كتب صديق يعمل أستاذا للاقتصاد في "الجامعة الأميركية في بيروت" تغريدة شكا فيها همجية حكام لبنان وعنفهم الذي أوقع مئات الجرحى وتزامن مع اعتقال مئات الناشطين: "كما في الدول الأخرى المحيطة بنا، يتم ترك الناس وحدهم لمواجهة أنظمتهم الوحشية".

أجبت صديقي: "عندما يأتي العالم، أي الولايات المتحدة، لنجدتكم، تتحولون إلى التظاهر ضد تدخلها… حبذا لو تحددون بالضبط ما الذي تريدونه من أميركا، وإن أردتم تدخلا، فلا ضير من إظهار بعض الممنونية للأميركيين لتقديمهم يد العون".

في العقل العربي كابوس غير مبرر اسمه أميركا. ربما هي عقود من الخطاب القومي العربي، المستند إلى كسل فكري وتخلّف عن الإنتاج جعل العرب عالما منشغلا بالمسلسلات الرمضانية وببرامج الصراخ السياسي عبر الفضائيات، وجعل العرب عالما لا يكتب، ولا يقرأ، وجعله عالما تقتصر نقاشاته على شائعات فاقعة يتم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ونظريات مؤامرة خرافية يرددونها بلا خجل.

لا ضير من تعاون نخب العرب وإيران مع حكومات العالم الديمقراطية للتخلص من الطغيان والفساد

الفشل الذاتي غالبا ما يدفع أصحابه إلى إلقاء الملامة على الآخرين. وفي الحالة العربية، المسؤول عن مشاكل العرب هي إسرائيل، أو أميركا، أو الاثنين معا، مع إضافة الماسونية أو الفرس الصفويين إلى لائحة المتآمرين. هذه السطحية في تشخيص مكامن الفشل، واستنباط إمكانيات الحل، لا تقتصر على البسطاء والسذج، بل طالت النخبة، التي تبدو وكأنها تخلت عن دورها في تثقيف الأقل علما، بل صارت تستخدم علمها لتبرير النظريات الشعبية الخاطئة، ولتكريس خطاب معاداة الإمبريالية، واستخدامها كورقة تين لستر عورة الفشل المدقع الذي يغرق فيه العرب منذ قرون.

وحتى نشعل شمعة بدلا من أن نلعن الظلام، لا بد من محاولة تفسير معنى "المصالح الأميركية"، التي تدفع أميركا، من حين لآخر، للتدخل في شؤون هذه الدولة أو تلك.

بعدما تحول الاقتصاد الأميركي إلى الأكبر في العالم، مع بداية القرن الماضي، وبعدما أنقذت أميركا الديمقراطية في حربين كونيتين، ظهرت الولايات المتحدة كأقوى قوة اقتصادية وعسكرية بدلا من الإمبراطوريات الأوروبية التي سبقتها.

لكن على عكس الإمبراطوريات الأوروبية ذات المساحة الضيقة، لا تحتاج الولايات المتحدة، ذات المساحة والموارد الطبيعية الضخمة، لاحتلال أراض أجنبية والاستيلاء على مواردها لتغذية الصناعات الأميركية. حتى في الفترة التي احتاجت فيها أميركا نفط العرب، لم تسع للاستيلاء عليه، بل للحفاظ على تدفقه على السوق العالمية لضمان استقرار سعره، لأن ارتفاع السعر يؤذي الاقتصادات الصناعية، ومنها أميركا وأوروبا. وكان ذلك في السبعينيات.

منذ ذلك الوقت، اكتشفت السوق النفطية مصادر طاقة متنوعة، قسم كبير منها في القارة الأميركية، في فنزويلا (صاحبة أكبر احتياطي في العالم) والبرازيل والمكسيك، وعادت روسيا إلى السوق العالمية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتحولت الصين ودول آسيا إلى اقتصادات صناعية بحاجة للنفط والغاز، وصارت الحكومات المصدرة تستميت لبيع إنتاجها لتغذية موازناتها. وفي العقد الماضي، طوّرت أميركا تقنيات سمحت لها باستخراج مخزونات كانت عصية في الماضي، فتصدرت الولايات المتحدة دول العالم في إنتاج النفط والغاز.

