530318 4

د. ابتهال الخطيب/

منذ صغري وحتى وقت قريب، لم أكن أبدا أخاف ركوب الطائرات ولا أفكر أبدا في حالة تعلقها بين الأرض والهواء. ومنذ سنوات قليلة بدأ هذا الفزع يستبد بقلبي لسبب غير معلوم لي، رغم فهمي العلمي للصعوبة الجمة لسقوط الطائرات وللأرقام والإحصاءات التي تجعل من الإصابة في حادث سيارة أقرب بكثير من الإصابة في حادث طائرة.

أخبرني البعض أنه بسبب تجاوز سن الأربعين، وأخبرني آخرون أنه لربما خوف تزامن مع قدوم آخر العنقود ابنتي ياسمين والذي أشاع في نفسي قلق دائم من تركي لها وحيدة في الحياة.

لم أقتنع بأي من هذه الأسباب ولا يكمن في نفسي أي تفسير فعلي أتعمد عدم مواجهته لهذه الحالة، لربما فيما عدا تفسير يحضرني بين فترة وأخرى لتزايد تفكيري الوجودي الحالي، في معنى الحياة وفي عدمية الموت.

لذا، كان لتغريدة بسيطة قرأتها قبل أيام أثر حاد في نفسي. منذ أن قرأت للمغردة شروق تقول على تويتر "كلنا راكبين الطيارة الأوكرانية" وأنا أعيش حالة توتر على غير مقدار الكلمات القليلة التي استفزتها.

نتبادل الاتهامات لإعلاء مذهب على مذهب، ولإثبات موقف تجاه موقف

بلا شك، نعيش نحن في المنطقة حالة تهديد مستمرة بوقوع حرب ما، بحدوث ضربة عسكرية أو هجوم مسلح ما، بتفعيل تهور نووي ما منذ الثلاثين سنة الماضية وتزيد ولأسباب متنوعة ومختلفة وإن كانت تصب في النهاية في نفس النتيجة التهديدية: اشتعال نار جسيمة في إقليمنا المنكوب. لنا ما يزيد على الثلاثين سنة تهديد ووعيد حيث نعيش في وسط مثلث من الأنظمة المتهورة، إما اعتقادا أن عقائدها ستعليها وتنصرها مهما كانت قوة الطرف المقابل أو اطمئنانا إلى بعدها الجغرافي الذي يمكنها من أن تلقي القنبلة على رؤوسنا وتسرع مبتعدة أو اعتمادا ساذجا على مناصرات أطراف متورطة تلعب سياسة في إقليمنا من بعيد.

بعد تحرير الكويت من الغزو الصدامي في 1991 أتذكر مشاعر القلق والخوف الحقيقيين الذين استتبا في القلوب، وهي مشاعر أخذت في التصاعد إلى أوائل سنة 2000 حين أُرسلت بعض القنابل العراقية إلى الأراضي الكويتية والتي أثارت فزعا مستحقا في صفوف شعب لم يعرف هذا النوع من العنف مطلقا في تاريخه الحديث. إلا أن سقوط صدام وانتهاء هذه الحقبة العنيفة أسس لشيء من الشعور بالأمان الذي سرعان ما اكتشفنا، في منطقة الخليج، أنه مؤقت زائف.

لا تتوقف الأحداث في المنطقة، لا يستتب الشعور التام بالأمان لنا مؤخرا، أعتقد أن آخر شعور حقيقي بالأمان التام اختبرته حين كان عمري ستة عشر سنة، في نهايات الثمانينيات، حين كانت الأحداث أهدأ أو في الغالب حين كنت أنا أصغر من أن أفهمها تماما.

من بعدها، بدا أن أبواب جهنم فتحت ثم فقدت، فلم يعد من سبيل لإغلاقها أبدا. ورغم ذلك، ومع مرور الزمن واعتياد التهديد ووقوع ما لم يكن متخيلا في يوم، مثل وصول قنابل إلى أرض الكويت؛ احتلال تنظيم "داعش" للكثير من المناطق العراقية القريبة جدا وسماعنا بأحداث عادت بنا إلى زمن الغزو والسبي والغنائم؛ قيام الثورات العربية تناثرا في عالمنا العربي؛ الالتفاف على الثورات والعودة لنقاط البدء؛ وقوع الكارثة السورية؛ ظهور الانقسام الذي فضح الطائفية الكامنة بين مؤيدي الثوار البحرينيين ومؤيدي الثوار السوريين؛ الخلاف الخليجي وما تبعه من نزول قوت درع الجزيرة في مواجهة بحرينية، وسيطرة الشعور بوجود هذه القوات لمواجهة أي نشاط ثوري في المنطقة الخليجية؛ العودة لعصر القمع في مصر؛ مقتل جمال خاشقجي في قلب قنصلية بلده؛ وصولا إلى الضربة الأميركية الأخيرة والتي أدت إلى مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وكل ما تبعها من أحداث نهاية بالجريمة البشعة لإسقاط الطائرة الأوكرانية.

