تمر جميع أمم العالم بمراحل تراجع حضاري تتسبب فيها عوامل وظروف تاريخية واجتماعية وسياسية، وقد تستمر تلك المراحل في بعض المجتمعات لعدة قرون، بينما تستطيع مجتمعات أخرى النهوض من كبوتها الحضارية واللحاق بركب التقدم في فترات زمنية أقصر.

ومن أهم العوامل التي تساعد الأمم في الانتقال من حالة التخلف الحضاري هو إدراكها لشروط النهضة، والتي يأتي في مقدمتها الانفتاح والتواصل مع العالم، ونقل العلوم والمعرفة وأدواتها، وتطوير أساليب الحكم بما يسمح بإشراك البشر (الشعب) في عملية الانتقال بفعالية، وغير ذلك من الأشراط.

بلغت الحضارة الإسلامية قمة توهجها في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) في أعقاب الانفتاح الكبير على علوم ومعارف الأمم السابقة وعلى وجه الخصوص الفلسفة اليونانية، ثم بدأت تلك الحضارة في التدهور والتراجع التدريجي الذي اكتمل في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي).

وإذ تنعكس حالة الجمود في العديد من الأطر والمجالات مثل غياب الحضارة المعنية عن المشاركة الفاعلة في مضمار الابتكار والعلوم والمعرفة، فإن أحد أهم تجلياتها في العصر الراهن تتمثل في تغييب الشعوب عن المشاركة في العملية السياسية المرتبطة باختيار من يحكمها وفي ترتيب الكيفية التي يتم بها تداول السلطة.

"الحرية" تمثل ركيزة أساسية في إحداث النهضة الحضارية

لم تعرف الخلافة الإسلامية ـ شأنها شأن جميع الممالك والدويلات في العصور الوسيطة ـ أساليب لتداول السلطة سوى الوراثة والغلبة، حيث لم يكن يتم إشراك أفراد الشعب (الأمة) في عملية اختيار الخليفة أو السلطان باعتبار أن ذلك الحق مقصور على أقلية صغيرة صاحبة امتياز هو في الغالب عائلي أو أسري.

ولما كان ذلك الأمر طبيعيا في سياقه التاريخي الذي لم تتطور فيه مفاهيم الحقوق والمشاركة السياسية والمواطنة، فإن من غير الطبيعي أن يستمر ذلك الأمر في القرن الحادي والعشرين بحيث نجد أن جل حكومات الدول العربية والإسلامية إما ملكية (وراثة) أو عسكرية (غلبة) أو مزيج من هذا وذاك بحيث يبدأ الحكم عسكريا ثم يتحول مع مرور الوقت لوراثي (سوريا مثالا).

انتقل إلى الرفيق الأعلى في اليوم الحادي عشر من هذا الشهر السلطان قابوس بن سعيد، الذي حكم سلطنة عمان لمدة "خمسين عاما"، تاركا وراءه وصية تُسمِّي السلطان الذي سيعقبه في تولي شأن البلاد، وفقا للنظام الأساسي (تُقرأ الدستور) الذي وضعه لتداول المنصب الأعلى في السلطنة.

تنص المادة الخامسة من النظام الأساسي للدولة (سلطنة عمان) على أن "نظـام الحكم سـلطاني وراثي في الذكـور من ذريـة السيد تركـي بن سعيد بن سلطـان، ويشترط فيمن يختار لـولاية الحكم من بـينهم أن يكون مسلما رشيدا عـاقلا وابنا شرعيا لأبوين عمانيـين مسلمين".

أما المادة السادسة من ذلك النظام فإنها تحدد آلية اختيار السلطان كالتالي "يقوم مجلـس العائلة المالكة، خلال ثلاثة أيام من شغور منصب السلطان، بتحديد من تـنتـقل إليه ولاية الحكم، فإذا لم يتـفق مجلس العائلة المالكة على اختيار سلطـان للبلاد قام مجلس الدفاع بالاشتراك مع رئيسي مجلس الدولة ومجلس الشورى ورئيس المحكمة العليا، وأقدم اثنين من نوابه بتثبيت من أشار به السلطان فـي رسالته إلى مجلس العائلة".

