لم يراود قادة إسرائيل، حتى في أكثر أحلامهم وردية وسعادة، أن تأتي إدارة أميركية يوما، وتصوغ باسمهم ونيابة عنهم، مبادرة سياسية لحل صراعهم المزمن مع الفلسطينيين، تشتمل على كل هذه "الأعطيات" و"المكارم"... لم يخالج اليمين الإسرائيلي يوما الشعور بأن ما كان يسعى لتنفيذه طوال عقود من الصراع المرير، سيأتي "فريق رئاسي أميركي" ويضعه تحت أقدامهم، وعلى طبق من الفضة.

أما الفلسطينيون، الذين اعتادوا طوال تاريخ كفاحهم من أجل الحرية والاستقلال على الاصطدام بالمواقف الأميركية المنحازة لإسرائيل، فقد واجهوا "صدمة مضاعفة" هذه المرة: الإدارة الأميركية تنحاز بالكامل لليمين الإسرائيلي المتطرف، وتتبنى روايته من دون تمحيص أو حذر أو تحفظ، وتطلق مشروعا مصمما في جوهره ومضمونه، لتصفية قضيتهم الوطنية، وتهديم أركان مشروعهم الوطني الثلاثة: العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

من تابع الخطاب السياسي و"العقائدي" لليمين الحاكم في إسرائيل كان يدرك تمام الإدراك أنه يعيش نشوة "انتصار استراتيجي" على العرب والفلسطينيين، وأن تصوراته للحل النهائي لصراع المئة عام على "فلسطين التاريخية"، كانت تعكس هذه النشوة، فقانون "قومية الدولة" الذي أقره الكنيست، تحدث عن حق اليهود وحدهم في تقرير المصير في المنطقة الممتدة من النهر إلى البحر، وأن بقايا السكان الآخرين، لا يمكنهم أن يمارسوا حقا مماثلا، وإن جاز لهم أن يتمتعوا بحقوق مدنية.

أما الفلسطينيون، فقد كان الكشف عن "صفقة القرن" لحظة "كي الوعي" بالنسبة لكثيرين منهم

"صفقة القرن" جاءت لتنقل هذه الأحلام، إلى خطط وبرامج وخرائط وجداول زمنية، بالضد من الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ومرجعيات عملية السلام والاتفاقات المبرمة، والأهم بالضد من مواقف وسياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة، وبما لم تفكر به نسبة "وازنة" من الإسرائيليين أنفسهم، من خارج معسكر المتطرفين دينيا وقوميا.

فـ"الدولة" التي تقترحها "الصفقة" على الفلسطينيين، ليست دولة على الإطلاق، ولا تلتقي أو تتطابق أو تنسجم، مع كل ما انتهت إليه المعرفة البشرية حول "مفهوم الدولة"... فهي عبارة عن "أرخبيل" من عشرات الجزر المعزولة، متواصلة جغرافيا كما قال الرئيس ترامب، ولكن عبر عشرات الجسور والأنفاق، وهي مبثوثة كالبثور تحت جلد إسرائيل، ولا تواصل جغرافيا مع عمقها العربي الشرقي: الأردن بعد "منح" منطقة الأغوار الفلسطينية وشمال البحر الميت المحتلة لـ"السيادة الإسرائيلية".

دولة لا سلطة لها ولا سيادة على حدودها ومعابرها وأجوائها ومياهها الإقليمية، لا سلطة لها على ثرواتها الطبيعية، بعد أن يتم ضم المناطق الغنية بها لإسرائيل... دولة لا تبرم معاهدات ولا اتفاقات دولية، ويحظر عليها إقامة ميناء أو مطار إلا بعد أن تظهر حسن سيرة وسلوك، وفوق جزيرة صناعية تنشأ لهذا الغرض في عرض بحر غزة.

دولة يعتمد ترسيم حدودها النهائية على شهادة حسن سلوك من أعدائها، يعرف واضعوا الخطة أنها لن تصدر أبدا... فإن أحسن الفلسطينيون التصرف يمكنهم الحصول على 70 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وإن أساءوا السلوك تقلصت هذه المساحة وفقدت الفرصة في الحصول على الأراضي المستقطعة من صحراء النقب، كتعويض عن خسارتها لأراضي المنطقة "ج".

