-1-

على الأرجح ستسقط "فرصة القرن" كما يسميها الإسرائيليون أو "صفقة القرن" كما يسميها الفلسطينيون.

الأسباب التي ترجّح السقوط كثيرة أهمها أن القيادات الفلسطينية ـ وهي منقسمة ومتناحرة ومتقاتلة ـ أضعف من السير بأي اتجاه "تسووي"، فيما الدول المعنية بفلسطين نوعان، أولهما "استغلالي"، أي أنه يتخذ من المواقف الجذرية المتصلة بفلسطين وإسرائيل، غطاء لبسط هيمنته على الدول العربية التي يتسلّل إليها، وثانيهما، "خائف"، أي أنه يفضّل أن يبعد عنه شبح التماهي مع الموقف الأميركي، بما يتصل بالملف الفلسطيني، حتى لا يوقظ "الخلايا" التي يمكن أن تقض عروشه.

إذن، التصور الأميركي لحل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، سيبقى، وفق المعطيات الحالية مجرد تصوّر، فيما سيعتلي "الغارقون في غرام فلسطين" منابر المزايدة والتحدّي والتهديد.

ولكن "جبهة الصمود والتحدي" هذه ستحاول أن تمنع البصيرة من أن تُمعِن النظر في معاني إقدام الإدارة الأميركية على طرح هذا التصوّر الذي تصفه بأنه تصفية للقضية الفلسطينية.

لن تصل فلسطين إلى ضفة آمنة إن لم يقو فيها التيار الذي يرفع عاليا لواء "فلسطين أولا"

في الأدبيات الأميركية أن هذا التصوّر، الذي قدمه الرئيس دونالد ترامب، هو تصوّر "واقعي" يستند إلى "موازين القوى"، أي أن الأقوى يأخذ والأضعف يؤخذ منه.

أمام هذا المعطى، تبرز أسئلة كثيرة عن مصير الشعارات الرنّانة التي لا يتوقف "محور الممانعة" عن تردادها، لجهة تأكيد امتلاكه القدرة اللازمة على "محو إسرائيل" التي هي "أوهن من بيت العنكبوت"، إذ كيف يُعقل، والحالة هذه، أن تقدم واشنطن التي تخشى على إسرائيل، على اعتماد تصوّر "ظالم" من شأنه أن يثير غضب "الغارقين في عشق فلسطين" الذين لديهم "فيلق القدس" بفروعه اللبنانية والسورية والعراقية، خصوصا وأن هذا "الفيلق" ينتظر الفرصة السانحة للرد المزلزل على اغتيال قائده الجنرال قاسم سليماني؟

-2-

إن لبنان، من خلال اللاجئين الفلسطينيين، معني بـ"صفقة العصر" التي يمكنها أن تكون أحد أوسع الأبواب للتوطين المحظور دستوريا.

ومن الطبيعي أن يكون لبنان، في هذه الحالة، في مقدّم الدول الرافضة للمقاربة الأميركية "السلمية".

ومن البديهي أن يكون لبنان الذي أمضى عقودا من الزمن يحذّر من "مؤامرة التوطين" قد استعد لمواجهة اللحظات الحاسمة.

وفي سياق هذا الاستعداد، لم يترك لبنان وسيلة إلا واعتمدها لتحصين نفسه ومؤسساته وشعبه.

وفي هذا الإطار، قام المسؤولون اللبنانيون، بكل ما يلزم حتى يكون صوتهم مسموعا ومحترما، في المنتديات العالمية وفي المنظمات الدولية.

وعلى هذا الأساس، جرى تحصين الدولة فانتهت الدويلات، وعمّ الإصلاح مؤسساته فاقتلع الفساد، وجرى تفعيل صوت الناس فتصلّبت ديموقراطيته، وسهر الجميع على صيانة وظائفه الرائدة، فازدهرت مصارفه وتألّقت سياحته، وحرّر نفسه من الحاجة إلى أي مساعدة خارجية، فلم تعد أي دولة، مهما كانت عظيمة، تملك القدرة على أن تضغط عليه، وتصدّر الاهتمام بالوحدة الوطنية كل الأجندات، فخسر "المتآمرون" فرصة التسلل إليه من خلال التصدّعات.

الدول المعنية بفلسطين نوعان، أولهما "استغلالي"، وثانيهما "خائف"

ولهذا، فإن لبنان الذي انتقل من العصر السوري الذهبي إلى العصر الإيراني الألماسي، قادر على المواجهة، فهو محصّن إقليميا، وهو محترم دوليا، وهو يملك ما يكفي من الموارد الذاتية التي تحميه من ويلات "لعبة الأمم".

ويكفي أن يلقي المراقبون نظرة سريعة على مواقف مسؤوليه المحصنين بثقة المواطنين، وعلى تغريدات "ممانعيه" المتألقين بإنجازات قلّ نظيرها، وعلى ما يقال من على منابره المحمية بصدقية عالية حيث تتواءم الأقوال مع الأفعال، حتى يدرك هؤلاء المراقبون أن أحدا لا يستطيع أن يُلوي يد "بلاد الأرز" ويمرر "مؤامراته الشيطانية" على شعب مطمئن لغده وراض بحاضره.

وما يصح على لبنان، يصح على كل دول الممانعة، بدءا بسوريا التي استفادت من ديكتاتورية مزمنة حتى ترسي نظام البحبوحة والعدل والتطور، مرورا بالعراق الذي استفاد من إمكاناته المذهلة حتى يلحق بركاب العمالقة، وصولا إلى إيران التي كانت، ومن أجل فلسطين، قد تخلّت عن أحلام الطغيان على الإقليم، من أجل أن يحين يوم التصدي والتحرير.

-3-

مسكينة فلسطين.

قضيتها تخسر ميدانيا كل يوم، على الرغم من محاولات نصرتها.

حاولت كل شيء: الحرب من جبهات بديلة. الحرب من جبهات داخلية. تفخيخ شبابها وشاباتها. مؤتمرات سلام. مبادرات سلام. غصن الزيتون في يد والبندقية في يد أخرى.

كل شيء لم يوصل إلى نتيجة. دائما كان هناك من يدخل على الخط لينتزع منها المبادرة. المزايدات أضعفتها ورمتها ضحية على قارعة صراعات السلطة وصراعات النفوذ وصراعات الهيمنة.

لن تصل فلسطين إلى ضفة آمنة إن لم يقو فيها التيار الذي يرفع عاليا لواء "فلسطين أولا".

هي الضحية الأولى والدول الأخرى ضحايا لحقتها بسبب النهج نفسه. لبنان، سوريا، اليمن والعراق، لم تعد أفضل من فلسطين.

مخيفة "صفقة القرن". هي لم تطرح لتطبّق، بل لتكشف مأساة شعوب يقتلها دوي الشعارات... الفارغة.

في العمق هي "صفعة القرن".

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.