529171 4

هشام ملحم/

عشرة أيام هزت الشرق الأوسط، في الشهر الأول من السنة الأولى في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

غارة أميركية صباح الثالث من الشهر الجاري قضت على قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني في بغداد، والذي كان يعتبر الشخصية الأمنية الأهم في إيران، وقضت أيضا على أبو مهدي المهندس، أحد أعمدة الهيمنة الإيرانية في العراق.

يوم الأربعاء ردت إيران بقصف صاروخي ضد قاعدتين عراقيتين تتواجد فيهما قوات أميركية، ولكنه كان قصفا سياسيا مصمما لإنقاذ وجه إيران، وليس لسفك الدم الأميركي، في أول تراجع إيراني في وجه الردع الأميركي منذ الغزو الأميركي للعراق في 2003.

فور انتهاء القصف قال وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف "نحن لا نسعى للتصعيد أو الحرب"، وعقب ذلك رسالة إيرانية بنفس المضمون للولايات المتحدة عبر سويسرا التي تمثل مصالح الولايات المتحدة في إيران.

وفي اليوم ذاته، وخلال الساعات المتوترة التي عقبت القصف الصاروخي، ألحقت إيران المرتبكة بنفسها كارثة غير مقصودة حين أطلقت دفاعاتها الجوية صواريخ مضادة للطائرات اعتقادا منها أنها تصطاد طائرات أميركية وهمية، وأسقطت طائرة ركاب أوكرانية بعد دقائق من إقلاعها من مطار طهران الدولي قتل فيها 176 شخصا معظمهم إيرانيون أو من المولودين في إيران بمن فيهم عشرات المواطنين الكنديين.

تظهر التظاهرات شجاعة المواطنين الإيرانيين في التصدي لنظام لا يتورع عن اللجوء للعنف السافر

خلال التهديدات والتهديدات المضادة التي تبادلها الطرفان، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقصف أهداف إيرانية محورية لإيران بما في ذلك أهداف ثقافية في إشارة ضمنية إلى احتمال قصف مواقع أثرية تعتبر معالم هامة في تاريخ إيران. أثار هذا التهديد استنكارا قويا داخل وخارج الولايات المتحدة لأنه يتعارض مع التاريخ العسكري الأميركي ولأنه يمثل انتهاكا للقانون الدولي. المسؤولون في وزارة الدفاع أوضحوا أنهم لا يتوقعون مثل هذه الأوامر وأكدوا التزامهم بالقوانين الدولية.

في الأيام التي تلت القصف الصاروخي وتدمير الطائرة الأوكرانية، بلغ تضليل وكذب وتلفيق المسؤولين الإيرانيين السافر حدا غير مسبوق حتى بالمقاييس المتدنية للجمهورية الإسلامية منذ أكثر من أربعين سنة.

المرشد علي خامنئي ادعى أن القصف هو صفعة ضد الولايات المتحدة وأنها غير كافية، وأن إيران ستواصل العمل على طرد الولايات المتحدة وقواتها من الشرق الأوسط، في الوقت الذي ادعت فيه الماكينة الإعلامية الإيرانية أن القصف أدى إلى وقوع عدد كبير من القتلى والجرحى، وهو ادعاء لا أساس له.

وعلى مدى ثلاثة أيام كاملة، نفى المسؤولون الإيرانيون تأكيدات الخبراء في شؤون الطيران، وتقارير الاستخبارات الأميركية والكندية وصور الأقمار الاصطناعية، والصور والفيديوهات التي التقطها إيرانيون بهواتفهم المحمولة، والتي تظهر إطلاق الصواريخ وانفجار الطائرة في الجو، وادعوا أن استهداف الطائرة بصاروخ هو أمر مستحيل، وأن الطائرة تحطمت نتيجة خلل تقني.

وفي اليوم الرابع، بعد الكارثة أدرك المسؤولون الإيرانيون أن كذبهم قد ارتد عليهم، وألحق بهم أضرارا دولية لا يمكنهم تحمل تبعاتها خلال هذه المرحلة الحرجة والخطيرة، واضطروا بعدها للاعتراف بأن الطائرة تحطمت جراء صاروخ أطلق بالخطأ.

يمكن القول إن ما حدث بعد ذلك في شوارع وجامعات وساحات طهران وغيرها من المدن الإيرانية فاق بكثير أهمية قتل قاسم سليماني واقتراب الولايات المتحدة وإيران من حافة الحرب، في نزاعهما المستمر منذ الثورة الإسلامية في 1979.

عشرات الآلاف من الإيرانيين، ومعظمهم من الشابات والشباب من الطلاب والأكاديميين والفنانين والمثقفين وغيرهم من المواطنين الإيرانيين العاديين انتفضوا من جديد وهتفوا منددين بكذب وتضليل كبار المسؤولين، وطالبوا باستقالة المرشد علي خامنئي وغيره من المسؤولين البارزين لتسببهم ليس فقط بكارثة وطنية، بل بالتغطية الرخيصة عليها.