دولة تقوم على "تبادل الأراضي" جنوبا، لتوسيع قطاع غزة، وتبادل السكان شمالا، لتخليص إسرائيل من عشرات الألوف من مواطنيها العرب الإسرائيليين المقيمين في قرى المثلث... دولة مفصلة على مقاس نظام "الأبارتيد" و"الفصل العنصري"، الذي بات الصيغة المعتمدة للحل النهائي بإجماع اليمين الديني والقومي في إسرائيل، ومصادقة من إدارة الرئيس دونالد ترامب وخطته المعروفة بـ"صفقة القرن".

أما عن القدس، العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل، فحدّث ولا حرج... هنا ليس الفلسطينيون وحدهم ضحايا الصفقة بل الأردن والعرب والمسلمون فالمدينة استقرت في الوعي الجمعي العربي ـ الفلسطيني ـ الإسلامي، ومنذ أزيد من أربعة عشرا قرنا من الزمان، بوصفها ثالث أقدس المدن عن المسلمين، ومهوى أفئدة أكثر من مليار ونصف مليار مسلم في العام... لقد تجاهلت إدارة الرئيس ترامب، ما سبق للعالم برمته، أن أدرك أهميته وحساسيته، فقوضت أي ترتيب خاص للمدينة أو مقدساتها، ونقلتها بكل من فيها وما فيها، هدية على طبق من فضة، لعتاة اليمين الديني والقومي في إسرائيل.

واشنطن تراهن بلا شك، على حالة الضعف والتخاذل التي تميز مواقف أنظمة وحكومات عربية وإسلامية، وعلى نوايا واستعدادات بعض القادة العرب على التساوق مع مسعى الإدارة لغلق هذا الملف الشائك... لكن رهانات كهذه هي بكل تأكيد، رهانات قصيرة النظر، قد تصمد لبضعة سنوات أو حتى لبضعة عقود، لكن المؤكد أنها لن تؤسس لسلام واستقرار دائمين، بل ترسي حجر الأساس لمئوية جديدة من الصراع الفلسطيني (العربي) الإسرائيلي.

واشنطن، وعلى لسان أكثر من مسؤول رفيع فيها، راهنت وتراهن على أن "القيامة لم تقم" و"السماء لم تنطبق على الأرض" بعد الاعتراف بضم القدس ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها... وربما يتابع هؤلاء المسؤولون بكثير من الارتياح، ردود الأفعال المتواضعة حتى الآن، رسميا وشعبيا على صفقة القرن...

لكن هذا الرهان هو أيضا من النوع قصير النظر... فسوف تدخل المسألة الفلسطينية في لائحة الحسابات التي سيتعين تسويتها بين الشعوب العربية وحكامها، إلى جانب عشرات القضايا التي ستحاكم شعوب المنطقة حكامها وحكوماتها عليها في سياقات الربيع العربي بموجاته المتعاقبة.

وثمة ما يشي بأن "صفقة القرن" قد تتحول إلى "صدمة القرن" بالنسبة لشعوب المنطقة وقواها الاجتماعية والوطنية والمدنية المختلفة، بدءا بالشعب الفلسطيني، وقد يعاد من جديد تجديد أواصر الارتباط بين النضال الوطني والتحرري لهذه الشعوب، بكفاحها من أجل الحرية والديمقراطية، بعد أن جرى "فك الارتباط" بين هذين المسارين... ونشهد اليوم في شوارع بغداد وتونس وبيروت وعمان، حراكات وهتافات وشعارات، تنبئ بإمكانية دخول ثورات الربيع العربي على مسارات جديدة.

سوف تدخل المسألة الفلسطينية في لائحة الحسابات التي سيتعين تسويتها بين الشعوب العربية وحكامها

أما الفلسطينيون أنفسهم، فقد كان الكشف عن "صفقة القرن" لحظة "كي الوعي" بالنسبة لكثيرين منهم، بعد أن أدركوا أن قضيتهم الوطنية قد دخلت مرحلة استراتيجية جديدة، لم تعد تنفع معها أدواتهم وأساليبهم القديمة... سبعة ملايين فلسطيني على أرض فلسطيني التاريخية، يعادلون نصف سكانها اليوم، باتوا يدركون أكثر من أي وقت أن معركتهم ضد نظام الفصل العنصري، هي معركة واحدة، وإن تعددت ساحاتها، وأن الخطوط الخضراء والحمراء التي كانت تفصل تجمعاتهم المختلفة، في طريقها للذوبان والإمحاء.

