افتتح العام بقتل الولايات المتحدة قائد قوة "القدس" في "الحرس الثوري الإيراني" اللواء قاسم سليماني في بغداد. وهو الرجل الثاني في إيران بعد المرشد وكان مرشحه لخلافة روحاني. هي لحظة مراجعة لسلوك طهران، التي تفاخر أنها تحتل أربع عواصم عربية من صنعاء إلى بغداد مرورا بدمشق وحتى بيروت، تجاه المنطقة.

مما لا شك فيه أن نفوذ إيران واضح المعالم في هذه العواصم الأربع. والملاحظ أنه كلما ازداد هذا النفوذ ترسخا كلما تراجعت تلك البلدان على جميع الصعد. فاقتصاداتها تنهار وأحوال شعوبها تتدهور، وتفتقد إلى أبسط مقومات العيش.

انتقل العراق من بلد غني ومتطور إلى بلد غارق في الفقر والفساد، عاجز عن تأمين أقل الحاجيات التي صار يستورد معظمها من إيران بمليارات الدولارات. اليمن تحول من بلد فقير، لكن مستقر، إلى بلد يعاني المجاعة والأمراض الوبائية.

أما في سوريا فكان ثمن الإصرار على إبقاء الأسد في السلطة بالقوة والعنف، مقتل مئات آلاف السوريين، وتشريد نصف الشعب وتهديم سوريا ومدنها التي يعد بعضها من أعرق المدن التاريخية؛ كل هذا من دون أفق للحل.

سليماني، الذي أراد أن يشيد إمبراطورية فارسية، يتمتع بصفات الديكتاتوريين الكبار

قد يحاجج البعض ويشير إلى مسؤولية أميركا في بغداد، والسعودية في اليمن، وروسيا وغيرها في سوريا. لكن ماذا عن لبنان الذي بدأ تدهوره مع تصاعد نفوذ "حزب الله" ووضع يده على الدولة؟

ألم ينتقل لبنان من نمو اقتصادي بلغ 8 في المئة في العام 2011، تاريخ الانقلاب على حكومة الحريري الذي قام به الحزب وحلفاؤه، كي يصبح ثاني أكبر بلد مفلس في العالم وفي طليعة مؤشرات الفساد! فيما يعاني شبابه من البطالة مع عجزه عن صيانة البنى التحتية أو تأمين الكهرباء أو إيجاد حل لمشكلة النفايات. كذلك، يغرق الناس في الطرقات في الشتاء ومع ذلك يعاني من نقص في المياه.

ناهيك عن الوضع في إيران نفسها التي تشترك مع الدول التي تهيمن عليها بالفقر والبطالة والفساد، بالرغم من ثرواتها الضخمة التي تهدر في حروبها على أرض الآخرين. الأمر الذي أدى إلى ثورة شعوب العراق ولبنان وإيران نفسها. صحيح أن إيران قمعت ثورة الشعب الإيراني بشراسة ووحشية؛ لكن التقديرات تشير إلى اشتعال الجمر تحت الرماد.

ألم يكن ممكنا أن يختلف الأمر فيما لو أن إيران تصرفت بشكل مغاير بعد عقدها الاتفاق النووي مع الدول الغربية الست برعاية أوباما وعنايته؟! واستغلت بشكل مختلف رفع العقوبات وإعادة الأموال المجمدة (مليارات من الدولارات)، ما جعلها تحقق 12 في المئة من النمو في اقتصادها حينها! فتلتفت إلى داخلها وتعمل على رفاهية شعبها وتحسين ظروفه؟ ألم تقم الثورة الإسلامية لهذا السبب؟

بالمقابل، ماذا فعلت إيران بقيادة خامنئي وبطلها الأسطوري سليماني؟ أطلقت مشروعها الإمبريالي العدواني فزادت هجمتها وتوسعت في الإقليم ناشرة العنف والدمار أينما حلت.

يصف توماس فريدمان في مقالته المعنونة بـ "ترامب يقتل أكثر شخصية إيرانية مبالغ بتقديرها"! في نيويورك تايمز، يصف قاسم سليماني بالغباء وبأنه أكثر من تمت المبالغة بأهميته الاستراتيجية في الشرق الأوسط نظرا لحساباته الخاطئة. ويضيف أنه لو كان لإيران صحافة حرة وبرلمان حقيقي، لتم عزل سليماني لسوء إدارته الفاضح.

فمما لا شك فيه أن من نتائج هذه السياسات استبدال غالبية المواطنين العرب عداءهم المستحكم ضد إسرائيل وعدوانيتها إلى عداء ضد إيران؛ أو على الأقل أدى إلى تقاسم العداء بينهما بالرغم من الادعاء بأن الهدف هو تحرير القدس. ما حدا بالجيل العراقي الشاب أن يهتف "إيران برا برا" ويحرق عددا من مركز تواجدها. وأن يحملها قسم كبير من اللبنانيين، عبر "حزب الله" الذي استنفد رصيده المقاوم بالنسبة لهم ولغالبية العرب، مسؤولية ما آلت إليه الأمور.

