تمر جميع أمم العالم بمراحل تراجع حضاري تتسبب فيها عوامل وظروف تاريخية واجتماعية وسياسية، وقد تستمر تلك المراحل في بعض المجتمعات لعدة قرون، بينما تستطيع مجتمعات أخرى النهوض من كبوتها الحضارية واللحاق بركب التقدم في فترات زمنية أقصر.

ومن أهم العوامل التي تساعد الأمم في الانتقال من حالة التخلف الحضاري هو إدراكها لشروط النهضة، والتي يأتي في مقدمتها الانفتاح والتواصل مع العالم، ونقل العلوم والمعرفة وأدواتها، وتطوير أساليب الحكم بما يسمح بإشراك البشر (الشعب) في عملية الانتقال بفعالية، وغير ذلك من الأشراط.

بلغت الحضارة الإسلامية قمة توهجها في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) في أعقاب الانفتاح الكبير على علوم ومعارف الأمم السابقة وعلى وجه الخصوص الفلسفة اليونانية، ثم بدأت تلك الحضارة في التدهور والتراجع التدريجي الذي اكتمل في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي).

وإذ تنعكس حالة الجمود في العديد من الأطر والمجالات مثل غياب الحضارة المعنية عن المشاركة الفاعلة في مضمار الابتكار والعلوم والمعرفة، فإن أحد أهم تجلياتها في العصر الراهن تتمثل في تغييب الشعوب عن المشاركة في العملية السياسية المرتبطة باختيار من يحكمها وفي ترتيب الكيفية التي يتم بها تداول السلطة.

"الحرية" تمثل ركيزة أساسية في إحداث النهضة الحضارية

لم تعرف الخلافة الإسلامية ـ شأنها شأن جميع الممالك والدويلات في العصور الوسيطة ـ أساليب لتداول السلطة سوى الوراثة والغلبة، حيث لم يكن يتم إشراك أفراد الشعب (الأمة) في عملية اختيار الخليفة أو السلطان باعتبار أن ذلك الحق مقصور على أقلية صغيرة صاحبة امتياز هو في الغالب عائلي أو أسري.

ولما كان ذلك الأمر طبيعيا في سياقه التاريخي الذي لم تتطور فيه مفاهيم الحقوق والمشاركة السياسية والمواطنة، فإن من غير الطبيعي أن يستمر ذلك الأمر في القرن الحادي والعشرين بحيث نجد أن جل حكومات الدول العربية والإسلامية إما ملكية (وراثة) أو عسكرية (غلبة) أو مزيج من هذا وذاك بحيث يبدأ الحكم عسكريا ثم يتحول مع مرور الوقت لوراثي (سوريا مثالا).

انتقل إلى الرفيق الأعلى في اليوم الحادي عشر من هذا الشهر السلطان قابوس بن سعيد، الذي حكم سلطنة عمان لمدة "خمسين عاما"، تاركا وراءه وصية تُسمِّي السلطان الذي سيعقبه في تولي شأن البلاد، وفقا للنظام الأساسي (تُقرأ الدستور) الذي وضعه لتداول المنصب الأعلى في السلطنة.

تنص المادة الخامسة من النظام الأساسي للدولة (سلطنة عمان) على أن "نظـام الحكم سـلطاني وراثي في الذكـور من ذريـة السيد تركـي بن سعيد بن سلطـان، ويشترط فيمن يختار لـولاية الحكم من بـينهم أن يكون مسلما رشيدا عـاقلا وابنا شرعيا لأبوين عمانيـين مسلمين".

أما المادة السادسة من ذلك النظام فإنها تحدد آلية اختيار السلطان كالتالي "يقوم مجلـس العائلة المالكة، خلال ثلاثة أيام من شغور منصب السلطان، بتحديد من تـنتـقل إليه ولاية الحكم، فإذا لم يتـفق مجلس العائلة المالكة على اختيار سلطـان للبلاد قام مجلس الدفاع بالاشتراك مع رئيسي مجلس الدولة ومجلس الشورى ورئيس المحكمة العليا، وأقدم اثنين من نوابه بتثبيت من أشار به السلطان فـي رسالته إلى مجلس العائلة".

