530163 4

محمد المحمود/

منذ خرج الإنسان العربي من صحرائه إلى العالم خروجَه الكبير؛ قبل أربعة عشر قرنا، وهو لا يعي علاقته بالآخرين إلا على نحو تَغَالبي/ صِرَاعي. قبل ذلك، وفي حدود جغرافيته القاسية، كانت عملية الاحتراب/ الصراع الدائم مع أخيه الإنسان، ومع الطبيعة، تمثل آلية انتخاب شبه طبيعي.

تَشكّل وعيه محاربا/ مصارعا قبل أن يخرج، ويوم خرج خروجه الكبير منتشرا في أقاليم الجوار، لم يخرج تاجرا أو مُبشّرا أو سفيرَ علاقات نفعية، وإنما خرج بسيوفه ورماحه وأقواسه ودروعه ومغافره وخيوله وجماله، خرج بـ"عُدّة محارب" مغامر، قاتلا أو مقتولا، استقبل العالم من حوله كمحارب/ كغاز/ كفاتح، مستبطنا إرادة القوة/ إرادة الهيمنة؛ كجزء أصيل من إرادة تحقيق الذات، أو ـ على نحو أدق ـ كجزء أصيل من تصوره عن كيفية تحقيق الذات.

صحيح أنه خرج مُحَمَّلا برسالة/ برؤية شمولية للعالم، بدين عظيم. لكن كان هذا البُعد الرّسالي محدودا بحيث لا يتجاوز حدود وعي "النخبة التَّقويّة" التي ستتكفل تفاعلات العقود اللاحقة بإزاحتها، بل وسيتمكن ممثلو الذهنية العربية الأصلاء من محاصرتها وتهميشها؛ لينتهي الأمر ـ في الصراع البَيْنيّ ـ إلى ما يشبه عملية التطهير/ الاستئصال للعدد المحدود من مُمَثّلي البعد الأخلاقي الإنساني.

تكاد تكون الآثار الحضارية العربية معدومة، رغم قيام إمبراطورية الغزاة على مدى قرون

ستنتصر آلة الحرب، سيسود منطق القوة، وستصنع القوة حقائقها التي ستعيد إنتاج منطقها باستمرار، وسيكون ـ حينئذٍ ـ مبدأ: الصراع/ المغالبة/ الاحتراب هو المبدأ الغالب على وعي الأجيال الشرق أوسطية عبر القرون.

هكذا تأسس الوعي العربي ـ وليس الواقع العربي فحسب ـ على أطراف الأسل، على إيقاع سنابك خيول الغزاة؛ منذ تباشير صباحه الأول. ومن هنا؛ كان لا بد أن يكون "السيف أصدق أنباء من الكتب" و"المجد للسيف ليس المجد للقلم"؛ كما نص على ذلك أكبر شاعرين في تاريخه (أبو تمام، المتنبي).

تكاد تكون الآثار الحضارية العربية معدومة، رغم قيام إمبراطورية الغزاة على مدى قرون. الآثار الرومانية تجدها ماثلة في كل بقعة سبقت إليها سنابك خيول الرومان، بينما لم يبق لنا من تاريخنا الإمبراطوري الذي امتد من غرب الصين شرقا إلى الشمال الإسباني غربا، إلا أحاديث القتل والقتال، و"صراع الخلفاء" الذين كان يفتك بعضهم ببعض كما تفعل الوحوش بفرائسها، بل ويسمل بعضُهم أعينَ بعض بأسياخ الحديد التي تتوقد نارا؛ حتى لا يكون له مطمع بالخلافة بعد أن يصبح أعمى.

وعلى أي حال، فما نقوله هنا يبقى مخاتلة معرفية؛ إذ ليس التاريخ/ تاريخنا المقدس مفتوحا لنا للبحث فيه بكامل حريتنا المعرفية، فنحن لا نزال في سياق ثقافي يُلْحق العلم بهموم الأيديولوجيا؛ ولا يسمح لهما بالانفصال.

في عالمنا العربي، الحقيقة العلمية التي تتجلى في البحث التاريخي إذا اخترقت حدود المقدس؛ تصبح مؤامرة وعدوانا يجب التصدي له بالحديد والنار، لا بالبحث والبرهان.