والمؤكد أن ستة ملايين لاجئ فلسطيني، تركتهم "صفقة القرن" لخيار "الترك والنسيان"، من دون اعتراف بأي من حقوقهم، لا في العودة ولا في التعويض، سيتحولون إلى وقود لموجات جديدة من العمل الوطني الفلسطيني، تذكر بدورهم "التأسيسي" في الحركة الوطنية المعاصرة عند انطلاق الثورة الفلسطينية في أواسط ستينيات القرن الفائت.

صفقة القرن التي قيل فيها إنها "مبادرة إبداعية" وغير مسبوقة، وأنها "عرض لن يستطيع أحد رفضه"، أعادت عملية سلام الشرق الأوسط إلى المربع الأول، ودشنت مرحلة جديدة من الصراع بدل الاستقرار، وهي تؤذن بجرف شعوب أخرى، غير الفلسطينيين إلى أتون هذا الصراع، بعد أن استشعرت بعض دول الجوار كالأردن ولبنان، أنها "التالية" في قائمة ضحايا هذه الصفقة والمستهدفين بها.

Demonstrators hold signs as they protest the death of George Floyd at the hands of Minneapolis Police in Washington, D.C. on…
متظاهرون ضد مقتل مقتل جورج فلويد في العاصمة الأميركية واشنطن

كلما اندلعت أحداث عامة في الولايات المتحدة، شبيهة بالجريمة المُرتكبة بحق المواطن جورج فلويد، وما تبعها من تحركات داخلية منددة وصاخبة، تنبعث في منطقتنا أشكال من "النقد" البائس لـ"أميركا"، باعتبارها وحدة ثقافية وسياسية واقتصادية، وكونها بذاتها الكلية رمزا ومركزا وتعبيرا للـ"الشر" المطلق، الملبس بالكثير من أثواب البهاء الزائفة، حسب نقدنا البائس ذاك.

لا ينبع ذلك الفيض من الانفعالات البافلوفية السياسية والثقافية والإعلامية والاجتماعية التي نُصدرها كل مرة عن الولايات المتحدة، لا ينبع من مركز أو بنية أو جهاز أو سلطة بعينها، واعية وموجهة لتلك الانفعالات، بل يكاد ذلك التدفق، لشدة انتشاره وآليات تفاعله المعقدة، يكاد أن يكون بمثابة بنية تحتية صلبة للحياة العامة في منطقتنا، متفق عليها بين مختلف مستويات الفاعلين، السياسيين والثقافيين والمجتمعيين والأيديولوجيين، المجمعين بعمومهم، والجاهزين على الدوام، للجموح في نعت ونقد ووصف أميركا بكل سمات "الشر".

لا يتعلق الأمر بطبيعة الأشياء والأحداث والتوازنات في داخل الولايات المتحدة، حيث يمكن العثور على مئات الملاحظات والخطايا في ديناميكيات الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية الأميركية، وحيث أن الأميركيين كانوا من أكثر المجتمعات العالمية نقدا ومعارضة لأشكال الخلل والهشاشة في أنظمتهم العامة، وشيدوا طوال القرنين الماضيين التجربة العالمية الأكثر ثراء وحيوية وقابلية لـ"تجاوز الذات"، والتي ما تزال تنادي كل يوم بأنه ثمة الكثير الكثير الذي ما يزال يجب فعله، بشهادة ردود الفعل الشعبية والثقافية والسياسية الأميركية على الحادثة الأخيرة.

إن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث

الحكاية في مكان آخر تماما، في أن أغلبية واضحة من مختلف القوى السلطوية والسياسية والثقافية والأيديولوجية، وحتى المجتمعية، في منطقتنا، التي تشمل العالم العربي مع تركيا وإيران وبعض المناطق الأخرى من العالم الإسلامي، قد رسمت وراكمت منذ أواسط ستينيات القرن المنصرم صورة "منمذجة" عن الولايات المتحدة في مخيلتها العامة، على اعتبارها الآخر والنقيض المطلق لذاتنا الجمعية، الثقافية والسياسية والمجتمعية، في هذه المنطقة. رسمتها كونها حاجة ملحة وحيوية، لازمة لتشييد الكثير من التفاصيل والتوازنات داخل بلداننا.

لعبت تلك الصورة المصطنعة عن الولايات المتحدة أدوارا شديدة الحيوية، تمكنت عبرها مختلف مستويات الفعل العام في مناطقتنا من استغلالها لصالح شرعنة وتمتين مواقعها ومصالحها، وصياغة سلطتها ونفوذها داخل مجتمعاتها وبلدانها. حتى أن الكثير منها ترسم صورتها وكيانها الداخلي بناء واعتبرا لمناقضة هذه الـ"أميركا" المتخيلة.

