530142 4

هشام ملحم/

مشهد المواجهات العنفية المقلقة التي جعلت بيروت تشتعل يوم السبت، من المرجح أن يتكرر ويتوسع، وأن يستبدل الرصاص المطاط بالرصاص الحيّ، وأن يسيل الدم في شوارع بيروت كما سال في عواصم عربية في العقد الماضي في انتفاضات شعبية بدأت سلمية وحولتها الأنظمة القمعية إلى حركات عنفية بعد أن أغلقت الطبقات السياسية والاقتصادية المفترسة كل السبل السلمية أمام شعوبها.

أظهرت الانتفاضة اللبنانية نضجا سياسيا منذ بدايتها حين أصرّت على النضال السلمي، وعلى سلسلة مطالب إصلاحية غير تعجيزية. وكان هناك إدراك بضرورة تفادي الوقوع في كمين العنفية في دولة مثل لبنان، نظامها السياسي مفلس وهش في آن، ويوجد فيها تنظيم مسلح وقوي مثل "حزب الله" وتوابعه ومستعد لاستخدام العنف في الداخل كما فعل في السابق، ويمثل جزءا من منظومة عسكرية إقليمية يديرها نظام ثيوقراطي مستبد في إيران، سيزج لبنان في أتون نزاع أهلي قد نعلم في أي وقت يبدأ ولكن قطعا لن نعرف في أي وقت سينتهي.

المستقبل القريب للبنان داكن مثل لياليه التي يغيب عنها التيار الكهربائي، إلا إذا تم وقف الانزلاق السياسي والاقتصادي إلى هوة لا قاع لها. استخدم "حزب الله" الترهيب ولكن ليس بإفراط كبير لإفهام المتظاهرين بأن لصبره حدود وأن لديه خيارات تصعيدية عديدة.

أيها اللبنانيون أنتم لوحدكم الآن. لن يأتي المنقذ من الخليج، ولن يأتي المخلص من أوروبا أو أميركا

حذر "حزب الله" وعدم استخدامه للعنف السافر بشكل مباشر أو دفع الرئيس ميشال عون للطلب من الجيش والقوى الأمنية التصدي للتظاهرات واستعادة "هيبة" الدولة بالقوة، يعود للمأزق التاريخي الذي يعيش فيه الآن النظام الإسلامي في إيران.

بدورها، إيران المحاصرة اقتصاديا من قبل أميركا، والمعزولة سياسيا تواجه انتفاضة شعبية داخلية، كما تتعرض هيمنتها في العراق لتحد جدي، بينما يجد وكلاؤها في لبنان أنفسهم في وضع دفاعي.

ولكن مأزق "حزب الله" هذا، لا يعني أنه لن يلجأ في وقت لاحق إلى استخدام العنف ضد المتظاهرين. وكما أن النظام الإيراني غير قادر أو غير راغب بإصلاح نفسه فهذا يعني إلغاء نفسه، كذلك "حزب الله" غير قادر أو غير راغب بإصلاح نفسه إو إلغاء نفسه.

لبنان ينتفض وينكمش وينهار

بعد ثلاثة أشهر من الاحتجاجات ضد إحدى أسوأ الطبقات السياسية الحاكمة في الشرق الأوسط وأكثرها فسادا وترهلا، كشفت الانتفاضة مدى تضليل وكذب أولئك الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على حاضر لبنان ومستقبله: الادعاء السافر بأن البلد الثالث في العالم من حيث المديونية، (87 مليار دولار) قادر على التأقلم مع التحديات التي يواجهها. 