القمع الذي واجهته، أو يتوقع أن تواجهه، هذه التظاهرات أظهر من جديد شجاعة المواطنين الإيرانيين في التصدي لنظام لا يتورع عادة عن اللجوء السريع والتلقائي للعنف السافر لحماية نفسه. أن يطالب المتظاهرون الإيرانيون علنا وفي وضح النهار باستقالة علي خامنئي، وخاصة بعد التطورات السياسية والميدانية التي حدثت خلال هذه الأيام العشرة التي هزت إيران والشرق الأوسط، هو تحول نوعي في الأزمة التي يعيشها النظام الإسلامي في إيران.

وإذا لم تكن التظاهرات في إيران كافية لإحراج وكشف إفلاس النظام الإسلامي في طهران وما يسمى بمحور الممانعة الذي لعب قاسم سليماني دورا أساسيا في بنائه في العراق وسوريا ولبنان واليمن، اندلعت التظاهرات في العراق ولبنان مجددا.

رفض المتظاهرون في العراق تحويل بلدهم إلى مسرح اقتتال بين الولايات المتحدة وإيران، ورفض الكثيرون منهم دعوات وكلاء وعملاء إيران في العراق لانسحاب القوات الأميركية من العراق.

ما يواجهه النظام في إيران ومحور الممانعة التابع له، هو أسوأ أزمة يواجهها هذا المحور منذ ولادته

في لبنان، التظاهرات، التي بدأت لأسباب اقتصادية ولمكافحة الفساد، تركزت لاحقا ضد محور الممانعة الذي يمثل "حزب الله" الذي تموله وتسلحه إيران وحليفه، ما يسمى بالتيار الوطني الحر، الذي يعتبر العقبة الأساسية أمام التغيير في لبنان، على الرغم من أن الطبقة السياسية اللبنانية بمجملها فاسدة ومعادية للقيم والمؤسسات الديمقراطية الحقيقية.

ولكن وحده "حزب الله"، الذي يملك السلاح والتنظيم العسكري، وأثبت في السابق، كما في الأسابيع الأخيرة استعداده وجهوزيته لاستخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين.

ما يواجهه النظام الإسلامي في إيران ومحور الممانعة التابع له، هو أسوأ أزمة يواجهها هذا المحور منذ ولادته، ويمكن أن يزعزع أسس هذا المحور، إذا استمرت الانتفاضات في إيران العراق ولبنان، وإذا لم يحدث تدخل خارجي متسرع أو متهور يمكن أن يخدم، من دون قصد، النظام في طهران.

استعادة صدقية الردع الأميركي

هناك أسئلة شرعية عديدة تطرح في الولايات المتحدة والعالم، حول ما إذا كان لدى إدارة الرئيس ترامب الخطط السياسية والأمنية للرد على مضاعفات القضاء على قاسم سليماني، أو إذا كانت تملك بالفعل الأدلة التي تثبت أن سليماني كان يخطط لهجمات "وشيكة" ضد أهداف ديبلوماسية وعسكرية أميركية بما في ذلك مهاجمة 4 سفارات أميركية في المنطقة، وهي تهمة لم يذكرها المسؤولون لقيادات الحزبين في الكونغرس، والتي قال وزير الدفاع مارك إسبر أنه لا يعلم بها.

ما رشح حتى الآن، هو أن التخلص من قاسم سليماني ليس جزءا من تصور استراتيجي متكامل للتعامل مع الخطر الذي يمثله النظام الإيراني ضد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط.

أن يطالب المتظاهرون الإيرانيون علنا وفي وضح النهار باستقالة علي خامنئي هو تحول نوعي في الأزمة

ولكن الانتقادات المشروعة ضد إدارة الرئيس ترامب، يجب أن لا تخفي حقيقة أن التصعيد الذي مثله قرار القضاء على قاسم سليماني، وهو تصعيد لم تتوقعه إيران على الإطلاق، يعتبر تحولا نوعيا في تعامل الولايات المتحدة مع إيران، منذ دخل الطرفان في مواجهة عسكرية فوق أراضي العراق منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي.

أخفق الرؤساء الأميركيون من ديمقراطيين وجمهوريين منذ الثورة الإسلامية في إيران، وتحديدا منذ أزمة الرهائن في 1979 في ردع إيران، أو إرغامها على دفع ثمن باهظ لانتهاكاتها.

أخفقت إدارة الرئيس جيمي كارتر في إنقاذ الرهائن في عملية عسكرية مكلفة ومحرجة. وإدارة الرئيس رونالد ريغان، أخفقت بشكل محرج في معاقبة إيران على تورطها في تفجير السفارة الأميركية، وكذلك تفجير مقر المارينز في بيروت في 1983، وقتل 241 منهم. الرئيس ريغان أمر بسحب القوات من بيروت مدعيا "إعادة انتشار" هذه القوات.

خلال عقد الثمانينيات وعقب تفجير مقر المارينز، صعّدت إيران من خلال "حزب الله" من تحديها لواشنطن عبر اختطاف رهائن أميركية في لبنان. وبدلا من معاقبة إيران ووكلائها في بيروت، مدت واشنطن يدها إلى "المعتدلين" في طهران، ودخلت معهم في مفاوضات محرجة تم بموجبها الإفراج عن الرهائن مقابل تسليم إيران أسلحة إسرائيلية لاستخدامها في حربها مع العراق، واستخدام العائدات المالية لتسليح القوات المعادية للثورة في نيكاراغوا، في ما عرف لاحقا باسم فضيحة "إيران ـ كونترا".

