لا يمكن تخيل انحرافات في مسار الديمقراطية العراقية، العرجاء أساسا، كتلك التي كشفتها مفاوضات اختيار رئيس حكومة انتقالي يمهد للانتخابات المقبلة وعلى عاتقه، حسب المعلن، تشكيل حكومة مستقلة عن الأحزاب، تواجه المليشيات التي استولت على القرار الأمني ومارست أعمال القتل والاختطاف والترويع بحق المتظاهرين السلميين.

فمنذ إعلان رئيس الحكومة السابق عادل عبد المهدي استقالته، كشفت القوى السياسية عن حقيقة انفصالها عن الواقع وتشبثها بمعايير تقاسم المصالح أو الحفاظ على ما حققته من حكومة عبد المهدي عبر سلسلة من الأسماء المرتبطة بها، والموقعة مسبقا على تعهدات بحفظ مكاسب الأحزاب وحصصها من صفقات الدولة وعقودها والموظفين والمقاتلين الوهميين فيها.

كان من الواضح أن نحو 26 ألف قتيل وجريح سقطوا في ساحات التظاهر، هم بلا قيمة فعلية في حسابات زعماء الأحزاب، الذين تقمصوا مجالس زعماء المافيا في التعاطي مع قضية يفترض أن تكون دستورية من جهة، ومراعية للظرف العام وحالة الاضطراب الداخلية والمخاطر الخارجية المحدقة التي تواجه العراق من جهة أخرى.

الشرط الأبرز يتعلق بالحفاظ على منظومة الحشد الشعبي من دون تغيير

كما كان من الطبيعي بعد تصاعد الغضب الشعبي حول تغوّل النفوذ السياسي الإيراني في العراق وتداخل مؤسسة الحرس الثوري الإسلامي في تحديد خيارات العراق السياسية وتحديد قياداته ومنطلقاته وجره إلى سياسية المحاور، أن تتراجع طهران ـ الثورة خطوة إلى الوراء في تدخلها المكشوف بقضية اختيار رئيس الحكومة الانتقالي لصالح تقليل الخسائر الاستراتيجية التي منيت بها عندما حولت شيعة العراق قبل سنتهم وكردهم إلى ناقمين على سياساتها.

كل هذا لم يحصل، وكان متوقعا أن لا يحصل لدى المطلعين على المنزلق الذي وصل إليه العراق أخيرا؛ وهذا خبر جيد على أية حال، لأن عجز خاطفي الدولة في العراق من أحزاب ومليشيات ومن خلفهم منظومة الثورة في إيران عن تبني رؤية براغماتية للتراجع عن توجيه الضربات للدولة العراقية المترنحة، وإعادة بناء الاستراتيجيات استعدادا للانتخابات المقبلة كان أمرا طبيعيا. إذ لا يمكن توقع أن يهتم بمصير الدولة، من تتشكل عقيدته السياسية والأيديولوجية على الولاء المطلق للخارج ونبذ مفهوم الدولة الوطنية، بل والعمل على تدمير أي نموذج ناجح للدولة في العراق وبالذات إذا كان من يقودها الشيعة المعتدلون.

ربما كانت مؤسسات إيران الرسمية في هذه المرحلة أكثر تقبلا لفكرة منح المجموعات السياسية في العراق هامشا أكبر للحركة، عما كان الأمر عليه سابقا، تحت ضغط الصراعات الداخلية بين مفهومي الدولة والثورة في إيران، والأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية المتراكمة، وخصوصا بعد غياب قائد فيلق القدس، والمسؤول عن ضبط إيقاع السياسيين العراقيين، قاسم سليماني.

لكن المجموعات السياسية في العراق خصوصا تلك المرتبطة بإيران، والتي بشكل أو آخر ورطت طهران بهذا العداء العراقي الشعبي المستحكم لها، كانت أكثر تطرفا في مواجهة التطورات العراقية. فمع أن الحديث يجري عن حكومة قد لا يزيد عمرها عن عام واحد، تكون مهمتها الإعداد للانتخابات المقبلة، فإن هذه الحكومة تحولت إلى مسألة حياة أو موت بالنسبة للقوى المهيمنة على الدولة.

