخرا في خطابات أخرى، لم يوجّه خطاب خامنئي في الثامن من يناير أي تهديد واضح للحكومات الأجنبية ـ ليس فقط للولايات المتحدة، بل لخصوم إيران في المنطقة أيضا.

والواقع أنه ألمح بسلاسة إلى أنه لا يَعْتبِر أيا من الدول الملكية العربية عدوة لطهران على الرغم من كل الحقد بين الطرفين: "يجب أن نعرف العدو، وبوسعي أن أجزم أن العدو هو أميركا والنظام الصهيوني"، وشمل في هذه الفئة الأطراف الحكومية والشركات الخاصة، فجمعها معا تحت صفة "الناهبين والطغاة وأشباههم في العالم".

ثم قدّم مزيجا أكثر وضوحا جمع ما بين السلام والتهديد: "نحن لا نعتبر القوى الإقليمية أو الخارجية التي أبدت أحيانا تعليقات ضدنا عدوة لنا. هي ليست عدوة طالما لا تخدم عدونا الحقيقي ضدنا في ممارساتها".

ومن المرجح أن المقصود بهذا الخطاب هو ترك انطباع متضارب لدى الزعماء الآخرين في الشرق الأوسط، بطمأنتهم من جهة بأن طهران ليس لديها نية لزعزعة الاستقرار في بلدانهم أو الإضرار بمصالحهم، وتحذيرهم من جهة أخرى من مساعدة أميركا أو إسرائيل في تنفيذ خطط تهدف إلى إلحاق الأذى بإيران ـ وهذه صياغة واسعة النطاق يمكن أن تغطي كل شيء من العمليات العسكرية إلى العقوبات المالية.

التأكيد على الشرعية المحلية

كان الغرض أيضا من أنشودة التسبيح التي ألقاها خامنئي وتناولت الفوائد الفريدة لحياة سليماني وموته هو تذكير المستمعين بالرابطة القوية المفترضة بين الجمهورية الإسلامية وشعبها.

وإذ أشار إلى التاريخ العاصف لثورة 1979 والسنوات اللاحقة، أعلن أن إيران قادرة على التغلب على خصومها ليس بسبب القوة العسكرية، بل من خلال "الأيدي الفارغة" والقلوب المليئة بالإيمان بالله.

ورغم أن إيران قوية عسكريا في الوقت الحالي، إلا أنه جادل بأن أفضل طريقة للاستمرار بالتصدي لخصومها هي باعتماد الشعب على إيمانه وتصميمه: "إن بث الشك في نفوس الشعب هو ما يسعى إليه العدو، وإذا حدث ذلك فقد يؤثّر على قدرات إيران الهجومية وحتى الدفاعية".

أشاد خامنئي بشكل خاص بالتأثير الذي تركه سليماني على لبنان

وكمثال على ادعائه بأن العدو يعمل باستمرار على إضعاف إيران عبر المؤامرات السياسية والاقتصادية، أشار خامنئي إلى احتجاجات البنزين في نوفمبر الماضي قائلا: "في دولة أوروبية صغيرة بل خبيثة وبائسة جدا، اجتمع عنصر أميركي مع مجموعة من المرتزقة والخونة الإيرانيين للتآمر على الجمهورية الإسلامية، وتم تنفيذ مخططهم بعد بضعة أيام حول قضية البنزين". (ربما كان البلد الذي أهانه هو جمهورية التشيك، التي تستضيف "راديو فاردا" الذي تموله الولايات المتحدة؛ أما بالنسبة للمسؤولين الأميركيين الذين يجتمعون مع شخصيات من المعارضة الإيرانية، فهذه مسألة تتعلق بالسجل العام، رغم ميل خامنئي إلى استخدام مثل هذه الاتصالات كوقود لنظريات المؤامرة بعيدة المدى).

باختصار، عزا خامنئي مجددا "الانتصارات" التي حققتها إيران في السنوات الأربعين الأخيرة إلى القوّة الروحية التي تتمتع بها النخبة الحاكمة و[الشعب] المحكوم الوفي، في حين أنحى باللائمة على جميع الاحتجاجات ومشاعر الاستياء من النظام على أطراف شريرة في الخارج.

وفي الوقت نفسه، سعى إلى إلقاء كلمة من شأنها أن تعزز الآثار المسرحية لمراسم تشييع سليماني وتعيد إظهار النظام بصورة الدولة الشعبية غير الخائفة من أزمة محلية قاتلة. وفي النهاية، كان يهدف إلى إظهار تمتع النظام بدعم شعبي ليس للبقاء في السلطة فحسب، بل لمواصلة سياساته الإقليمية التي أثارت الكثير من السخط الدولي أيضا.

في رأيه، سيساعد موت سليماني على منع نشوب مثل هذه الأزمة

وتُعتبر هذه التشويهات مذهلة لأنها تبيّن أن المرشد الأعلى لا يزال يشعر بحاجة ماسة إلى تصوير نظامه على أنه يتمتع بشعبية ـ حتى في دولة استبدادية إلى حدٍّ بالغ والتي أثبتت استعدادها لقمع المعارضة بعنف حسب الضرورة. وهذا منطقي من الناحية العملية لأن الحكومة الإيرانية لا تستطيع الاعتماد إلى ما لانهاية على الإكراه الوحشي الذي يمارَس منذ نوفمبر.

ومع ذلك، فعلى الرغم من الألم الذي انتاب خامنئي بسبب خسارة سليماني، والضغوط المزعجة المترتبة عن أزمة البنزين، يبدو أن المرشد الأعلى واثقا بعدم وجود إمكانية تُذكر لمعاودة نشوب أزمة محلية عميقة في المستقبل القريب.

وفي رأيه، سيساعد موت سليماني على منع نشوب مثل هذه الأزمة، وذلك جزئيا من خلال تعزيز انقسام المعارضة غير المنظّمة التي لا قيادة لها، وعبر السماح للحكومة بتبرير الإجراءات الأمنية الداخلية الإضافية في الوقت الذي أصبح فيه شبح الحرب أكثر وضوحا بكثير في الوقت الحالي.

مهدي خلجي هو زميل "ليبيتزكي فاميلي" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.