سليماني، البطل الأسطوري الإيراني، الذي أراد أن يشيد إمبراطورية فارسية على ملايين القبور وملايين المهمشين المقموعين في طول المنطقة وعرضها، يتمتع بصفات الديكتاتوريين الكبار. فسليماني الفولاذي مع الأعداء، كان رقيقا مع الضحايا الإيرانيين "ولديه تعلّق شديد بالجنود الشهداء، وكان غالبا ما يزور عائلاتهم"؛ وفي مقابلة مع وسائل إعلام إيرانية قال "عندما أشاهد أطفال الشهداء، أرغب في أن أشم رائحتهم ولا أعود كما أنا". ويجهش بالبكاء عند تأبين رفاقه.

جاء هذا في التحقيق المطول الذي نشرته مجلة "نيويوركر" الأميركية في 26 سبتمبر 2013 الذي أجراه الصحافي ديكستر فيلكنز عن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري.

جاء فيه أيضا أن إيران لزمها ثلاثة عقود لبناء النفوذ الشيعي الممتد من العراق مرورا بسوريا وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط، بواسطة حلفائها في سوريا ولبنان؛ وهو النفوذ الذي يعرف بمحور المقاومة المحتشد ضد القوى السنية المسيطرة على المنطقة مع الغرب. وهذا المحور كان تحت قيادة سليماني، الذي خاض صراعا لا هوادة فيه حتى لو كان الثمن صراعا مذهبيا يلفّ المنطقة لسنوات.

استخلصت إيران من حربها مع صدام حسين، وبنت استراتيجيتها تجاه العالم العربي على أساسهما، درسين. الدرس الأول هو أنها كانت محاطة بالأعداء القريبين والبعيدين وعليها نقل الحرب إلى أرضهم لتدافع عن نفسها. والدرس الثاني الذي تعلمه الإيرانيون هو عدم جدوى خوض المواجهات المباشرة.

لم تعد حيلة استخدام العنف عبر تقسيمه إلى عنف شرعي وعنف غير شرعي قابلة للاستغلال

وفي ظل هاتين المسلمتين عملت إيران كي تبسط هيمنتها باتباع سياستها التقليدية عن طريق حكم الشعوب بالواسطة؛ فهي تنشئ الجيوش الموازية، أو الميليشيات بتعابير الحاضر، من مجندي الشعوب المغلوبة وتسيطر على الحكومات بعد أن تنصب أتباعا لها بينما تقودهم في الخفاء وتحارب بواسطتهم، أو بالأحرى يحاربون بالوكالة عنها. لذلك نجد أن نصرالله مستعد للانتحار دفاعا عن إيران عبر تهديده بإعادة الجنود الأميركيين في توابيت، بينما تبلغ إيران موعد ضربها للقاعدتين العراقيتين حيث يتواجد الأميركيون مع احتمال اكتفائها بذلك.

لا شك أننا على أعتاب مرحلة جديدة بحيث لم يعد ممكنا الاستمرار في سياسة دعم حكومات من الطغاة غير الملزمين بتقديم أي حساب لأي أحد عما تمارسه. تطلق حنة أرندت على هذا النوع من الحكم "حكم اللاأحد"، المعتبر وبكل وضوح الأكثر طغيانا، طالما أن ليس ثمة أي شخص يبقى ليُسأل الحساب حول ما أنجز. إن هذه الوضعية، التي تجعل من المستحيل تحديد المسؤولية، وتعريف العدو؛ جعلت شعوب المنطقة تعلن رفضها لاستمرارها.

كما لم تعد حيلة استخدام العنف عبر تقسيمه إلى عنف شرعي وعنف غير شرعي قابلة للاستغلال. فعلى ما تكتب باربرا ريتمر في كتابها "الأنماط الثقافية للعنف"، هناك تعارض بين الحق الاجتماعي ـ الذي يقره القانون والمكانة أو العادة أو القبول الاجتماعي ـ وبين التبرير الأخلاقي ـ الذي يقره الاحتكام إلى التعاليم الدينية والمبادئ والحجج الأخلاقية، أو الأحكام الأخلاقية الإرادية. إذ يمكن للشخص في موقع سلطة قانونية أن يقوم بفعل شرعي لكن غير أخلاقي؛ بالمقابل يمكن أن يقوم عضو مبدئي من مجموعة اجتماعية محسوبة شريرة بعمل غير شرعي، ولكنه أخلاقي.

فهل تقلع إيران عن سياسة "الجنون" المدروس التي تتبعها وتعود دولة طبيعية كسائر الدول تهتم برفاه شعبها وحقوقه؟ علّ "حزب الله"، بدوره، يعود إلى رشده!

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.