لم يراود قادة إسرائيل، حتى في أكثر أحلامهم وردية وسعادة، أن تأتي إدارة أميركية يوما، وتصوغ باسمهم ونيابة عنهم، مبادرة سياسية لحل صراعهم المزمن مع الفلسطينيين، تشتمل على كل هذه "الأعطيات" و"المكارم"... لم يخالج اليمين الإسرائيلي يوما الشعور بأن ما كان يسعى لتنفيذه طوال عقود من الصراع المرير، سيأتي "فريق رئاسي أميركي" ويضعه تحت أقدامهم، وعلى طبق من الفضة.

أما الفلسطينيون، الذين اعتادوا طوال تاريخ كفاحهم من أجل الحرية والاستقلال على الاصطدام بالمواقف الأميركية المنحازة لإسرائيل، فقد واجهوا "صدمة مضاعفة" هذه المرة: الإدارة الأميركية تنحاز بالكامل لليمين الإسرائيلي المتطرف، وتتبنى روايته من دون تمحيص أو حذر أو تحفظ، وتطلق مشروعا مصمما في جوهره ومضمونه، لتصفية قضيتهم الوطنية، وتهديم أركان مشروعهم الوطني الثلاثة: العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

من تابع الخطاب السياسي و"العقائدي" لليمين الحاكم في إسرائيل كان يدرك تمام الإدراك أنه يعيش نشوة "انتصار استراتيجي" على العرب والفلسطينيين، وأن تصوراته للحل النهائي لصراع المئة عام على "فلسطين التاريخية"، كانت تعكس هذه النشوة، فقانون "قومية الدولة" الذي أقره الكنيست، تحدث عن حق اليهود وحدهم في تقرير المصير في المنطقة الممتدة من النهر إلى البحر، وأن بقايا السكان الآخرين، لا يمكنهم أن يمارسوا حقا مماثلا، وإن جاز لهم أن يتمتعوا بحقوق مدنية.

أما الفلسطينيون، فقد كان الكشف عن "صفقة القرن" لحظة "كي الوعي" بالنسبة لكثيرين منهم

"صفقة القرن" جاءت لتنقل هذه الأحلام، إلى خطط وبرامج وخرائط وجداول زمنية، بالضد من الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ومرجعيات عملية السلام والاتفاقات المبرمة، والأهم بالضد من مواقف وسياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة، وبما لم تفكر به نسبة "وازنة" من الإسرائيليين أنفسهم، من خارج معسكر المتطرفين دينيا وقوميا.

فـ"الدولة" التي تقترحها "الصفقة" على الفلسطينيين، ليست دولة على الإطلاق، ولا تلتقي أو تتطابق أو تنسجم، مع كل ما انتهت إليه المعرفة البشرية حول "مفهوم الدولة"... فهي عبارة عن "أرخبيل" من عشرات الجزر المعزولة، متواصلة جغرافيا كما قال الرئيس ترامب، ولكن عبر عشرات الجسور والأنفاق، وهي مبثوثة كالبثور تحت جلد إسرائيل، ولا تواصل جغرافيا مع عمقها العربي الشرقي: الأردن بعد "منح" منطقة الأغوار الفلسطينية وشمال البحر الميت المحتلة لـ"السيادة الإسرائيلية".

دولة لا سلطة لها ولا سيادة على حدودها ومعابرها وأجوائها ومياهها الإقليمية، لا سلطة لها على ثرواتها الطبيعية، بعد أن يتم ضم المناطق الغنية بها لإسرائيل... دولة لا تبرم معاهدات ولا اتفاقات دولية، ويحظر عليها إقامة ميناء أو مطار إلا بعد أن تظهر حسن سيرة وسلوك، وفوق جزيرة صناعية تنشأ لهذا الغرض في عرض بحر غزة.

دولة يعتمد ترسيم حدودها النهائية على شهادة حسن سلوك من أعدائها، يعرف واضعوا الخطة أنها لن تصدر أبدا... فإن أحسن الفلسطينيون التصرف يمكنهم الحصول على 70 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وإن أساءوا السلوك تقلصت هذه المساحة وفقدت الفرصة في الحصول على الأراضي المستقطعة من صحراء النقب، كتعويض عن خسارتها لأراضي المنطقة "ج".

دولة تقوم على "تبادل الأراضي" جنوبا، لتوسيع قطاع غزة، وتبادل السكان شمالا، لتخليص إسرائيل من عشرات الألوف من مواطنيها العرب الإسرائيليين المقيمين في قرى المثلث... دولة مفصلة على مقاس نظام "الأبارتيد" و"الفصل العنصري"، الذي بات الصيغة المعتمدة للحل النهائي بإجماع اليمين الديني والقومي في إسرائيل، ومصادقة من إدارة الرئيس دونالد ترامب وخطته المعروفة بـ"صفقة القرن".