صحة القطاع المصرفي المفترضة كذبة كبيرة. ثبات علاقة الليرة بالدولار، أبرز الأوهام التي نشرها القطاع المالي. وأخيرا الخدعة الكبرى القائلة بأن لبنان دولة هامة لن يقبل العالم ـ من دول الخليج إلى أوروبا وأميركا ـ بانهيارها اقتصاديا، بسبب مكانة وأهمية لبنان في الذاكرة الجماعية الغربية، ولأن انهياره سيؤدي إلى الفوضى والعنف، وبروز طوفان بشري من اللاجئين باتجاه أوروبا، في محاولة رخيصة لابتزاز أوروبا تعلمها سياسيون لبنانيون مثل جبران باسيل، من الطاغي السوري بشار الأسد، والأوتوقراطي التركي طيب رجب إردوغان.

هذه الأكاذيب والأوهام و"الشطارة" اللبنانية اللزجة حملها وزير خارجية لبنان جبران باسيل قبل سنة بالضبط إلى ملتقى دافوس ليلقي المحاضرات على واشنطن ولندن "لنعلمهم كيف يديرون حكوماتهم دون ميزانية"، مدعيا أن لبنان قادر دائما على "التقألم" مع أي وضع، "وهناك دول لا تزال تؤمن بلبنان.. وبنموذج لبنان.. وليس من مصلحة أحد انهيار لبنان، لأن انهيار النموذج اللبناني سيؤدي إلى المزيد من الإرهاب والمزيد من التطرف والمزيد من العنف.. واقتصادنا قادر على التأقلم" مع التحديات التي يواجهها.

وحاول باسيل بفهلويته المقيتة التهرب من الإجابة على سؤال حول قرار مؤسسة Moody المالية اعتبار السندات اللبنانية بمثابة سندات غير مرغوب فيها. ويبدو أن القيمين على منتدى دافوس الاقتصادي أرادوا السخرية من اللبنانيين وانتفاضاهم الشعبية عندما قرروا هذه السنة دعوة جبران باسيل للتحدث في ندوة عوانها "عودة الاحتجاجات العربية". هذه الدعوة أثارت سخط العديد من اللبنانيين الذين لجؤوا إلى وسائل الاتصال الاجتماعي وخاصة موقع تويتر للتنديد بدعوة باسيل وحض المنتدى على سحب دعوته.

مسعفون ينقلون جريحا أصيب خلال قمع الشرطة اللبنانية لتظاهرة أمام مجلس النواب

وبينما يمارس باسيل شعوذته السياسية في دافوس، يزداد الوضع الاقتصادي في لبنان تدهورا. فقد حذر البنك الدولي أن معدل الفقر في لبنان يمكن أن يرتفع من ثلث عدد اللبنانيين إلى منتصف عددهم إذا لم تتم معالجة الأزمة الراهنة. وكل المؤشرات تبين أن قيمة الليرة مقابل الدولار (وقد تجاوزت قيمة الدولار 2000 ليرة لبنانية)، وسوف تصل خلال الأسابيع المقبلة إلى 3000 ليرة للدولار الواحد، ما يعني أن الليرة التي فقدت حوالي ستين بالمئة من قيمتها في الأشهر الأخيرة سوف تخسر معظم قيمتها الشرائية.

طبع كميات هائلة من العملة اللبنانية لن يحل المشكلة بل سيساهم في زيادة معدلات التضخم. وهذا يعني أنه حتى ولو استأنفت الحكومة أو شركات القطاع الخاص دفع رواتب موظفيها، فإن هذه الرواتب ستبدو وكأنها وهمية.

سيتحول لبنان إلى فنزويلا الشرق الأوسط، وأبشع ما في هذه الصورة هو أن معظم السياسيين اللبنانيين مستعدين للعيش في هذه "الفنزويلا" إذا ضمنوا بقاءهم في السلطة.

بينما يمارس باسيل شعوذته السياسية في دافوس، يزداد الوضع الاقتصادي في لبنان تدهورا

هذه الصورة القاتمة تصبح قاتمة أكثر حين ندرك أن لبنان لن يستطيع تسديد قروضه المستحقة خلال الأشهر القليلة المقبلة. في مطلع القرن الحادي والعشرين مرت الأرجنتين بكارثة اقتصادية بسبب ممارسات مماثلة لما حدث في لبنان، مثل ربط سعر صرف عملة البيزو بالدولار، واقتراض الحكومة من المصارف في الخارج والداخل، وهروب الاستثمارات إلى دول أخرى.