♦♦♦

ثمة أربعة مستويات واضحة المعالم في ذلك الاتجاه، يتضح في كل واحدة منها آلية الفاعلية والانتاجية الداخلية لذلك التهافت على نقد أميركا.

سياسيا، يسعى ذلك النقد لأن يقول إن التجربة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة مجرد "كذبة"، وإنه على العكس مما يُروج عن الحياة السياسية في الولايات المتحدة، التي تجمع رزمة من القيم والأعراف والمبادئ الحداثوية، فإن الحياة السياسية الداخلية فيها شديدة القتامة.

يسعى هؤلاء المروجون لقول ما هو أبعد من هذه المباشرة بكثير، للقول إنه طالما أميركا هي كذلك، فإن مجموع القيم السياسية التي ترفعها عن حياتها السياسية، إنما هي بحد ذاتها "مجرد كذبة". وبالتالي فإن الديمقراطية والحريات العامة ومنظومة حقوق الإنسان وسيادة القانون وفصل السلطات...إلخ، هي فقط مجموعة من الأكاذيب. وبالتالي، فأنه على مجتمعات منطقتنا أن لا توالي أو تثق بتلك القيم السياسية، وبالتالي أن تتنازل عن أية مطالب في ذلك الاتجاه.

لم تعش القوى والشخصيات والدعوات المطلبية بتلك المبادئ والقيم في منقطتنا ابتزازا وتعنيفا وزجرا، طوال تجربتها المريرة مع السلطات الشمولية، مثلما عاشته من قهر ناتج عن الربط المحكم الذي فعلته السلطات الشمولية بين "أميركا الشريرة" وبين مطالب تلك القوى والشخصيات، وبالتالي شرعنت وفتحت الباب أمام محقهم مطلقا.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة. لأنها كانت ترفع عنهم عبئا ثقيلا، متمثلا بأن حقيقة الفعل السياسي والحزبي يجب أن يتمثل أولا ودائما في النضال الحقيقي واليومي والدؤوب في الداخل، في الاعتراف بصراعات القوى السياسية وتناقضات البنى الاجتماعية في داخل البلاد، وبالتالي وجوب الكفاح الدائم في سبيل تفكيك وإعادة تركيب كل ذلك.

روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية

في ظلال عقود طويلة من الكساد السياسي الطويل، في دول ذات أنظمة شمولية مطلقة، كانت الصورة المصطنعة عن أميركا ترفع عن كاهل القوى الأيديولوجية كل ذلك الواجب الثقيل، تُجبر خاطرهم بأنه ثمة نضال ما أكثر وجاهة وفاعلية وأخلاقية من الاعتراف بحقائق الداخل والنضال في سبيل الدفاع عن ضعفائه ومهمشيه، يتمثل في "مواجهة أميركا"، وعلى مستوى العالم.

أنتجت الأحزاب والتيارات الشيوعية والقومية والدينية والمذهبية والإقليمية في منطقتنا ملايين الأطنان من الكتابات السياسية والأيديولوجية التقريعية بحق أميركا، كانت ألف ضعف أو أكثر مما أنتجته حول الفظاعات الموجودة والمتراكمة في دواخل بلدانها، حيث مهمتها الجوهرية، وربما الوحيدة. وحيث أنه يبدو واضحا بأن الفعل الأول كان اصطناعا وتشاغلا سخيفا، لتغطية سوء الجدارة الأخلاقية والوجدانية والتنظيمية والمعرفية والسياسية لممارسة الفعل الثاني.

ثقافيا، كان نقدنا لأميركا يقوم على دعامتين متكاتفتين، تقوم كل واحدة منها بإنتاج داخلي زاخر في بلدننا.

تقول الدعامة الأولى: أن أنماط العنف والمحق والإبادة والفاشية والعنصرية إنما منتجات التاريخ الأميركي فحسب، وهي ما تزال أساسية وجوهرية في الحياة العامة في ذلك البلد.

بغض النظر عن مدى صحة ذلك، وعن الجزء المغيب من تلك الحكاية، المتمثل بملحمة النضالات الأميركية النبيلة في الاعتراف وتجاوز كل ذلك، فإن هذه الدعامة إنما تستميت في سبيل رفع كل تلك السمات عنا نحن، عن ماضينا حاضرنا. بالقول بأن كل ذلك إنما هو "حقيقة" أميركا، التي تريد أن تلبسها لنا نحن زورا!