لهذا السبب، لا لضعف القوة الأميركية، لم تعد لمنطقة الشرق الأوسط أهمية استراتيجية، ولم تعد الحروب تؤثر في سعر الطاقة العالمي: لا حرب ليبيا، ولا تهديد إيران بإغلاق الخليج، ولا هجوم طهران على حقول نفط سعودية.

وفي ظل الفقر الذي تعيش فيه معظم شعوب الشرق الأوسط، حتى الغنية منها بالطاقة مثل العراق وإيران، لا أسواق تدفع القوى العالمية للتسابق عليها، بل إن أميركا نفسها هي أكبر سوق في العالم، تستجدي دخوله كل دول العالم الأخرى، وفي طليعتها الصين، التي أتت إلى واشنطن زاحفة، ووافقت على تعديل اتفاقيات التجارة بين البلدين.

وبدون أهمية مواردها الأولية، ومع انعدام القدرة الشرائية لسكانها، لا أهمية تذكر لمعظم دول الشرق الأوسط، ما عدا تفصيل واحد يقلق أميركا منذ عقدين، وهو الإرهاب، الذي ينطلق من دول فاشلة، ضد أميركا وديمقراطيات العالم. لهذا السبب وحده ترابط قوات أميركية في الشرق الأوسط. ومع أن البعض يعتقد أن هذه القوات تحمي إسرائيل، لكن الأخيرة أثبتت أنها قادرة على ضرب أهداف إيرانية في عمق سوريا والعراق، بدون حاجة فعلية للقوة الأميركية.

وقد يكون ثاني من اكتشفوا انعدام أهمية الشرق الاوسط رئيس روسيا فلاديمير بوتين، الذي استولى على سوريا وأقام فيها بعض القواعد العسكرية. لكنها قواعد ضد من؟ وما فائدة سيطرة روسيا على دولة من الركام، مثل سوريا، لا موارد طبيعية فيها، ولا سوق استهلاكية، مع اقتصاد يواصل تهاويه؟

ربما حان وقت إعادة النظر في سذاجة "لا إيران ولا أميركا"

نقطة وحيدة قد تحرّك أميركا لاستخدام قوتها لدعم الحركات الشعبية المطالبة بالديمقراطية في إيران والعراق ولبنان هي أن الديمقراطية تنهي ظاهرة الدول الفاشلة، مثل العراق ولبنان، وهو ما يسمح بسحب القوات الأميركية ومحاربة الإرهاب بتكاليف أقل بكثير.

ثم أن في العقل الاميركي تماهي بين ثورات العالم المطالبة بالحرية وثورة الولايات المتحدة التي أقامت ديمقراطية مستقلة عن ملك بريطانيا، قبل قرنين ونصف، وهي ثورة لم تكن لتنجح لولا تصميم الأميركيين ودعم القوى العالمية المنافسة لبريطانيا، مثل فرنسا وإسبانيا وغيرها.

لا ضير من تعاون نخب العرب وإيران مع حكومات العالم الديمقراطية للتخلص من الطغيان والفساد. والتعاون لا يعني ارتهانا ولا تطابقا في المواقف مع أميركا، وهذه ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية تستضيف قواعد عسكرية أميركية، وتتفق مع أميركا على التمسك بالديمقراطية، لكنها تتنافس معها سياسيا واقتصاديا.

ربما حان وقت إعادة النظر في سذاجة "لا إيران ولا أميركا"، وحان وقت تقديم النخب العربية والإيرانية صورة واضحة عن نيتها الانضمام لمجموعة الدول الديمقراطية حول العالم، التي قد تأتي لإنقاذ طالبي الديمقراطية، وإقامة علاقات طيبة مع الحكومات التي سيبنونها مستقبلا.

اقرأ للكاتب أيضا: كيف أطاح أوباما باستقرار الشرق الأوسط؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

 

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.