531150 4

محمد المحمود/

لم تتقدم الإنسانية عبر تاريخها الطويل إلا بكسر جمود الثبات العقلي لصالح التغيير المتجاوِز، حتى التغيير الذي يبدو وكأنه نكوص ـ في حركة الوعي ـ إلى الوراء، هو حيوية داخلية تمنح التقدم طاقة أخرى؛ بقدر ما تحفظ له توازنه كي لا يتحول إلى توهان في عالم الفوضى.

ولا تنفي هذه المُراوحة ثباتَ القصد/ الغائية (قصد التاريخ، روحه بالمفهوم الهيغلي)، ففي النهاية، سواء ثبتت هذه الغاية أم لم تثبت، وسواء فسّرنا الاستثناءات المضادة بـ"النقض" أو بـ"التكميل"، وسواء ظهرت العلاقة الجدلية بين هذا النقض/ التكميل أو خفيت كعناصر كامنة؛ ففي كل الأحوال (وفي حدود المتاح علميا حتى الآن)؛ ثمة تحوّل دائم، ثمة تطوّر متصاعد في الخط العام للتاريخ البشري.

هذا يعني أن لا تطور إلا بتغيير؛ بصرف النظر عن طبيعة/ هوية/ درجة هذا التغيير. قد يكون للثابت دور محوري في التغيير؛ لا من حيث كونه ضابطا لتوازن الحراك فحسب، وإنما ـ أيضا ـ لكونه موضوع التغيير في الأساس، وبالتالي موضوع التقدم.

وبلا شك، فطبيعة هذا الثابت تدخل في علاقة جدلية/ تفاعلية لتحديد طبيعة التغيير الذي يشتغل عليه. وهذا يشترط ـ بالضرورة ـ ضبط إيقاعِ التغيير ليكون نموا متجاوزا لأصل الثابت، متصلا به حتى في حال نقضه وتقويضه، وإلا فسيكون "التقدم/ التغيير" مشروعا ثقافيا/ فكريا في فضاء عقلي بلا موضوع، أي سيكون دالّا بلا مدلول، وبالتالي بلا معنى.

الأفكار الجديدة كل الجِدّة لا تُحْدث ثورة منْتظمة في العقل الكلي؛ بقدرما تُحْدث ارتباكا

لقد كانت المشاريع الفكرية العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وإلى اليوم، تتغيّا التغيير الذي هو شرط التقدم. في معظمها كانت منحازة إلى أقصى يمين العلاقة أو أقصى يسارها، أقصد: العلاقة بالثابت. بعضهم أراد البداية من الصفر ـ نفيا كليا للثابت ـ؛ وكأنه يريد التحليق في فراغ عدمي، فراغ مجرّد من الطبائع الثقافية الموروثة، ومن الطبائع البشرية الراسخة، ومن شروط الجغرافيا القاهرة، ومن كل ما هو من نِتَاج التفاعل بين هذه المحددات الثلاثة. بينما بعضهم الآخر اشتغل على الثابت تأكيدا وتأبيدا؛ بالبحث فيه/ في صورته الأولى عن عناصر تدعم مقولات التقدم الآتي من وراء البحار؛ ليمُر كل تحول من خلال هذا الثابت حصرا، أو ليكون أي تحول عنصرا في تدعيم الثبات/ البقاء على الأصول بهوياتها الأولى.

الأفكار الغريبة/ الجديدة كل الجِدّة (المُغايرة من ألِفِها إلى يائِها) لا تُحْدث ثورة منْتظمة في العقل الكلي؛ بقدرما تُحْدث ارتباكا، وتؤسس لفوضى متعددة الأبعاد، فوضى قد تقود ـ على هيئة هُبوط مُحبط في الدورة الدموية للحراك ـ إلى المربع الأول/ محور الثبات الذي يُصْبح ـ في لَحْظةِ يأس وشتات وحيرة ـ مربعَ الأمان.

الباحث الفرنسي/ غوستاف لوبون كان ذا عناية فائقة بالتحولات التي تجري على الآراء والمعتقدات من حيث هي ـ بشرط تشكّلها ـ ظاهرة جماهيرية. وكان من المُلفت ـ في مَعْرض تناوله لثبات العقائد والآراء الموروثة ـ أن يتناول أزياء النساء وتحولاتها (وفق قانون "الموضة")، مؤكدا ضرورة أن يكون تغيّر الزي تغييرا مثيرا للانتباه، مشترطا ـ في الوقت نفسه ـ أن لا يكون التغيير كاملا/ جذريا.

يقول لوبون: "الزي لا يروق النفس إلا إذا استوقف النظر، ولكن لا يتم نجاحه إلا إذا لم يبتعد من الزي الذي تقدمه، وهذا ما يوضح لنا السبب في كون الزي المبتكر من كل وجه لا يدوم طويلا، ولا يستقيم أمر الزي إلا بالتدريج" (الآراء المعتقدات، ص173).