شُيدت أواصر تلك الدعامة لتفعل شيئا كثير الحيوية في كل تفصيل من علاقتنا من ذواتنا وتاريخينا وهوياتنا الجمعية، لتقول بصراحة وفجاجة إن الإبادة الأرمنية المريعة لم تجرِ، وإن اليونانيين لم يتم ترحيلهم من مدنهم ومناطقهم، وإن المحق السياسي والرمزي الذي يطال الأكراد مجرد كذبة كبرى، وإن تاريخ النبذ والكراهية والفوقية بين جماعاتنا الأهلية مجرد حكاية مختلقة، وإن الذكورية والمركزية والعنف ليست من بواطن أدبيات ومنتجات ثقافتنا السياسية والمجتمعية والأيديولوجية. أن تقول الكثير من مثل ذلك، مما يمنحنا موقع البراءة والمظلومية، وأن تدفع جميع تلك السمات، لأن تكون فقط هوية الآخر فحسب، أميركا.

تذهب الدعامة الثقافية الأخرى في نقدنا لأميركا للقول بأن جوهر الصراع في الداخل الأميركي عرقي وهوياتي، قائم على معادة وتحطيم القوى المجتمعية والهوياتية الأكثر ضعفا وهشاشة في الداخل الأميركي، الذين يتنوعون بين السكان الأصليين أو السود أو المسلمين، أو حتى الإسبان والآسيويين.

يسعى ذلك الإنتاج الثقافي لصناعة أواصر زائفة بيننا وبين تلك الجماعات الأميركية، بأسلوب مليء بالعرقية الثقافية. يقول بوضوح بأن ما يجمعنا مع أبناء تلك الجماعات الأميركية هو التعرض لظلم ذوي البشرة البيضاء! وبالتالي القول بوضوح أكثر بأن خلافاتنا السياسية وتبايناتنا الثقافية مع الولايات المتحدة غير متأتية من كوننا بدورنا نتمركز حول بعض المواقف والقيم والخيارات غير المناسبة للتكاملية العالمية، بل لأن أميركا التي تمثلها "الأغلبية البيضاء" هي كذلك مع كل أحد، بما في ذلك أبناء الجماعات العرقية في الداخل الأميركي. لذا فإن المشكلة هي في البنية التأسيسية لهذه الـ"أميركا"، وليست أبدا فينا نحن.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة

أخيرا، فإن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث، ذلك الكل الذي لم نتمكن من تحقيق البعض القليل منه.

كانت الحكاية/الدعاية المجتمعية الكبرى التي بحوزتنا عن المجتمع الأميركي تحاجج بأن كامل الخيارات الليبرالية والحريات الشخصية وسلطة الفرد على سلوكه وحقه الكامل في جسده والمساواة الجندرية والحق المطلق في حرية التعبير، بأنها بكاملها لم تغير من حقيقة العنف والكراهية والاستغلال والعنصرية التي تغطي المشهد المجتمعي الأميركي، حسب تلك الحكاية/الدعاية التي لنا عن أميركا.

دون أي سعي لدحض شبه المطلق لتلك الرواية المجتمعية في مخيلتنا العامة عن أميركا، وهو شيء سهل المنال، فإن هذه الرواية إنما تتقصد القول بأن كل تلك القيم والمناقب التي جربتها وتجربها المجتمعات الأميركية، من ليبرالية وحريات شخصية ومساواة في الحقوق الجندرية...إلخ، إنما بحد ذاتها مجرد هباء، بدليل أن المجتمع الأميركي أباحها كلها، ولم يستحصل إلا على مزيد من العنف والاستغلال والكراهية. وبالتي، فإن روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تجمع كل ما يناقض تلك القيم المجتمعية، تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية...إلخ، جنان القوى المحافظة، التي تمهد عبرها لكل أشكال نكوصنا وتخلفنا عن حركة التاريخ والحياة.

الدافع الأعظم لما يصدر عن مجتمعاتنا ودولنا وقوانا السياسية وتياراتنا الثقافية والأيديولوجية من نقد وزجر لـ"أميركا"، أثناء التفاعل مع الأحداث الداخلية في ذلك البلد، لا يصدر عن نية ووعي بالهوية العالمية لنا، وبالتالي حقنا المطلق في تناول كل تفصيل لأي حدث، أينما كان يجري على صخرة العالم، بل هو الحاجة المُلحة للكثير من قوانا الفاعلة لمثل ذلك النقد الزاجر، وهذا مصدر بؤسها.