ولما لم يتمكن مجلس العائلة المالكة من الاتفاق حول اسم الحاكم الجديد، تم الرجوع للوصية التي تركها السلطان الراحل والتي جاء فيها "وحيث أن مجلسكم الموقر لم يتفق على اختيار سلطان للبلاد في المدة التي حددها النظام الأساسي للدولة فإننا بعد التوكل على الله ورغبة منا في ضمان استقرار البلاد نشير بأن يتولى الحكم السيد، هيثم بن طارق، وذلك لما توسمنا فيه من صفات وقدرات تؤهله لحمل هذه الأمانة".

وإذ يشتمل النظام الأساسي على تمييز واضح بين المواطنين على أساس الدين والنوع، فإنه أيضا يحصر الولاية الكبرى (الرئاسة) في ذرية أسرة واحدة مع تغييب كامل للشعب، وهي جميعا أمور تخالف روح العصر الذي نعيشه (القرن 21) وتؤكد على استمرار نمط الحكم الذي كان سائدا في العصور الوسطى.

قد يُجادل البعض في أن السلطان الراحل الذي حكم البلاد لنصف قرن كان رجلا حكيما أحدث نهضة اقتصادية غير مسبوقة كما أنه حافظ على وحدة وتماسك السلطنة وانتهج سياسة خارجية متوازنة حافظ بها على مصالح بلاده ونأى بها عن المحاور والأحلاف، وهذا كله أمر مشهود ولا خلاف عليه.

غير أن الأمر الجوهري الذي أكدته التجربة الإنسانية الحديثة هو أن "الحرية" تمثل ركيزة أساسية في إحداث النهضة الحضارية، وأن النظام الديمقراطي الذي يعتمد على التعددية السياسية ومشاركة المواطنين في اتخاذ القرار من خلال عقد اجتماعي مدني بين السلطة والشعب، فضلا عن الرهان على قيمة "المؤسسات" وليس "الأشخاص"، هو وحده الكفيل بضمان تحقيق شروط النهوض.

من دون النظام الديمقراطي ستظل المجتمعات العربية والإسلامية واقفة في محطة العصور الوسطى

كذلك يدعي البعض أن المجتمعات العربية والإسلامية غير مهيأة لممارسة الحرية في الوقت الراهن لأن واقع التخلف السياسي والاجتماعي لا يسمح بتطبيق الديمقراطية التي ستتحول حتما إلى فوضى، وهو ما يبرر حكم الوراثة أو الغلبة، ولكن التجربة قد كذبت هذه الحُجة حيث ثبت أن الحكومات العسكرية والوراثية ساهمت في تعميق التخلف الشامل بدرجات متفاوتة، بسبب إهدار الحقوق والحريات والكرامة الفردية التي هي أساس كل نهضة.

النهضة الحضارية تتأسس على العلم والمعرفة التي تنتج عنها الكشوف والابتكارات، ولا تزدهر الأخيرة وتبلغ ذروتها في غياب مناخ الحرية الذي يشجع روح المبادرة ويكسر قيود الخوف، وليس أدل على ذلك من المقارنة بين العالم الغربي والصين التي نجحت في تطوير اقتصادها بشكل كبير ولكنها مع ذلك تتقاصر كثيرا في مجال الابتكار والاختراع والريادة.

لكل عصر معطياته التي تتحدد من خلالها أسباب النهضة، ويأتي على رأس هذه المعطيات في زماننا هذا النظام الديمقراطي الذي يكفل لأفراد الشعب الحرية والكرامة، ويمنح أعضاء المجتمع فرصا متكافئة لتنمية قدراتهم وملكاتهم وإطلاق طاقاتهم من مكامنها، ودون ذيوع ذلك المعطى ستظل المجتمعات العربية والإسلامية واقفة في محطة العصور الوسطى "محلك سر" وهو الأمر الذي يعني استمرار حالة الجمود التي تعيشها تلك المجتمعات منذ عدة قرون.