المواجهات العسكرية بين البحرية الأميركية والبحرية الإيرانية خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية ألحقت بإيران أضرارا بالغة، ولكن الردع الأميركي بقي محدودا. في منتصف تسعينيات القرن الماضي فجّر عملاء إيران مبنى يقيم فيه عسكريون من سلاح الجو الأميركي في مدينة الخبر في السعودية، قتل فيه 19 عسكريا أميركيا. مرة أخرى أخفقت إدارة الرئيس بيل كلينتون في معاقبة إيران عسكريا.

في السنوات التي تلت الغزو الأميركي للعراق ومع بروز المقاومة المسلحة للوجود الأميركي، لعب قاسم سليماني دورا هاما في تسليح وتدريب القوى المعادية للولايات المتحدة ما أدى إلى مقتل 600 عسكري أميركي على يد هذه الميليشيات، وفقا لإحصائيات وزارة الدفاع.

تفادت إدارة الرئيس جورج بوش الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، في الوقت الذي كانت فيه قواتها في العراق تواجه تحديات عسكرية كبيرة. مرة أخرى لم ينجح الأميركيون في إقناع إيران بجدية وصدقية الردع الأميركي. واعتبرت إيران انسحاب القوات الأميركية من العراق في 2011 انتصارا لها ولوكلائها العراقيين.

خلال المفاوضات الطويلة بين إيران والولايات المتحدة التي أوصلت إلى الاتفاق النووي الدولي في 2015، رفض الرئيس باراك أوباما التصدي عسكريا للفظاعات التي ارتكبها النظام الإيراني والميليشيات التابعة له في سوريا بحجة أنه لا يريد إغضاب النظام الإسلامي في طهران خشية أن يؤدي ذلك إلى إنسحابه من المفاوضات، وهو موقف اعترض عليه الديبلوماسيون المحترفون في إدارة الرئيس أوباما، بمن فيهم الديبلوماسي البارز وليام بيرنز الذي بدأ المفاوضات الثنائية السرية مع إيران في سلطنة عمان.

مواقف أوباما المتناقضة والمترددة تجاه نظام بشار الأسد خلال الحرب في سوريا، أقنعت طهران بأن واشنطن لن تستخدم القوة العسكرية لمعاقبة نظام الأسد، حتى بعد استخدامه السافر للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين السوريين.

لا أحد يعلم بيقين كيف ستتطور المواجهة المستمرة بين واشنطن وطهران خاصة وأن المسؤولين الإيرانيين ووكلائهم في المنطقة ومنهم حسن نصرالله قائد "حزب الله" في لبنان وقادة الميليشيات الموالية لإيران في العراق، يواصلون القول إن طريق المواجهة طويل، والثأر لقاسم سليماني لم ينته بعد.

أخفق الرؤساء الأميركيون منذ الثورة الإسلامية في إيران في ردع إيران

ولكن مما لا شك فيه أن رد إيران المباشر والمحدود جدا على مقتل قاسم سليماني وإسراع المسؤولين الإيرانيين للتأكيد لواشنطن أن ردهم المسرحي قد انتهى، يوحي أن النظام الإيراني قد ارتدع، في الوقت الراهن على الأقل.

الرأي السائد في أوساط المحللين والخبراء في الشؤون الإيرانية هو أن النظام في طهران سوف يحاول الثأر لمقتل سليماني ولمواصلة الضغوط على الأميركيين في المنطقة، ولكن من خلال عملائهم ووكلائهم.

صحيح أن إيران تدرك أن الرئيس ترامب لا يريد حربا جديدة في الشرق الأوسط، ولكنها تدرك أيضا أن وضعها الاقتصادي الكارثي، والأهم من ذلك، وجود جماهير إيرانية بالآلاف في شوارع البلاد تنادي بإسقاط النظام، وضغوط في العراق ولبنان ضد وكلاء وعملاء إيران، كلها عوامل تجعل من أي عقاب أميركي عسكري، ولو كان محدودا ومقتصرا على غارات جوية مكثفة ضد قواتها العسكرية وبنيتها التحتية الاقتصادية، سيشكل ضربة سياسية ـ عسكرية قد لا يتحملها النظام.

هذا بحد ذاته يعتبر تحولا نوعيا لصالح واشنطن في العلاقة الطويلة والمعقدة بين إيران ومحور الممانعة من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى.

اقرأ للكاتب أيضا: تداعيات قتل قاسم سليماني

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
محور الممانعة الإيراني ينكشف ويتراجع 8F3A19C5-EE9B-49B6-969E-DAE92A6AA684.jpg AFP محور-الممانعة-الإيراني-ينكشف-ويتراجع تظاهرة في طهران خلال إضاءة شموع حدادا على ضحايا الطائرة الأوكرانية 2020-01-13 14:05:15 1 2020-01-13 14:28:16 0

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.