ولما لم يتمكن مجلس العائلة المالكة من الاتفاق حول اسم الحاكم الجديد، تم الرجوع للوصية التي تركها السلطان الراحل والتي جاء فيها "وحيث أن مجلسكم الموقر لم يتفق على اختيار سلطان للبلاد في المدة التي حددها النظام الأساسي للدولة فإننا بعد التوكل على الله ورغبة منا في ضمان استقرار البلاد نشير بأن يتولى الحكم السيد، هيثم بن طارق، وذلك لما توسمنا فيه من صفات وقدرات تؤهله لحمل هذه الأمانة".

وإذ يشتمل النظام الأساسي على تمييز واضح بين المواطنين على أساس الدين والنوع، فإنه أيضا يحصر الولاية الكبرى (الرئاسة) في ذرية أسرة واحدة مع تغييب كامل للشعب، وهي جميعا أمور تخالف روح العصر الذي نعيشه (القرن 21) وتؤكد على استمرار نمط الحكم الذي كان سائدا في العصور الوسطى.

قد يُجادل البعض في أن السلطان الراحل الذي حكم البلاد لنصف قرن كان رجلا حكيما أحدث نهضة اقتصادية غير مسبوقة كما أنه حافظ على وحدة وتماسك السلطنة وانتهج سياسة خارجية متوازنة حافظ بها على مصالح بلاده ونأى بها عن المحاور والأحلاف، وهذا كله أمر مشهود ولا خلاف عليه.

غير أن الأمر الجوهري الذي أكدته التجربة الإنسانية الحديثة هو أن "الحرية" تمثل ركيزة أساسية في إحداث النهضة الحضارية، وأن النظام الديمقراطي الذي يعتمد على التعددية السياسية ومشاركة المواطنين في اتخاذ القرار من خلال عقد اجتماعي مدني بين السلطة والشعب، فضلا عن الرهان على قيمة "المؤسسات" وليس "الأشخاص"، هو وحده الكفيل بضمان تحقيق شروط النهوض.

من دون النظام الديمقراطي ستظل المجتمعات العربية والإسلامية واقفة في محطة العصور الوسطى

كذلك يدعي البعض أن المجتمعات العربية والإسلامية غير مهيأة لممارسة الحرية في الوقت الراهن لأن واقع التخلف السياسي والاجتماعي لا يسمح بتطبيق الديمقراطية التي ستتحول حتما إلى فوضى، وهو ما يبرر حكم الوراثة أو الغلبة، ولكن التجربة قد كذبت هذه الحُجة حيث ثبت أن الحكومات العسكرية والوراثية ساهمت في تعميق التخلف الشامل بدرجات متفاوتة، بسبب إهدار الحقوق والحريات والكرامة الفردية التي هي أساس كل نهضة.

النهضة الحضارية تتأسس على العلم والمعرفة التي تنتج عنها الكشوف والابتكارات، ولا تزدهر الأخيرة وتبلغ ذروتها في غياب مناخ الحرية الذي يشجع روح المبادرة ويكسر قيود الخوف، وليس أدل على ذلك من المقارنة بين العالم الغربي والصين التي نجحت في تطوير اقتصادها بشكل كبير ولكنها مع ذلك تتقاصر كثيرا في مجال الابتكار والاختراع والريادة.

لكل عصر معطياته التي تتحدد من خلالها أسباب النهضة، ويأتي على رأس هذه المعطيات في زماننا هذا النظام الديمقراطي الذي يكفل لأفراد الشعب الحرية والكرامة، ويمنح أعضاء المجتمع فرصا متكافئة لتنمية قدراتهم وملكاتهم وإطلاق طاقاتهم من مكامنها، ودون ذيوع ذلك المعطى ستظل المجتمعات العربية والإسلامية واقفة في محطة العصور الوسطى "محلك سر" وهو الأمر الذي يعني استمرار حالة الجمود التي تعيشها تلك المجتمعات منذ عدة قرون.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