Turkish President Recep Tayyip Erdogan speaks during a press conference held after the coordination meeting to fight against…

في أغسطس 2019، أسس ميكاييل يوكسيل، وهو سياسي سويدي من أصول تركية، حزبا جديدا في السويد يدعى "نيانس" (Nyans). أنشأ يوكسيل، العضو السابق في حزب الوسط السويدي الليبرالي الصغير ذي الميول اليسارية، الحزب الجديد بعد إرغامه على الاستقالة على أعتاب انتخاب الممثلين السويديين في البرلمان الأوروبي، وفيها كان يوكسيل مرشحا بارزا. 

وقد أُقصي يوكسيل على خلفية روابطه المزعومة بتنظيم "الذئاب الرمادية" التركي، وهو ذراع الشباب المسلح في حزب الحركة القومية التركي المتطرف الذي كان والده عضوا فيه وشريكا في ائتلاف حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب إردوغان. أسس يوكسيل حزب "نيانس" ليركز بشكل خاص على المسائل التي يعتبر مؤسسوه بأنها تؤثر في مسلمي السويد.

يمثل حزب "نيانس" ومؤسسه دراسة حالة مثيرة للاهتمام بما أن الحزب يشكل نقطة مرجعية جديدة ضمن نزعة مثيرة للقلق في السياسات الأوروبية: يبدي إردوغان والقيادة السياسية التركية اهتماما بالغا في عدد من الأحزاب الأوروبية الصغيرة المنسجمة مع رؤية إردوغان السياسية قيد التنفيذ في تركيا. وفي أوروبا، يحصل ذلك في إطار "استثمار" تركيا الكبير في المحافظة على الروابط السياسية مع الجالية التركية الكبرى في أوروبا، لا بل السيطرة عليها.

تضطلع حكومة إردوغان بدور كبير في بناء جسور اقتصادية واجتماعية ودينية مع الأحزاب الأوروبية التي تعتبرها متوائمة سياسيا مع مصالحها. هذا وقد لخص إردوغان بصراحة سياسته على القناة الألبانية (Albania TV) في يونيو 2017، مؤكدا أنه ما من عيب على الإطلاق في دعم الأحزاب السياسية في دول البلقان والدول الأوروبية الأخرى التي تتشارك عقيدة مماثلة مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يترأسه، وأن "هذه الجهود يجب ألا تثير امتعاض أي طرف".

يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين

إلى جانب الروابط مع إسلاميين معروفين أصلا في السويد، على غرار وزير الإسكان محمد كابلان والناشط يسري خان (اللذين كانا سابقا في "حزب الخضر")، ترتبط منصة "نيانس" أيضا بأحزاب إسلامية أوروبية أخرى يعتبر إردوغان أنها تخدم مصالحه. 

تعمل المنصة جاهدة على جعل المسلمين أقلية متجانسة رسمية بناء على تعريف محدد للإسلام؛ ومنح المسلمين (وفقا لهذا التعريف المحدد) منزلة مميّزة ومحمية يتمتّع بها حاليا اليهود والسكان السويديون الأصليون، لا الأقليات الأخرى؛ واعتبار الانتقادات الموجهة ضد الإسلام جريمة كراهية؛ واعتبار رهاب الإسلام جريمة محددة. 

لا يُعدّ "نيانس" المثال الأول في السويد عن حزب يركز خصيصا على هذه المسائل، بما أن حزب "ياسين" (Jasin)  سبقه في عام 2017، وقد أعلن بصراحة عن نيته اتباع الشريعة، إلا أن الأخير لم يحصد العدد اللازم من التواقيع للمشاركة في الانتخابات الوطنية اللاحقة في السويد. ولكن لا ينبغي الافتراض أن هذه الأحزاب تمثل بالضرورة المسلمين كهيئة موحدة متجانسة، إذ أن أغلبية واسعة من المسلمين في السويد لا تنتمي لأي منظمة مسلمة.