دفعت الأزمة بالحكومة الأرجنتينية إلى تحديد قيمة العملة المسموح للمواطن الأرجنتيني سحبها من حسابه، (ألف دولار في الشهر) كما هو الحال في لبنان الآن. أغضب هذا الوضع المواطنين الذين نزلوا إلى الشوارع وحرقوا وخربوا المحلات العامة والمصارف، ما أدى إلى سفك الدماء في شوارع بوينس أيريس وخاصة بعد أن فرضت الحكومة إجراءات تقشف قاسية.

لم تمنع هذه الإجراءات الأرجنتين عن التخلف عن تسديد ديونها البالغة مئة مليار دولار في 2001. صندوق النقد الدولي خلال فترة معينة لم يمانع بانهيار الاقتصاد الأرجنتيني، بعد اتخاذ الاحتياطات لمنع عدوى الأرجنتين من إصابة اقتصاديات الدول المجاورة. عولجت الأزمة لاحقا وبدعم من المنظمات المالية الدولية، لأن الاقتصاد الأرجنتيني هام، بعكس الاقتصاد اللبناني.

اللبنانيون لوحدهم

ما لم تتعلمه الطبقة السياسية في لبنان، وقسم هام من اللبنانيين، وهذا يشمل أكاديميين وصحفيين ورجال أعمال وفنانين هو أن لبنان، منذ سنوات عديدة، فقد قيمته السابقة كدولة هامة في الشرق الأوسط، وكمركز مالي يقدم خدمات جيدة، وكمركز تعليمي يقصد جامعاته مواطنون من جميع أنحاء العالم، وكدار نشر للعالم العربي، وتحولت فيه بيروت إلى معلم ثقافي وفني وإعلامي لا مثيل له في العالم العربي.

بدأ لبنان يخسر قيمته هذه بعد حرب 1976 واجتياحات إسرائيل والتدخل العسكري السوري. وحتى بعد توقيع اتفاق الطائف وانسحاب إسرائيل في 2000 وسوريا بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، أخفقت الطبقة السياسية اللبنانية في تعلم الدروس الحقيقية للحرب، أو السعي الحقيقي لتحقيق وفاق وطني مبني على مراجعة نقدية ذاتية ومصارحة صادقة، كما حدث في جنوب أفريقيا بعد الإطاحة بنظام التمييز العنصري (الأبارتايد).

من الصعب على الكثير من اللبنانيين أن يعترفوا بحقيقة أن بلدهم لم يعد مهما للشرق الأوسط ولأوروبا كما كان قبل الحرب. (الشيء ذاته يمكن قوله عن مصر والمصريين). ومع ذلك واصل السياسيون اللبنانيون تعلقهم بالوهم الذي يدعي أن لبنان لا يزال دولة مهمة، وأن أصدقاء لبنان في العالم كثر، ولن يخذلوه.

في السنوات والعقود الماضية انعقدت عدة مؤتمرات لما يسمى (الدول المانحة) وحصل لبنان على مساعدات عسكرية ومالية وإنسانية من هذه الدول والمؤسسات المالية الدولية، مقابل الوعود بتنفيذ إصلاحات اقتصادية بنيوية ومالية جدية ومساءلة للمسؤولين اللبنانيين.

لكن الإصلاح لم يحدث، والشفافية لم تتعرف على النظام السياسي والاقتصادي اللبناني، واستمر الهدر، وازداد الفساد، وتفاقم الكذب والتضليل، وتضاعف جشع الطبقة السياسية اللبنانية، إلى أن أوصلت لبنان إلى مأزقه الراهن والخطير.