بعض قيادات هذه القوى أعلنت، نتيجة لارتباكها، شروطا تكشف بعض الحقائق الغائبة، منها اشتراط تمسك رئيس الحكومة الانتقالي بصفقة الصين الغامضة، وهي صفقة لا يمكن فهمها لأنها تفتقر إلى الشفافية، ولأن بعض الموقعين عليها أنفسهم من وزراء لا يعلمون بنودها.

ومع أن فإن قائمة الشروط المعلنة طويلة، وغير المعلن منها والذي يتعلق بالحفاظ على هيمنة المليشيات والمكاتب الاقتصادية على عقود الدولة وهو الأمر الذي تفاقم في ظل حكومة عبد المهدي الأخيرة، فإن الشرط الأبرز يتعلق بالحفاظ على منظومة الحشد الشعبي من دون تغيير تحت بند الخوف من مؤامرة أميركية للقضاء على هذه المنظومة.

الجدير ذكره، أن الجزء الأساسي من انتفاضة العراقيين الأخيرة، جاء على خلفية الرغبة بتخليص الدولة من سطوة المليشيات، وهي السطوة التي تعاظمت في ظل الارتباك في تعريف حدود وصلاحيات مجموعات الحشد الشعبي وتسليحها وهيكلية قياداتها، خصوصا أن الربط بين الحشد ومستشارية الأمن الوطني برئيس واحد اعتبر مدخلا لتهديد الأمن العراقي.

أضف إلى ذلك اشتراط هذه القوى عمل رئيس الوزراء المؤقت على إخراج قوات التحالف الدولي من العراق تطبيقا لقرار البرلمان الأخير، وهي القضية المختلف عليها داخليا. وفي هذا السياق جاء موقف مرجعية السيد علي السيستاني في رسالة الجمعة، ليحسم الأمر عبر سحب حق اتخاذ قرارات تخص مستقبل العراق من البرلمان الحالي أو الحكومة الانتقالية، ووضع الأمر برمته بمسؤولية البرلمان الناتج عن الانتخابات المقبلة والحكومة التي سوف تتمخض عنها، وهو موقف منسجم مع مخرجات ساحات الاحتجاج.

الجزء الأساسي من انتفاضة العراقيين الأخيرة، جاء على خلفية الرغبة بتخليص الدولة من سطوة المليشيات

لكن العامل الأكثر حساسية لدى هذه القوى السياسية وغيرها، كان وما زال متعلقا بإمكانية أن تقود حكومة نزيهة بعيدة عن سطوة القوى الحزبية التي أدمنت تزوير الانتخابات والتلاعب بنتائجها، إلى إنتاج بيئة انتخابية سليمة بإشراف دولي، تضعها في حجمها الطبيعي، وتعيد إنتاج الأولويات الوطنية عبر تيارات سياسية أكثر التصاقا بالشارع، وأكثر تعبيرا عن إرادته.

ولهذا، كان من الطبيعي أن يتأخر تشكيل الحكومة الانتقالية كل هذا الوقت، ومن البديهي أيضا، أن تستعر حملة الاغتيالات والاختطافات والتنكيل بالمتظاهرين والناشطين والإعلاميين والمثقفين العراقيين، لأن القادم خطر.

الخطر هنا لا يطال شعب العراق وطليعته الثائرة، فالشعب اختبر بشجاعة كبيرة خلال الشهور الأخيرة أقسى أنواع البطش، وأثبت أنه لن يتراجع عن مطالبه باستعادة الدولة من خاطفيها، ولكنه خطر على مستقبل القوى السياسية التي شيدت وجودها عبر الترهيب والتزوير والتلاعب بالمشاعر والمخاوف، وهذا موسم قد مضى، وثمة موسم قادم للقوى الوطنية العراقية للتقدم لاحتلال مكانها الطبيعي كممثلة للشعب عبر صناديق اقتراع عادلة ونزيهة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.