أردنيون يتظاهرون ضد اتفاقية الغاز مع إسرائيل

لم يكن أول أيام عام 2020 عاديا في تاريخ الأردن، ولم يره الأردنيون تاريخا للاحتفاء والفرح، وإنما اعتبروه "يوما أسودا" دشن فيه خط الغاز الإسرائيلي لبلادهم.

الموقف الأردني الشعبي من اتفاقية الغاز ليس طارئا، فمنذ أن وقعت الاتفاقية عام 2016 وحتى مباشرة ضخ الغاز، والشعار المرفوع الذي أصبح على ألسنة الناس "غاز العدو احتلال".

منذ توقيع الاتفاقية واصل الأردنيون جهودهم لإسقاط اتفاقية الغاز، وكشف تفاصيلها التي ظلت طي الكتمان ولم تُنشر رسميا، ورغم أن الحكومات المتعاقبة تنصلت من مسؤوليتها عن الاتفاقية، واعتبرتها اتفاقية موقعة مع شركة الكهرباء الوطنية ـ مملوكة بالكامل للحكومة الأردنية ـ؛ إلا أنها في ذات الوقت لم ترضخ لأصوات الشارع بمُطالبة شركة الكهرباء بفسخها.

بدأ الضخ التجريبي للغاز الإسرائيلي من حقل "ليفياثان" البحري الذي يعتبره نشطاء حملة "غاز العدو احتلال" مسروقا من فلسطين وهو الأمر الذي زاد الاحتقان الداخلي في الأردن، وتسبب في تعالي الأصوات المُنددة بموقف حكومة الدكتور عمر الرزاز، أول المواقف كان لحزب جبهة العمل الإسلامي الذي طالب ببيان له "بمقاضاة الحكومة ومحاكمتها بتهمة الخيانة الوطنية".

مشروع قانون منع استيراد الغاز من إسرائيل "حقل ألغام مُفخخ" في طريق الحكومة

البيان شديد اللهجة اعتبر "بدء تدشين الغاز الإسرائيلي للأردن جريمة نكراء، ورهنا للسيادة الأردنية وقطاع الطاقة بيد الاحتلال".

البرلمان الأردني في آخر دورة له قرر التصعيد مع الحكومة والدخول بمعركة "كسر عظم" حتى وإن كانت لمغازلة الشارع واستقطاب الشعبية فقط، ولهذا فإن 65 نائبا تقدموا بمقترح مشروع قانون يمنع على الحكومة استيراد الغاز من إسرائيل.

مشروع القانون المُثير للجدل سيبدأ نقاشه تحت القبة يوم الأحد المُقبل، وهذا "حقل ألغام مفخخ" في طريق الحكومة بغض النظر عن مصيره، وكيف ستتعامل الحكومة معه، ومتى ستُعيده للنقاش تحت القبة ـ وهي المسؤولة دستوريا عن إعداد القوانين حتى لو طلبتها الأغلبية البرلمانية.

لجوء البرلمان لتقديم مشرع قانون لمنع الحكومة من استيراد الغاز من إسرائيل جاء بعد أن فشل بالضغط على الحكومة لعرض الاتفاقية عليه للمصادقة، فالمحكمة الدستورية أقرت في شهر سبتمبر من العام الماضي أن الاتفاقية لا تتطلب موافقة مجلس الأمة؛ لأنها مُبرمة من شركة الكهرباء الوطنية وليس من الحكومة.

خيار تشريع قانون يمنع استيراد الغاز قد لا يكون أكثر "إحراجا" للحكومة بعد أن فقد البرلمان قدرته على حجب الثقة عن الحكومة سلاحه الأقوى لإجبارها على الامتثال لإرادته.

لكن هذا التشريع يُثير ملاحظات قانونية، فالمحامي ليث نصراوين يرى أن مثل هذا القانون لو أُقر يُشكل مخالفة صريحة لبنود معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل، وتحديدا البند (7) منها وينص "تلتزم الدولتين بتعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، والعمل على إنهاء المقاطعة الاقتصادية وصولا إلى علاقات اقتصادية طبيعية على كافة المستويات".

لم تتجاوب الحكومة مع كلام رئيس مجلس النواب عاطف الطراونة حين قال "اتفاقية الغاز مع العدو المُحتل مرفوضة شعبيا وبرلمانيا، وعلى الحكومة إلغاؤها"، وفي نفس الوقت لم تُقدم الحكومة الاتفاقية باعتبارها "ابنا شرعيا" لها، ولهذا لم يتردد وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة وعلى هامش عشاء خاص من القول "لو عُرضت اتفاقية الغاز على الحكومة الآن؛ لتريثت وفكرت مليون مرة قبل توقيعها".

كلام الوزير العضايلة يُفهم في سياقه السياسي أكثر من أبعاده الاقتصادية والاستراتيجية لأمن الطاقة، فسريان الاتفاقية وبدء ضخ الغاز يأتي في الوقت الذي وصلت فيه العلاقات الأردنية الإسرائيلية إلى الحضيض كما وصفتها الكاتبة الإسرائيلية سميدار بيري، وإلى "أسوأ حالاتها" كما عبر عنها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وحتى آخر لحظة فإن الأردنيين كانوا يعتقدون أن الحكومة ستتراجع عن الاتفاقية وستفسخها، فالأزمة تتصاعد بين البلدين، والأردن رفض تجديد عقد تأجير أراضي الباقورة والغُمر، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يُعلن ضم غور الأردن ويحتفي بإعلان الإدارة الأميركية شرعنة المستوطنات، وكُتّاب في الصحافة الإسرائيلية يُروجون لأهمية الإطاحة بالنظام الهاشمي واستهداف الملك لتسهيل إقامة الوطن البديل للفلسطينيين في الأردن وإنجاز "الترانسفير".

