الحرب فظيعة. لا أحد لديه عقل أو وازع ضمير يتمنى وقوع حرب في بلاده أو في أي بقعة من بقاع الدنيا، لأن الحرب تؤدي حتما إلى دمار ممتلكات وإضاعة ثروات وخسارة أرواح بشرية.

لا يقتصر ضحايا الحرب على العسكريين المتحاربين، بل كثيرا ما يكون لها ضحايا جانبية من المدنيين نتيجة القصف. خلفت الحربان العالميتان الأولى والثانية ملايين الضحايا، وأزهقتا أرواح شبان من مختلف البلدان والأعراق والأديان زج بهم في مختلف جبهات القتال بسبب نزعة عدوانية دافعها التوسع والهيمنة على مصائر شعوب أخرى واستغلال ثرواتهم، وجراء نظرة عنصرية تحاول تكريس وهم تفوق عرقٍ بشري على بقية الأعراق.

للأسف الشديد، يعلمنا التاريخ القديم والحديث بأن الحروب شر حتمي، مهما كانت آمالنا بتجنبها كبيرة. استقى المخرج سام مينديس قصة فيلمه "1917" من ذكريات جده الذي خاض الحرب العالمية الأولى، وأسهم لأول مرة في تاريخه الفني بكتابة السيناريو بالتعاون مع الكاتبة كريستي ويلسون ـ كيرنز.

يتميز فيلم "1917" الحربي بالإقناع الشديد، فهو يرفع نسبة الأدرينالين في الدم

اشتهر مينديس بإخراجه "سكاي فول"، أفضل فيلم من سلسلة جيمس بوند التي لعب بطولتها دانيال كريغ، إضافة إلى فيلم "جمال أميركي" الحائز عدة أوسكارات.

يكلف جنرال بريطاني العريفين بليك (دين ـ تشارلز تشابمان) وسكوفيلد (جورج ماكاي) بمهمة شبه مستحيلة، وهي عبور خطوط العدو لتحذير كولونيل بريطاني يهم بأن يأمر قواته بمطاردة قوات الألمان المنسحبة، لكون ذلك فخا سيؤدي لمذبحة يذهب ضحيتها 1600 عسكري بريطاني، بينهم ملازم هو شقيق العريف بليك.

منذ بداية رحلتهما، تجرح يد سكوفيلد ويصادفا عددا من الجثث المتفسخة، فيتذمر معاتبا صديقه لاصطحابه له في تلك المغامرة الخطرة. يهيب بليك بصديقه أن يعود، لأنه مصمم على الاستمرار في مهمته إلى النهاية بدافع إنقاذ أخيه والجنود البريطانيين الذين ستجري إبادتهم من قبل الألمان في كمين محكم إذا لم تصل رسالة الجنرال إلى الكولونيل في الوقت المناسب.

تسقط طائرة ألمانية محترقة بالقرب من العريفين، فيبادران لإنقاذ الطيار الألماني المصاب منها قبل أن تنفجر، لكن الأسير الجريح يطعن بليك، فيرديه سكوفيلد قتيلا. يلفظ بليك أنفاسه بين يدي صديقه، فيصمم سكوفيلد هنا على أخذ المهمة على عاتقه مهما كلفه ذلك من ثمن.

عبر مخاطرات عديدة، وتعرضه لإطلاق النار من الألمان، يتمكن سكوفيلد من الوصول إلى القوات البريطانية وهي تشرع في الهجوم. يركض سكوفيلد كالمجنون عبر الخنادق وفي العراء تحت قصف القنابل وأزيز الرصاص حاملا رسالة الجنرال للكولونيل مع انطلاق الموجة الأولى خارج الخنادق.

أخيرا، يصل إلى الكولونيل وأركان حربه، لكنه يأبى قراءة الرسالة والالتزام بالأمر. يلح سكوفيلد عليه ويحرجه، كاشفا الكمين الذي أعده الألمان للقوات البريطانية، فيدفعه لقراءة الرسالة وإصدار أمره بوقف الهجوم والانسحاب بحيث تنجو قواته من الكمين.

يبحث سكوفيلد عن الملازم، شقيق رفيق دربه الشهيد، حتى يعثر عليه ويسلمه أغراض أخيه الشخصية في مشهد مؤثر.

ينتهي الفيلم بالعريف سكوفيلد جالسا ليستريح، متأملا الشمس وهي تشرق لأول مرة منذ انطلاقه في مهمته الصعبة وسط أتون حرب لا ترحم.

يظهر الألمان كالأشباح في الفيلم، مجرد عناصر عدوة يشكل قناصوها خطرا على البطلين

لا شك أنه كان ممكنا لحبكة فيلم "1917" أن تتخذ خطا مغايرا منذ مبادرة العريفين لإنقاذ الطيار الألماني الجريح من طائرته المحترقة في مشهد رائع الإخراج والتصوير. عوضا عن طعن الطيار الألماني للعريف بليك وقتل العريف سكوفيلد له، كان بالإمكان تطوير علاقة بين البريطانيين والألماني الأسير لإضافة قصة إنسانية كل الشخصيات فيها ضحايا حرب عبثية طاحنة تقدم أرواح أولئك الشبان حطبا في محرقتها. لكن ذلك كان من شأنه حرف الفيلم عن سياقه وتأليف قصة أخرى.