شهدت السويد أيضا جهودا سياسية من قبل الإسلاميين في خلال اتفاق عام 1999 بين حركة "الإيمان والتضامن" ("Tro & Solidaritet") الديمقراطية الاشتراكية و"المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd")، الذي اعتبر مراقبون أنه تابع لجماعة "الإخوان المسلمين" الإسلامية. 

وبموجب هذا الاتفاق، حصل "المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd") على عدد من المراكز الآمنة على قوائم الأحزاب مقابل دعمه للديمقراطيين الاشتراكيين. اعتُبرت هذه التجربة ناجحة للغاية من منظور "الإخوان المسلمين"، ومذاك، تزايد عدد الحركات والجماعات التابعة لـ "الإخوان المسلمين"، وحصلت على تمويل من الخزانة العامة، وفرضت نفسها على أنها أبرز هيئة ممثلة للمسلمين في السويد.

ولكن في البيئة السياسية الراهنة في السويد، يتمتع "نيانس" بحظوظ أكبر بكثير من حزب "ياسين" من ناحية تحقيق تمثيل سياسي، وسيبدأ بالترشح إلى الانتخابات البرلمانية والانتخابات المحلية في ستوكهولم وغوتنبرغ ومالمو المزمع عقدها كلها في عام 2022. وترتكز ميزات "نيانس" على قوة المنظمات المحلية في هذه المدن السويدية الرئيسية الثلاث، كما في مدن أصغر مثل أوربرو وفاكسيو، حيث يعتزم أيضا المشاركة.

روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها

بالإضافة إلى ذلك، شكّل رد يوكسيل على إقصائه من حزب الوسط خير دليل على روابطه المستمرة بأنقرة. فبعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان. 

ففي مقابلة مع وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء، زعم أن حزب الوسط حاول إرغامه على التحدث ضد تركيا. وعندما رفض، واجه مشاكل ضمن الحزب أدت إلى استبعاده. وزعم أيضا أنه طُلب منه التحدث ضد الرئيس التركي إردوغان مباشرة، الأمر الذي رفضه مجددا. وبحسب المقابلة، واجه يوكسيل لهذه الأسباب حملة سلبية في السويد.

ومن المثير للاهتمام أن هذه المزاعم لاقت دعما في الإعلام التركي وليس السويدي، فلو انتشرت هذه المزاعم على نطاق واسع في السويد، لكان من السهل تجاهلها. ولكن بالنسبة إلى جمهور تركي، اعتُبرت هذه المزاعم، لا سيما في غياب أي سياق إضافي، قابلة أكثر للتصديق. ويمكن أيضا الافتراض بسهولة أن منصة "نيانس" لن تشارك قط في انتقاد تركيا في عهد إردوغان.

تشبه قصة يوكسيل قصص أفراد آخرين مؤيدين علنا للإسلاميين بصورة عامة وناشطين في سياسات الأحزاب السويدية خارج حزب الوسط. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك عمر مصطفى الذي كان على وشك أن يُنتخب في المجلس الحاكم للديمقراطيين الاشتراكيين في عام 2013. 

أشارت احتجاجات داخل الحزب وخارجه إلى روابطه المتعددة بالإسلاميين، بمن فيهم دعاة إسلاميين مناهضين للسامية ومعادين للمثليين، فاستقال من الحزب. ومن الأمثلة الأخرى وزير الإسكان السويدي السابق المذكور آنفا محمد كابلان، الذي توجب عليه أيضا الاستقالة عندما أُفيد عن ارتباطه بتنظيم "الذئاب الرمادية"، إذ حضر عشاءً مع أعضاء التنظيم في السويد. 

برزت أمثلة أخرى من مقاطعات الأحزاب المحلية من وقت إلى آخر، وأشارت "اللجنة السويدية الوطنية لمناهضة معاداة السامية" بصورة خاصة إلى أنه غالبا ما يجري التغاضي عن معاداة السامية المنبثقة عن السياسيين والناشطين التابعين للأحزاب السياسية من قبل قيادات الأحزاب في السويد.