أيها اللبنانيون أنتم لوحدكم الآن. لن يأتي المنقذ من الخليج، ولن يأتي المخلص من أوروبا أو أميركا. الخليجيون تعبوا من لبنان، وهم إما مشغولون بنزاعاتهم "العائلية" الضيقة، مثل النزاع بين قطر وشقيقاتها، أو في حرب كارثية في اليمن. هاجسهم في هذه المرحلة اسمه إيران. وزعمائهم الآن، بعكس آبائهم من قبل، لم يدرسوا في الجامعة الأميركية في بيروت، ولا تربطهم علاقات صداقة أو علاقات عمل مع لبنانيين كثر، ولم يكتشفوا جمال وعطاءات لبنان، وحتى موبقاته، ولذلك فإن لبنان بالنسبة لهم أصبح يختصر إلى حد كبير بـ"حزب الله".

الأميركيون لا يهتمون بلبنان، إذا كنا نتحدث عن الرئيس دونالد ترامب، أو مجلس الأمن القومي أو حتى وزير الخارجية مايك بومبيو. وحده مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية السفير دافيد هيل عاش في لبنان عندما كان سفيرا لبلاده في بيروت وحافظ على علاقاته اللبنانية. مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط دافيد شينكر لديه علاقات جيدة مع لبنانيين في لبنان، وفي الولايات المتحدة.

قبل أن يتعافى لبنان، سوف يتعثر، وينزف الدم والعرق، وسوف يكتشف أن أهم وأغنى ما يملكه هو شعبه

ولكن خارج سياق "الدافيدين" لم يعد في البيروقراطية الأميركية ذلك الاحتياط الكبير من حسن النوايا تجاه لبنان حتى في أحلك لحظاته وحتى في أبشع مظاهر العداء تجاه أميركا، الذي كنت ألمسه على مدى العقود الأربعة التي قضيتها في واشنطن.

أوروبا المنغلقة على نفسها، والتي تزداد شوفينية في بعض عواصمها، قد تعطف على معاناة لبنان، ولكن، ربما باستثناء فرنسا، لن تتخذ أي مبادرات لمساعدة لبنان. وحتى المبادرات الفرنسية سوف تبقى محدودة، لأن الفرنسيين لا يثقون، ويجب أن لا يثقوا بالوعود والالتزامات الفارغة التي سيعطيها لهم أعضاء الطبقة السياسية الراهنة.

أيام وأسابيع عصيبة سيشهدها لبنان تتطلب الحنكة والحكمة من المنتفضين في الشوارع. الحكمة تقضي بتفادي الانزلاق إلى العنف حتى في وجه ترهيب "حزب الله"، والحنكة في الإصرار على إصلاح اقتصادي بنيوي وخاصة إذا تلقى لبنان مساعدات دولية مشروطة، وأن تتم معالجة المطالب الآنية والاحتياجات الضرورية للمواطنين، ووضع الأسس لمستقبل اقتصادي أفضل يستفيد من مواهب اللبنانيين التقنية والعلمية وأن يتم الإصلاح بشفافية كاملة وعلى يد مسؤولين جدد من خارج الإقطاع السياسي.

قبل أن يتعافى لبنان، سوف يتعثر، وسوف ينزف الدم والعرق، وسوف يكتشف أن أهم وأغنى ما يملكه هو شعبه، الذي قرر أن يمسك مصيره بيده.

اقرأ للكاتب أيضا: محور الممانعة الإيراني ينكشف ويتراجع

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

لبنان ينتفض.. بيروت تشتعل.. والعالم لا يبالي D11162CC-11F0-4CE4-B930-0014486AE9B0.jpg Reuters لبنان-ينتفض-بيروت-تشتعل-والعالم-لا-يبالي المستقبل القريب للبنان داكن مثل لياليه التي يغيب عنها التيار الكهربائي، إلا إذا تم وقف الانزلاق السياسي والاقتصادي إلى هوة لا قاع لها 2020-01-20 14:24:55 1 2020-01-20 14:34:47 0

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.