على وقع هذه الحرب الباردة راجت تكهنات أن الحكومة تراجع بشكل جدي إلغاء الاتفاقية، واحتكاما لهذا المنطق يتحدث الوزير العضايلة عن أن الظروف الحالية غير ما كانت عليه حين وقعت الاتفاقية قبل سنوات، وهنا لا يعني فقط تراجع أسعار النفط، وإنما عدم ثقة الأردن بالقيادة الإسرائيلية.

في العشاء الذي ضم إعلاميين مع وزير الدولة لشؤون الاعلام حضر مدير شركة الكهرباء الوطنية أمجد الرواشدة فقدم شروحات عن الأسباب التي دفعت الأردن لخيار توقيع اتفاقية الغاز، ويُفهم من كلام الرواشدة أنه خيار أُكرهت عليه ولم تذهب إليه طوعا، وجاء بعد أزمة انقطاع الغاز المصري في بداية الربيع العربي 2011، وتفجير خط الغاز لأكثر من 25 مرة دون أية ضمانات من الحكومة المصرية، وهو ما دفع صحفيين مشاركين بالعشاء للسؤال عن المستفيد من تفجير خط الغاز، وهل كانت إسرائيل تقف خلف من قاموا بذلك؟

الرواشدة كان يتحدث بألم بعد تزايد الاتهامات، ويكشف أن الأردن لا يمكن أن يفرّط بأمن الطاقة ومنظومة انتظامها واستقرارها التي تضاهي أفضل المعايير العالمية، ولهذا طرق كل الأبواب بحثا عن حلول متنوعة ومستدامة، وأنشأ ميناء الغاز المسال، وطرح عطاءات دولية لضمان تدفقه، مبينا أن قطر قدمت عرضا أعلى من الأسعار العالمية، والجزائر لم تبدِ اهتماما بالعطاء، وكانت شركة شل هي الأفضل.

تنويع خيارات الطاقة حسب حديث الرواشدة أجبر شركة الكهرباء الوطنية لتوقيع اتفاقية الغاز الإسرائيلي مع شركة نوبل إنيرجي باعتبارها "حلا دائما" يضمن تدفق الغاز الطبيعي وهو الأفضل لمحطات توليد الكهرباء وفق أسعار منافسة ومقبولة مقارنة مع أسعار الغاز المسال المرتبط بأسعار برنت العالمية، وبذات الوقت يشير إلى مباشرة الحكومة خطوات جدية لاستخراج النفط من الصخر الزيتي والاهتمام بالطاقة المتجددة.

مهما قدمت الحكومة من روايات واقعية لأسباب توقيعها اتفاقية الغاز فإن الأردنيين لن يرحبوا بها ولن يتفهموها، فهم لن يتقبلوا فكرة رهن أمنهم "وتسليم رقابهم" للإسرائيليين، وعدا عن ذلك فإن اتفاقية الغاز وسريان ضخه لن ينعكس بانخفاض سعر كلفة الكهرباء على المواطنين.

أردنيون مقتنعون أن بلادهم وقع تحت مطرقة الابتزاز الأميركي الإسرائيلي في اتفاقية الطاقة، ويعيدون ترويج اتهامات وشبهات طالت وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري باستخدامه نفوذه في الضغط لتمرير الاتفاقية.

أردنيون مُقتنعون أن بلادهم وقعت الاتفاقية تحت مطرقة الابتزاز الأمريكي الإسرائيلي

هذه الاتهامات تتقاطع وتُعيد إنتاج ما كشفه موقع "كالكليست" الاقتصادي الإسرائيلي التابع لصحيفة "يديعوت أحرنوت" عن ملكية كيري لأسهم في شركة نوبل أنيرجي.

سألت وزير الدولة لشؤون الإعلام ومدير شركة الكهرباء الوطنية عن هذه الاتهامات فأجابا بأنهما لم يسمعا بها.

أكثر ما يغيظ الأردنيين أن يتباهى نتانياهو أن اتفاقية الغاز تجلب الرفاه للإسرائيليين، وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن 15 مليار ستكون عائدات بيع الغاز خلال 15 عاما القادمة، ولهذا يكاد يُجن الناس، فبدلا من إسقاط نتانياهو الذي يحاكم باتهامات متعددة في بلاده، تأتي اتفاقية الغاز كطوق نجاه وتسهم في تلميع صورته بالشارع الإسرائيلي باعتباره منقذا اقتصاديا لهم.

اتفاقيه الغاز رغم المعارضة الشعبية لها أصبحت أمرا واقعا لا مفر منه في الوقت الراهن، وتقرأ على السوشيال ميديا من الحملات المطالبة بإسقاطها من يقول "الأردنيون سيدفعون 10 مليار دولار للإسرائيليين لكي يقتلونا"، وآخرون يتندرون بالقول "الأردنيون يمولون من جيوبهم الممارسات الوحشية وانتهاكات حقوق الإنسان الإسرائيلية".

ملخص القول إن الشارع الأردني يجد أن الاتفاقية "سم زعاف" يتجرعونه مجبرين بعد أن أوصدت أبوابهم لـ 25 عاما في وجه اتفاقية السلام التي لم تبصر النور شعبيا رغم توقيعها عام 1994.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.