كنديون يضيئون الشموع حدادا على ضحايا الطائرة الأوكرانية

528824 4

كوليت بهنا/

كل محاولات التفاؤل التي سادت ليلة رأس السنة، وأمنيات الشعوب المحمومة أن يحمل العام 2020 بعض الاطمئنان والهدوء، سرعان ما تبددت إثر حدث مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني ومساعديه العسكريين مطلع العام، وما تلاه من ردود فعل مرحبة أو غاضبة، أشاعت بشقيّها حالة من عدم الاستقرار والتوتر المتصاعد، انتهى ـ مبدئيا ـ بالرد العسكري الإيراني السريع على القاعدتين الأميركيتين في العراق فجر الثامن من يناير الجاري، والذي يمكن اعتباره انتقاما معنويا لحفظ الكرامة وامتصاص الغضب الشعبي لدى جموع مؤيدي الجنرال الإيراني.

في كلمته التي وجهها للأمة الأربعاء الفائت، حرص الرئيس الأميركي دونالد ترامب على استهلالها بما يطمئن الشعب الأميركي وبما يتلهف لسماعه أولا وقبل كل شيء، وهو عدم مقتل أو إصابة أي أميركي في الهجوم على القاعدتين، جازما بحزم عدم صحة الخبر الذي أشاعه الإيرانيون وتناقلته بعض وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية حول مقتل ثمانين جنديا أميركيا في الهجوم.

في منطق الإنسانية العام، الأرواح أمانات، ومهمة الدول الحفاظ على أمن وسلامة هذه الأرواح

قبله بثلاثة أيام، حرص زعيم "حزب الله" في لبنان حسن نصر الله في خطابه المتعلق بمقتل سليماني على "طمأنة" الشعب الأميركي بأن الانتقام سيستهدف الوجود العسكري من قواعد وبوارج وجنود وضباط، لكنه لن يطال المدنيين الأميركيين.

التسريبات الإعلامية التي تتحدث مرة بلسان الحرس الثوري أو بعض المصادر الايرانية، ما زالت تتوالى حتى اليوم، وتشير جميعها إلى تجنب قتل الجنود الأميركيين، بما يؤكد معنوية الضربة وإمكانيات تهدئة نسبية قادمة لاحتواء الأزمة تعمل عليها عدد من القنوات الدبلوماسية الإقليمية والدولية.

يمكن تلخيص ما تقدم، بأن كل من يقاتل أميركا يدرك مسبقا، ويضع في حساباته جيدا، أن أية خسائر بشرية لدى الجانب الأميركي، تعني الرد المزلزل من قبلها، وعدم التهاون أو التردد في هذا الرد، وأن لا فرق بين مقتل مدني أو عسكري أميركي في حساباتها، وهو ما أوضحه الرئيس ترامب حول استعداده لمهاجمة المنشآت الإيرانية لو كان هناك ضحية أميركية واحدة.

فهل الخسارة البشرية الأميركية أكثر هولا من الخسائر البشرية الأخرى لدى باقي الشعوب؟ وهل قيمة الفرد الأميركي أكبر من قيمة أي إنسان على هذه الأرض؟

في منطق الإنسانية العام، الأرواح أمانات، ومهمة الدول الحفاظ على أمن وسلامة هذه الأرواح وصونها وحمايتها، وأمام هذه المسؤولية الاخلاقية السامية، يظهر التباين الشاسع بين دول مثل أميركا، تدرك قيمة مواطنيها، وتجبر الآخرين على إدراك هذه القيمة وتقديرها وعدم العبث معها، والدفاع عنها بكافة السبل حال إيذائها أو التعرض لها، وأخرى تستهتر بمقتل أفراد شعبها، عبر قتلهم بيديها، أو زجهم في حروب غير متكافئة، أو أدلجتهم وغسل أدمغتهم برؤى هدامة وظلامية ومتخلفة ثم دفعهم للمخاطر والتخلي عنهم، أو عدم الاكتراث بقيمتهم وإهمالهم صحيا ومعنويا ووجوديا، واحتقارهم والتعامل معهم كأرقام، لا كمواطنين وحيوات.

في هذه البلاد المنكوبة كلما جربت شعوبها النهوض لتغيير أقدارها وُئدت محاولاتها في مهدها

في ظل الأحداث الأخيرة في المنطقة، زهقت في الأيام العشرة المنصرمة من هذا العام أرواح بالمئات، بعضها كان من نصيب الإيرانيين إثر التدافع خلال تشييع قاسم سليماني، وأخرى ضحايا سقوط الطائرة الأوكرانية المنكوبة في إيران، من دون إغفال استمرار استنزاف الدم السوري وسقوط عشرات القتلى من المدنيين والعسكريين كل يوم، واستمرار حوادث الموت المؤسفة التي يتعرض لها باستمرار بعض اللاجئين السوريين في لبنان لأسباب عنصرية أو أسباب أخرى، والعشرات من ضحايا التعذيب والاعتقال والعنف الممنهج الممارس والمستمر في أكثر من مكان ضد المتظاهرين والمحتجين في العراق والمدن الايرانية، إضافة إلى العشرات ممن قضوا نتيجة الذبحات القلبية والقهر اليومي الذي يواجهونه مع غلاء المعيشة وانعدام الخدمات الصحية والرئيسة وانسداد الآفاق وضياع مدخراتهم كما في لبنان.

باستثناء بعض الجنسيات على الطائرة الأوكرانية المنكوبة، والذين سيحظون باحترام موتهم والتأسف عليهم بما يليق بهم، لن يعوض أحد الأرواح الأخرى ممن ماتوا في الظل، ولن يخشى أحد من عواقب موتهم أو يرتعد من انعكاسات خسارتهم، سيبقون في الهوامش، وسيتم نسيانهم بعد أيام كما تم نسيان المئات الذين يموتون أو يقتلون كل يوم هنا وهناك، من دون أية قيمة لمعنى الحياة في هذه البلاد المنكوبة، التي كلما جربت شعوبها النهوض لتغيير أقدارها، ومنح حيوات أبنائها قيمة ومعنى، وُئدت محاولاتها في مهدها، ليظلوا أرقاما خلبية، لا تدخل في الحسابات ولا تغير المعادلات.

اقرأ للكاتبة أيضا: العِلم في خدمة السلام

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

شعوب الظل EFAD3069-3433-454D-8219-2C7AA009FC48.jpg AFP شعوب-الظل كنديون يضيئون الشموع حدادا على ضحايا الطائرة الأوكرانية 2020-01-11 00:44:35 1 2020-01-10 18:54:44 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