من ناحية أخرى، كان بالإمكان أيضا إضافة دور للمرأة في الفيلم، إذ اقتصر ظهورها الهامشي على امرأة فرنسية في مشهد يتيم مؤثر يقدم في نهايته سكوفيلد حليبا لطفلتها الجائعة. كان هذا الخط الدرامي كفيلا بتحويل مسار الفيلم إلى قصة أكثر إثارة للعواطف.

اكتفى المخرج وكاتبة السيناريو بتصوير فظائع الحرب من خلال مغامرة البطلين الشابين، وبالأخص سكوفيلد بعد المصرع العبثي لصديقه طعنا بيد الأسير الذي أنقذ حياته.

بالتالي، يظهر الألمان كالأشباح في الفيلم، مجرد عناصر عدوة يشكل قناصوها خطرا على البطلين. سعى المخرج سام مينديس، كما يبدو، للالتزام بوجهة نظر بطليه الشابين عبر ذكريات جده الراحل، دون أن يسعى لتطويرها عبر خياله الدرامي.

للوهلة الأولى، بدا فوز الفيلم الحربي "1917" بجائزة أفضل فيلم في مسابقة "غولدن غلوب" مفاجئا، خاصة مع وجود باقة أفلام قوية منافسة. كانت المفاجأة الثانية أن "الآيرلندي" لم يفز بأية جائزة بالرغم تقييمه العالي وكون مخرجه هو مارتن سكورسيزي، وأبطاله روبرت دو نيرو، آل باشينو وجو باشي، ولربما يعوض "الآيرلندي" بنيل جائزة ما في حفل الأوسكار!

لكن، منذ أن عرض فيلم "1917" في صالات السينما، وأتيح للجمهور العريض مشاهدته، لم تعد ثمة مفاجأة، فالفيلم بكل المعايير يقترب من التحفة الفنية ضمن نمط الأفلام الحربية، متفوقا على فيلم المخرج كريستوفر نولان "دنكيرك" (2018) الذي نال ثلاث جوائز أوسكار.

يبدو أن للأفلام الحربية رواجا، نذكر نماذج منها فيلم "فيوري" (2014) إخراج ديفيد آير، فيلم "بلاك هوك داون" (2001) إخراج ريدلي سكوت، فيلم "هاكسو ريدج" (2016) إخراج مل غيبسون وفيلم "رايات آبائنا" (2006) إخراج كلينت إيستوود.

كما سبق ونوهنا إلى تشابه موضوع فيلم المخرج سام مينديس "1917" مع فيلم المخرج ستيفن سبيلبرغ "إنقاذ العريف رايان". لذلك، أتوقع أنه بالرغم من تصدر فيلم "الجوكر" لترشيحات الأوسكار، وحتى إذا حدث ولم ينل فيلم "1917" أوسكار أفضل فيلم، (بسبب احتمالات منافسة غريتا غيرويغ مخرجة فيلم "نساء صغيرات" والكوري بونغ جون هو مخرج فيلم "طفيلي" والإسباني بدرو ألمودوفار مخرج فيلم "ألم ومجد"). فإنه سيفوز على الأقل بعدة أوسكارات في حفل التاسع من شباط 2020.

أرجح أن الجوائز ستتضمن جائزة أفضل إخراج، كما أتوقع أن ينال مصور الفيلم روجر ديكنز جائزة أفضل تصوير، إذ لم يضارعه فيما أنجز من قبل سوى شيموس ماغارفي في "التعويض" (2007) وإيمانويل لوبيزكي في "الرجل ـ الطائر" (2015).

صور ديكنز لقطات طويلة جدا في خنادق القتال، وسط مجموعات ضخمة من الكومبارس وعبر مسافات شاسعة مغطاة بالطين، ببراعة إعجازية. كان وقوع أي خطأ بسيط يقتضي إعادة تصوير المشهد برمته من أوله مع وجود مئات الأشخاص في أزيائهم ومكياجهم كمقاتلين أو كجرحى أو كشهداء.

اكتفى المخرج وكاتبة السيناريو بتصوير فظائع الحرب

يوجد احتمال لأن ينال المونتير لي سميث أوسكارا لقدرته على إخفاء القطعات المونتاجية بمهارة فائقة، وربما كان المؤلف الموسيقي توماس نيومان منافسا قويا أيضا في التلحين، فضلا عن ترجيحي نيل بعض تقنيي المؤثرات ومونتاج الصوت ومزجه أوسكارات أخرى.

يتميز فيلم "1917" الحربي بالإقناع الشديد، فهو يرفع نسبة الأدرينالين في الدم، يوتر أعصاب المشاهد ويجعله يتوحد مع شخصيتي بطليه الشابين في محنة الحرب الطاحنة.

جدير بالذكر، استعان المخرج القدير سام مينديس إضافة للممثلين الشابين الموهوبين اللذين أسند إليهما بطولة الفيلم بنخبة من مشاهير النجوم في أدوار ثانوية، منهم كولن فارث، مارك سترونغ، أندرو سكوت وبنيديكت كامبرباتش.

ربما صح بعد مشاهدتنا فيلم سام مينديس "1917" أن نقول: "إن المخرج صنع حربا وصورها". ليت الحروب تبقى ذكريات تاريخية مريرة نستعيدها عبر السينما فقط، بينما تتلاشى من حياة البشر على أرض الواقع!

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!