لكن، ما يسمح به مجال القول هنا هو التأكيد على أننا مهما تعامينا عن التاريخ/ تاريخنا؛ فالتاريخ يلاحقنا. لم نتحللّ من عقده/ رؤاه بعد. التاريخ/ تاريخ وعينا المتشكل عبر القرون، هو ما يحكم مجمل تصوراتنا في شتى المجالات. وبما أن منطق الصراع هو عصب هذا التشكل، فنحن نرى وجودنا اليوم من خلال منطق صراعي. حتى تَشَكّل الهويات العربية الحديثة ـ بما فيها الهوية الجامعة ـ قام على أساس صراعي. بل حتى التعامل مع التقدم، ومع الغرب الذي هو مصدر هذا التقدم، قام على أساس صراعي، واستمر كذلك، ولا يُراد له أن يتغيَّر بحال!

في مقاربة لافتة لتاريخ العرب الحديث، يقول الباحث اللبناني حازم صاغية: "تصرفت القوى السياسية السورية منذ جلاء الجيش الفرنسي عن البلد في 17 أبريل 1946 كمن ينتظر مشكلة كبرى تعفيه من أن يواجه مهمة بناء الدولة ـ الأمة. والمشكلة حضرت بعد عامين ممثلة في القضية الفلسطينية" (الانهيار المديد، ص120).

هكذا يبدو أن البناء الحضاري (بكل ما يشتمل عليه من إعداد إنساني ومادي متكامل، وبكل ما يتطلّبه من نفس طويل) مهارة لا يحسنها العربي/ الوعي العربي، فهو لم يَعْتَد تحمّل مسؤوليتها؛ بينما هو يُحْسِن الوقوفَ على أطلال داحس والغبراء والبسوس وصفّين والقادسية واليرموك من جديد!

والمشكلة الأكبر أن العربي ـ وهو يتعمّد خيار الصراع مع العالم صراحة أو ضمنا ـ لم يعد يعي حتى منطق الصراع الحديث الذي يختلف عن منطق الصراع القديم. رؤية الحرب الكاملة بمنطق شمولي لم يتوفّر عليها الوعي العربي المعاصر، لا يزال هذا الوعي يتوهّم إمكانية النصر دونما تقدّم كُلّي: إنساني، تقني، اقتصادي، سياسي، هذا الوعي يتوهم أن عُدّة المواجهات المسلحة (وهذه أيضا لا يملك أبجدياتها المتطورة) كافية لتحقيق النصر الذي يتخيل أنه يستحقه لمجرد أنه اعتقد ذلك.

لهذا، وطوال صراعه مع عدوه التاريخي (إسرائيل)، لم يكن النصر حليفة في أي مواجهة، فعلى جبهات المواجهة العسكرية مُنِي بالهزائم الساحقة 1948 ـ 1967 ـ 1973...إلخ الهزائم التي يحاول ـ بمغالطات بهلوانية ـ تحويل بعضها إلى نصر مجيد، وربما إلى نصر إلهي؛ عندما يُمَاهِي بين إرادته وإرادة الله!

الإسلاموي والعروبوي مُتَوحّدان رغم الاختلاف/ الصراع الظاهري

ربما لا توجد أمة تُعَبِّرُ ـ بشتّى الطرق، الصريحة وغير الصريحة ـ عن حاجتها إلى عدو؛ كما تُعَبِّرُ "الأمة العربية" عن هذا الاحتياج إلى خصم/ عدو تشتبك معه في صراع وهمي أو حقيقي.

عندما رحل الاستعمار بشقيه: التركي والغربي (وهو المشجب الذي يعلق عليه المنهزمون أسباب تخلّفهم وهزائمهم)، كان المتوقع أن تُطوى هذا الصفحة بالكامل، وتبدأ رحلة البناء الخلاّق.

لكن، ولأن المنطق الحاكم للوعي العام كان منطقا صراعيا من جهة، ومن جهة أخرى؛ ليس لديه تصور حضاري بنائي، بحيث يعرف أين يضع قدمه في خطواته الأولى، فقد وجد نفسه في موقف حَرِج، في موقف انكسار/ عجز رهيب تتعرّى فيه الذات أمام الذات.

لهذا، كان لا مفر من البحث عن خصم، عن معركة يلهو بها ـ ويُلْهِي بها ـ عن مهمة البناء. وهنا، لا شيء أفضل من أن يكون الخصم هو نفسه ذلك الذي يمتلك التصورات والآليات والمكونات الضرورية لتقيق المنجز/ البناء الحضاري، أي الغرب.

لكن، كيف يشتغل على الغرب خصما، كيف يُقِيمه عدوا في وعي الجماهير؛ وقد رحلت كل جيوشه بكل فلولها، وأمسك "الأبطال القوميون"، المناضلون ضد الاستعمار، بزمام الأمور من الألف إلى الـياء؟!