ما يريد لوبون أن يقوله ـ ضمنيا ـ هو أن الأفكار الجديدة في فضاء التداول العقلي أشبه بـ"الموضة" في عالم الأزياء. لا بد من التّدرج في محاولة تغيير الأفكار الراسخة التي تتسم بثبات عال. وكما أن الأزياء الجديدة بالكلية قد تلقى رواجا ظرفيا/ آنيا، إلا أنها ـ ولكونها تفتقد شرط التأسيس على ثابت ـ سرعان ما تتلاشى وتندثر؛ فكذلك الأفكار/ الآراء المُغايرة تماما، تلك التي تُحَلِّق في فراغ تواصلي، هي الأخرى لا تلبث أن تنقشع سُحُبها الصيفية المتمردة على ظروفها، وتندرس معالمها؛ فلا يبقى منها أثر في مسار الوعي العام.

وإذا كان التغيير الراديكالي لمنظومة الأفكار السائدة/ المهيمنة، يُمَثِّل إغراء كبيرا في أواخر القرن التاسع عشر/ في عصر لوبون ـ وانتصار الحضارة الغربية آنذاك لم يكتمل بعد ـ، فإن هذا التغيير الراديكالي يصبح اليوم أشد إغراء بما لا يقاس؛ بعد أن انتصرت هذه الحضارة الاستثنائية (بوصفها: "نهاية التاريخ")، وأصبحت هي "الحضارة" بالتعريف، من حيث هي حضارة التقدم للعالم أجمع.

قد تستطيع حرق المراحل على مستوى متغيرات الواقع، ولكنك لا تستطيع حرقها على مستوى متغيرات الفكر

إضافة إلى كون قنوات التواصل الإعلامي والثقافي والتعليمي والتقني ـ في كثافتها وكفاءتها العالية ـ زادت من حجم الإغراء؛ حيث معاينة النموذج الأكمل/ الأمثل (تجلّيات/ تمظهرات الحضارة الغربية في كل مسارات/ مجالات التقدم؛ حتى امتداداتها في الجغرافيا غير الغربية) متاح على مدار اللحظة، بأقل تكلفة وأيسر جهد، وبإبهار عال يختزل عناصرها المُكوِّنة/ الكامنة؛ مما يغري بإمكانية التقليد ونجاعته في كل الأحوال.

ليس التغيير الذي يشتغل على القناعات الكلية/ على الوعي العام/ على العقل الجمعي سهلا؛ كما يبدو للوهلة الأولى. المسألة ليست معرفة/ ليست ترسانة معلومات تُقَدَّم/ تُطْرح على مدى الأسماع والأبصار؛ فتعترف ملايين العقول بجهالاتها السابقة، وتُقَرِّر ـ في حالة استبصار خاطف ـ الاعتقاد بالصواب الجديد، والعمل ـ عِلْما وفِعْلا/ تفاعلا ـ بمقتضى قوانينه التي قد تخالف كثيرا من العادات التي ترسخت حتى أصبحت طبائع لازمة، فضلا عن مخالفتها لكثير من قوانين فضاء التموضع/ المجال.

إذن، قد تستطيع حرق المراحل على مستوى متغيرات الواقع، ولكنك لا تستطيع حرقها على مستوى متغيرات الفكر/ الوعي. ورغم التداخل/ التلازم النسبي بين متغيرات الواقع ومتغيرات الوعي؛ إلا أن الاشتغال على عالم الأذهان، وعلى "التغيير الأثبت/ التغيير الأدوم" في مسار رهان التغيير النوعي، يستلزم الاشتغال على مستوى من الاستمرارية التي يُوَفّرها التدرّج في تحويل مجتمعات التقليد/ المجتمعات النمطية عن قناعاتها الفكرية الراسخة المتجذّرة بعمق تاريخ القرون المتطاولة تخلفا وانحطاطا.

تجديد/ تغيير الوعي يستلزم شيئا من مراوغة ومخاتلة في تعطيب عناصر السلب في الموروث المُؤَسّس لعناصر الثبات. هذه ممارسة إجرائية تقتضيها حقيقة/ طبيعة الوعي البشري الذي ليس كله مخزونا من "المعقولات"، المتمايزة تماما عن الخرافي والوهمي والمتخيل، هذا الوعي البشري المتقلب الذي لا يشتغل ـ إيجابا ـ على "المعقول" في كل الأحوال.

اقرأ للكاتب أيضا: الذهنية العربية: صراع أم بناء!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

تغيير الثابت وثبات التغيير 4CE217EC-1965-4667-B434-56C8E269F85F.jpg AFP تغيير-الثابت-وثبات-التغيير لقد كانت المشاريع الفكرية العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وإلى اليوم، تتغيّا التغيير الذي هو شرط التقدم 2020-01-27 14:43:18 1 2020-01-27 14:50:19 0

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.