أما عن القدس، العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل، فحدّث ولا حرج... هنا ليس الفلسطينيون وحدهم ضحايا الصفقة بل الأردن والعرب والمسلمون فالمدينة استقرت في الوعي الجمعي العربي ـ الفلسطيني ـ الإسلامي، ومنذ أزيد من أربعة عشرا قرنا من الزمان، بوصفها ثالث أقدس المدن عن المسلمين، ومهوى أفئدة أكثر من مليار ونصف مليار مسلم في العام... لقد تجاهلت إدارة الرئيس ترامب، ما سبق للعالم برمته، أن أدرك أهميته وحساسيته، فقوضت أي ترتيب خاص للمدينة أو مقدساتها، ونقلتها بكل من فيها وما فيها، هدية على طبق من فضة، لعتاة اليمين الديني والقومي في إسرائيل.

واشنطن تراهن بلا شك، على حالة الضعف والتخاذل التي تميز مواقف أنظمة وحكومات عربية وإسلامية، وعلى نوايا واستعدادات بعض القادة العرب على التساوق مع مسعى الإدارة لغلق هذا الملف الشائك... لكن رهانات كهذه هي بكل تأكيد، رهانات قصيرة النظر، قد تصمد لبضعة سنوات أو حتى لبضعة عقود، لكن المؤكد أنها لن تؤسس لسلام واستقرار دائمين، بل ترسي حجر الأساس لمئوية جديدة من الصراع الفلسطيني (العربي) الإسرائيلي.

واشنطن، وعلى لسان أكثر من مسؤول رفيع فيها، راهنت وتراهن على أن "القيامة لم تقم" و"السماء لم تنطبق على الأرض" بعد الاعتراف بضم القدس ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها... وربما يتابع هؤلاء المسؤولون بكثير من الارتياح، ردود الأفعال المتواضعة حتى الآن، رسميا وشعبيا على صفقة القرن...

لكن هذا الرهان هو أيضا من النوع قصير النظر... فسوف تدخل المسألة الفلسطينية في لائحة الحسابات التي سيتعين تسويتها بين الشعوب العربية وحكامها، إلى جانب عشرات القضايا التي ستحاكم شعوب المنطقة حكامها وحكوماتها عليها في سياقات الربيع العربي بموجاته المتعاقبة.

وثمة ما يشي بأن "صفقة القرن" قد تتحول إلى "صدمة القرن" بالنسبة لشعوب المنطقة وقواها الاجتماعية والوطنية والمدنية المختلفة، بدءا بالشعب الفلسطيني، وقد يعاد من جديد تجديد أواصر الارتباط بين النضال الوطني والتحرري لهذه الشعوب، بكفاحها من أجل الحرية والديمقراطية، بعد أن جرى "فك الارتباط" بين هذين المسارين... ونشهد اليوم في شوارع بغداد وتونس وبيروت وعمان، حراكات وهتافات وشعارات، تنبئ بإمكانية دخول ثورات الربيع العربي على مسارات جديدة.

سوف تدخل المسألة الفلسطينية في لائحة الحسابات التي سيتعين تسويتها بين الشعوب العربية وحكامها

أما الفلسطينيون أنفسهم، فقد كان الكشف عن "صفقة القرن" لحظة "كي الوعي" بالنسبة لكثيرين منهم، بعد أن أدركوا أن قضيتهم الوطنية قد دخلت مرحلة استراتيجية جديدة، لم تعد تنفع معها أدواتهم وأساليبهم القديمة... سبعة ملايين فلسطيني على أرض فلسطيني التاريخية، يعادلون نصف سكانها اليوم، باتوا يدركون أكثر من أي وقت أن معركتهم ضد نظام الفصل العنصري، هي معركة واحدة، وإن تعددت ساحاتها، وأن الخطوط الخضراء والحمراء التي كانت تفصل تجمعاتهم المختلفة، في طريقها للذوبان والإمحاء.

والمؤكد أن ستة ملايين لاجئ فلسطيني، تركتهم "صفقة القرن" لخيار "الترك والنسيان"، من دون اعتراف بأي من حقوقهم، لا في العودة ولا في التعويض، سيتحولون إلى وقود لموجات جديدة من العمل الوطني الفلسطيني، تذكر بدورهم "التأسيسي" في الحركة الوطنية المعاصرة عند انطلاق الثورة الفلسطينية في أواسط ستينيات القرن الفائت.

صفقة القرن التي قيل فيها إنها "مبادرة إبداعية" وغير مسبوقة، وأنها "عرض لن يستطيع أحد رفضه"، أعادت عملية سلام الشرق الأوسط إلى المربع الأول، ودشنت مرحلة جديدة من الصراع بدل الاستقرار، وهي تؤذن بجرف شعوب أخرى، غير الفلسطينيين إلى أتون هذا الصراع، بعد أن استشعرت بعض دول الجوار كالأردن ولبنان، أنها "التالية" في قائمة ضحايا هذه الصفقة والمستهدفين بها.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.