بدا أن أبواب جهنم فتحت ثم فقدت، فلم يعد من سبيل لإغلاقها أبدا

كل ذلك حصل في ظل استعمار بشع في قلب المنطقة العربية يشكل تهديدا مستمرا ويتسبب في انقسامات عنيفة ضاربا الشرق أوسطيين بعضهم ببعض كما أحجار الشطرنج.

ورغم كل ذلك، أصبحت هناك حالة من فقدان الشعور المستحق بالخوف الحقيقي، يسيطر القلق أحيانا ربما، أما الخوف العميق الغائر الذي تستدعيه أوضاعنا، فلم يعد حقيقة ظاهرا لا على سطح أفعالنا ولا أقوالنا.

نعم، مع مرور الوقت وتراكم الأحداث فقدنا هذا الشعور المستحق بالخوف، وبدأت حالة من اللامبالاة الناتجة عن الاعتياد تحل محله، حيث أننا نعيش هذه التقلبات القاسية باستمرارية جعلت من امتداد الشعور بالخوف حالة مستحيلة. إلا أن تغريدة شروق فاجأتني بإحياء هذه المخاوف الكامنة في نفسي والتي دفنت أسفل سنوات من الاعتياد وطمأنة النفس والاستسلام لقدر لا قدرة لي على تغييره.

هذه الجملة القصيرة، ربما لارتباطها بمخاوف حقيقية وجودية وبقائية في نفسي، بدت مرعبة في واقعيتها، في مدى تمثيلها لحقيقة الوضع بأكمله، كلنا معلقين في الطائرة الأوكرانية، كلنا إما على وشك الاصطدام بالأرض أو استقبال صاروخ منطلق في الهواء.

منذ قراءتي للتغريدة يجوس في معدتي هذا الشعور بالخوف العارم القابض الذي يدفع بالطعام والهواء للأعلى لا للأسفل، حالة مستمرة من الغثيان التي تتسبب بها عادة الطائرة بإقلاعها وهبوطها والمطبات الهوائية التي كثيرا ما تصادفها.

لا تتوقف الأحداث في المنطقة، لا يستتب الشعور التام بالأمان لنا مؤخرا

هاج رعبي وأنا أتخيل نفسي معلقة في الهواء أراقب نارا تشتعل في أحد محركات الطائرة، ثم ماجت نفسي بمخاوف لم أختبرها منذ زمن وأنا أستشعر تطابق المقاربة، ركاب الطائرة الأوكرانية وهم على وشك الارتطام ونحن في إقليمنا ونحن على وشك الاحتراق، لا فرق حقيقي سوى أن الحالة الأولى تنتهي بسرعة لحظية والحالة الثانية تمتد تعذيبا وإرهابا.

أرعبتني الصورة، أرعبني تقاربها، وأكثر ما أرعبني هو السطحية البادية لطريقة عمل عقولنا، لربما نتاج كل ما مر بنا من أحداث، والتي ما عادت قادرة على تقييم الخطر أو استشعاره أو تقييم دورنا في حدوثه أو تفعيل مقاومتنا له ولو، بأضعف الإيمان، بالتوقف عن إشعال الحوار الطائفي بيننا الذي عاد مجددا جليا ملتهبا منذ مقتل سليماني.

نتبادل الاتهامات لإعلاء مذهب على مذهب، ولإثبات موقف تجاه موقف، في خضم ما تتعلق الرؤوس النووية فوق رؤوسنا، وفيما الطائرة الأوكرانية التي تحملنا جميعا تتجه بكل قوتها نحو الأرض، حالة فصام شديدة، غياب تام عن الحقيقة الواقعة.

لا زلت غير قادرة على إعادة تغريد كلمات شروق، خائفة من الضغط على "الريتويت" وكأنني إذا أعدت إرسالها فعلتها بشكل ما. خطوتي الوحيدة في حماية نفسي ومن أحب هي ألا أعيد تغريد كلمات شروق، فصام وغياب عربيين بامتياز.

اقرأ للكاتبة أيضا: كلنا كفار

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

شطرنج 9AC416C3-9B20-4362-9D5C-13335DE8FC77.jpg AFP شطرنج حدادا على ضحايا الطائرة الأوكرانية في كندت 2020-01-21 14:50:43 1 2020-01-21 15:01:44 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