في دول أوروبية أخرى، واجهت أحزاب مثل حزب دينك في هولندا انتقادات من العديد من السياسيين الهولنديين البارزين لعلاقاتهم الوثيقة مع تركيا، حيث رفض قادة "دينك" فرصا متعددة لانتقاد سجل إردوغان السيئ في مجال حقوق الإنسان، خاصة منذ محاولة الانقلاب التي حصلت في عام 2016.

لكن روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها، ولاقى ترشحه لحزب الوسط (للانتخابات الأوروبية) تغطية واسعة من وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء. 

بعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان

على وجه التحديد، أقام حملته في بلدة كولو، الواقعة في محافظة قونية التركية، التي هاجر الآلاف من سكانها مذاك إلى السويد، كما هو معروف. وتجدر الإشارة إلى أن والد يوكسيل، أورهان يوكسيل، هو رئيس البلدية السابق لكولو (1999 ـ 2004) وشخصية بارزة في حزب الحركة القومية التركي المتطرف. وبالرغم من أن أورهان ترشح أيضا للانتخابات البلدية اللاحقة في عاميْ 2009 و2014، إلا أنه خسر في المرتين.

رد أورهان على التحديات التي واجهها ابنه في السياسة السويدية من خلال إلقاء اللوم على المعارضة التركية، ما يسلط الضوء أكثر على الروابط القائمة بين السياسة التركية والجالية التركية. فقد وجّه أورهان اللوم إلى حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، وهو حزب الشعب الجمهوري (CHP) وحملات حزب العمال الكردستاني (PKK) المحظور الذي صنّفته تركيا كمنظمة إرهابية، حيث اتهمه بالمسؤولية عن الجدل الدائر في السويد حول ابنه.

قد يحظى يوكسيل أيضا بالمزيد من الدعم الانتخابي في المستقبل مع تعزيز تركيا انخراطها غير المباشر في السياسة السويدية. ويظهر هذا الانخراط بوضوح: في خلال الانتخابات السويدية، يجري تشجيع الأتراك الذين يحملون جوازات سفر سويدية على التصويت في تركيا. 

يجري ذلك تحت إشراف الاستخبارات التركية، وقد توجه سياسيون مثل يوكسيل وكابلان إلى تلك المنطقة لإقامة حملات فيها أيضا. وقد تتلقى الأحزاب التي تُعتبر داعمة للمصالح والحكومة التركية مساعدة بأشكال متعددة. بحسب رئيس التحرير السابق لصحيفة "Today’s Zaman" في أنقرة التي أوقفت اليوم عن العمل، عبد الله بوزكورت، الذي يعيش في المنفى في السويد منذ عام 2016، يُعدّ التصويت المدعوم من قبل الدولة التركية أمرا شائعا أيضا في مختلف أنحاء أوروبا.

تعكس هذه الجهود التوترات السابقة التي أحاطت بالانتخابات البلغارية في عام 2017، إذ برزت تقارير عن الضغط الذي مارسه وزير تركي لصالح حزب "دوست" (DOST)  البلغاري بين المواطنين البلغاريين المقيمين في اسطنبول. فضلا عن ذلك، حرصت تركيا على توطيد علاقاتها السياسية مع أصحاب الجنسية المزدوجة من خلال السماح لأي مواطنين أتراك مقيمين في الخارج بالتصويت في الانتخابات التركية منذ عام 2014، وهذه ممارسة تشجعها بشكل ناشط لدى الجالية التركية في أوروبا، التي تُعتبر في أغلب الأحيان مؤيدة لحزب العدالة والتنمية. 

في الواقع، أتت هذه السياسة بثمارها في خلال الانتخابات التركية الأخيرة في عام 2018 إذ أن حوالي نصف المواطنين الأتراك المقيمين في السويد الذين يحق لهم التصويت والذين صوتوا في الانتخابات التركية، اقترعوا لصالح حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

أدى دعم إردوغان للأحزاب الأوروبية تماشيا مع مصالحه إلى تعزيز نزعة أخرى في السياسات الأوروبية ألا وهي بروز الأحزاب الإسلامية الداعمة لإدراج تقاليد القانون الإسلامي ضمن قانون الدولة العلماني. 