هنا ـ كما يؤكد حازم صاغية ـ جرى التمسك بالاستعمار كما لو أنه واقع راهن، وبالمستوى نفسه، جرى التمسك بالنظر إلى الغرب كعالم مسيحي لم يخض بعد غمار الإصلاحات الدينية والتنوير (الانهيار المديد، ص26).

بمعنى أن "الأبطال القوميون" من ذوي الحناجر الصاخبة، استمروا في الحديث عن الاستعمار ومؤامراته، رغم فخرهم الأجوف بأنهم قد طردوا الاستعمار وحرروا الأوطان تحريرا كاملا وشاملا. هم ـ كما زعموا ـ طردوا الاستعمار، بل وانتصروا عليه، ولكن الاستعمار ـ بزعمهم المراوغ ـ باقٍ، وهو ما يعرقل عملية البناء، ففشلهم التنموي/ الحضاري هو بسبب الاستعمار، ولكنه الاستعمار الذي لم يعد له وجود!

إذن، هم يثبتون الاستعمار وينفونه في الوقت نفسه، ينفونه؛ ليكسبوا بالتحرر منه مجد/ بطولة التحرير، هذا البطولة المُدَّعَاة التي تمنحهم شرعية الحكم المطلق بوصفهم "ضرورات تاريخية"، وهم ـ في الوقت نفسه ـ يُثْبِتون هذا الاستعمار؛ ليُبَرِّروا فشلَهم المتواصل في تحقيق أدنى مستويات التقدم الحضاري.

نحن لا نزال في سياق ثقافي يُلْحق العلم بهموم الأيديولوجيا؛ ولا يسمح لهما بالانفصال

وحيث لا توجد على أرض الواقع أية تحديات يفرضها الاستعمار/ الغرب الغائب كعدو، فلا سبيل ـ حينئذ ـ إلا بتثبيت هوية الصراع التاريخي، أي تأكيد مسيحية الغرب؛ لتأكيد فرضية أنه عدو ماثل دائما وأبدا، عدو ـ وإن اختفى ظاهريا ـ فهو يتآمر من وراء ألف حجاب وحجاب، إذ يكفي كونه مسيحيا ليكون هو ذاته الصليبي الذي قاد جحافل الغزاة منذ تسعة قرون.

إذن، وفق هذه الذهنية العربية، الجامدة على تصوراتها الصراعية، العاجزة عن رؤية التحولات/ التقدم/ المتغيرات النوعية، لا شيء يَتَغيّر في هذا العالم. هذه الذهنية أحادية البعد تقول: الأمور باقية كما هي منذ مئات السنين، وكما كان الغزاة الصليبيون يأتون ويذهبون في القديم، فكذلك الاستعمار الغربي الحديث الذي لا يعدو أن يكون ـ وفق هذا التصور ـ هو الغزو الصليبي الجديد، يذهب ليرجع، يذهب كمستعمر مباشر؛ ليرجع كمستعمر غير مباشر.

وهذا ما أكّد عليه "أبطال التحرر القومي"، أولئك الذين سيتقاذفون تُهَم الخيانة، سيُخَوِّن بعضُهم بعضا، على سبيل النفي والإقصاء ونزع المشروعية بتهمة العمالة للاستعمار، وهو أيضا ذات المنحى الاتهامي الذي ستؤكّده الإسلاموية بعد ذلك بشكل صريح، إذ ستزعم أن الاستعمار ذهب بجيوشه؛ بعد أن أبقى/ بعد أن ثبّت وكلاءه الاستعماريين الذين هم من أبناء العرب/ المسلمين.

وهنا يتضح لنا أن الإسلاموي والعروبوي مُتَوحّدان رغم الاختلاف/ الصراع الظاهري، كلاهما يصدر عن وعي واحد، عن ذات النسق الثقافي، فالإسلاموي عروبوي بحكم المقدمات الأولى التي صنعت وعيه؛ مثلما أن العروبوي إسلاموي بحكم النتائج/ الممارسات التي تتجلى في تفاصيل المسلك الأخلاقي العام (بالمفهوم الأوسع للأخلاق).

اقرأ للكاتب أيضا: ثقافة الكراهية وإرادة السلام

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
الذهنية العربية: صراع أم بناء! 21EAA307-BE18-4A10-86AA-0EA3470F6006.jpg AFP الذهنية-العربية-صراع-أم-بناء الإسلاموي والعروبوي مُتَوحّدان رغم الاختلاف/ الصراع الظاهري، كلاهما يصدر عن وعي واحد، عن ذات النسق الثقافي 2020-01-20 15:16:57 1 2020-01-20 15:38:57 0

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.