وقد اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة. 

ويبرز هذا التأثير بشكل خاص في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي أسسته جماعة "الإخوان المسلمين"، والذي يشرف على عشرات المنظمات في أوروبا. كما أثارت أحزاب صغيرة، مثل "حزب الإسلام" البلجيكي المؤيد للشريعة، مخاوف بشأن الطرق التي تولي من خلالها الأحزاب الإسلامية الأولوية للشريعة الدينية ضمن منصتها السياسية.

تبرز هذه النزعة على الرغم من أن الأحزاب السياسية الأوروبية المعاصرة، ولا سيّما في اسكندينافيا، غالبا ما تبني عملها على خصائص أساسية للأفكار والعقائد، على الرغم من أمثلة معينة مثل الأحزاب المصطفة مع حركة "الديمقراطية المسيحية" أو الانقسام اللغوي ـ السياسي في بلجيكا. ولكن جماعة "الإخوان المسلمين"، بصفتها أحد الأصوات الأكثر تنظيما في العالم الأوروبي المسلم، نجحت في تقديم نفسها كممثلة حصرية للمجتمعات المسلمة في أوروبا عبر الطيف الأيديولوجي الأوروبي، وقد ساهم التركيز السياسي مؤخرا على سياسة الهوية والتقاطع في هذا النجاح. ويشكل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIOE) خير مثال على هذا التقاطع.

اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة

سرعان ما لاحظت تركيا في عهد إردوغان، الذي غيّر الطابع السياسي العلماني بشكل ملحوظ في تركيا ليصبح أقرب إلى الإسلام في خلال فترة حكمه، المنافع السياسية لقوة الإقناع والنفوذ لدى السياسيين الإسلاميين في أوروبا. 

تبدو الأحزاب السياسية مثل "نيانس" عازمة على حصد ثمار هذه العمليات والانضمام للمجالس التشريعية على الصعيد المحلي وربما الوطني أيضا. ومن الممكن جدا أن تستحصل "نيانس"، في غضون بضع سنوات، على أصوات من الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر وحزب اليسار، وينضم إلى البرلمان أو، على الأقل، المجالس المحلية. ومن المرجح أن يعتبر إردوغان هذه النقلة في السياسة السويدية مكسبا لسياسته تجاه أوروبا.

على هذا النحو، يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين. 

لا يعني ذلك أن الأحزاب لا تعمل على قضايا شرعية أو ليس لديها أسئلة فعلية تستوجب المعالجة. فإلى جانب القضايا الفعلية المتمثلة بالتمييز (الفعلي أو الوهمي) وقضايا الفصل والعزل وافتقار السلطات لسياسات الدمج، سهلت السياسة الرسمية التي تعود لما يقارب 40 عاما والقائمة على تشجيع التعددية الثقافية وتبدية الجماعة على الفرد، وبذلك مناقضة أفكار الدمج والاستيعاب المعروضة أيضا، مهمة الأحزاب على غرار "نيانس" الذي يطالب بجعل الانتماء الديني للفرد، في هذه الحالة، العامل الحاسم في السياسة. بالتالي، يمكن لحزب "نيانس" أن يظهر على أنه "الورقة الرابحة" ويستقطب الناخبين الذين كانوا ليختاروا حزبا تقليديا آخرا في حالات أخرى.

ويعني هذا التطور أنه ينبغي على الهيئات الأوروبية الناظمة للسياسات أن تدرس بشكل معمق ومطول كيف يجب أن تتعامل بناها الديمقراطية مع سوء استخدام السلطة والمحاولات العدائية، خصوصا من قبل القوى الخارجية، لفرض تصنيف إسلامي غير مرغوب به على سكانها المسلمين.

المصدر: منتدى فكرة