دأب جدي على أن يقول لنا ونحن أطفال صغار: "يا أحفادي، إذا بدأ أحدكم بأكل خيارة، وطلعت تلك الخيارة مرَّة من أول عضة، فلا داعي كي تكملوا أكلها على أمل أن يتحسن طعمها وتزول المرارة. ارموها على الفور وخذوا غيرها".

تذكرت حكمة جدي هذه وأنا أتابع عملية تشكيل الحكومات ـ سواء التي أنجز تشكيلها أم التي في طور التشكيل ـ في أكثر من قطر من عالمنا العربي، وفي المقدمة لبنان والعراق. أصبح لبنان محط أنظار العالم نتيجة المظاهرات السلمية غير المسبوقة في تاريخه، التي شارك فيها ناس من الجنسين، ينتمون إلى مختلف الأديان والطوائف والأحزاب، وقد جمعهم هدف واحد هو رفض الفساد الذي أوصل البلاد إلى حضيض اقتصادي خطر. أما في العراق، فالغضب واضح للعيان حتى داخل الطوائف والإثنيات، خاصة بعد سقوط ضحايا بقنص شرير أو باغتيال حاقد.

في كلا الحالين نلاحظ عجزا عن إيجاد بدائل مقنعة ترضي الجماهير الثائرة. ما الذي يضير "الدولة العميقة" من الاستجابة إلى مطالب المتظاهرين وتلبية رغباتهم؟ أليست تلك مصلحة عامة يمليها الانتماء الوطني والشعور بالمسؤولية؟ ألا تكفل تلك الخطوة بإخراج البلاد من مأزق الديون والبطالة واستغلال طبقة أو طائفة أو أحزاب أو أشخاص من بطانة فاسدة؟ 

تبدأ المذابح بإراقة قطرة دم. يبدأ سقوط بناءٍ بصدع بسيط

تكمن المشكلة في أن التغيير الجذري خارج الأطر السرية ينذر بالانفلات من التبعية لقوى خارجية تقدم مصالحها على المصالح القومية. من المؤكد أن أي شيء يحدث في العراق سيخلف تأثيرا واسع النطاق، كما سيكون للتغيير في لبنان منعكسات على المنطقة، إن لم نقل على العالم كله.

عقب تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، ورغم أنها لم تتعرض إلى اختبار جدي بعد، لم يستكن الناس ويهدأ غضبهم، لأن التغيير جاء في نظرهم شكليا، بينما يأبون بالتسليم لتغيير منقوص بعد أن سقط شهداء منهم خلال نزولهم محتجين إلى الشوارع مطالبين بتسليم المناصب قاطبة إلى أناس مهنيين مؤهلين للعمل بنزاهة وكفاءة عاليتين، وليس لأشخاص يمثلون توليفة لبعض الأحزاب.

يبدو أن الجماهير الثائرة لم تقتنع بأنها قدمت التضحيات من أجل أن تضطر لتقديم تنازلات والقبول بحلول وسط، مخيبة للآمال ومجهضة للأحلام، في بلد يحاول النهوض من كبوته ليعود لؤلؤة البحر الأبيض المتوسط، وموطن إشعاع الثقافة والفنون، ومستقطب السياحة بجمال طبيعته الخلاب وآثار حضارته العريقة.

في الواقع، بين التقلب في الرأي والثبات على الموقف فاصل دقيق. أيهما يعتبر فضيلة؟ وأيهما يعتبر نقيصة؟ ماذا يحدث إذا اكتشف طبيب أو مهندس أو قاض أو باحث أو عالم أو مسؤول أنه وقع في اختيار خاطئ لسنده أو خليفته أو مستشاره؟ هل يمضي بإصرار ثابت لا ينثني ولا يلين في الاعتماد عليه وإيلائه ثقته المطلقة، فارضا إياه على الرأي العام ومبررا لأخطائه، أم يجري الطلاق الحاسم عبر تغيير يلبي رغبة الناس الذين أولوه ثقتهم؟ ألا يزيل بانقلاب رأيه سحابة غمتهم، ويلاشي باستجابته ضباب نقمتهم.

ربما يعتقد أن التقلب في القرار هو أحد مصائب الإدارات على مختلف أشكالها ومستوياتها، بحيث يضرب أسفينا في هيكل التطور المأمول لأية مؤسسة، سواء كانت مستشفى أم جامعة أم مديرية أم وزارة أم حكومة. لا يقتصر الأمر على سريان داء فقدان الثقة في نفوس العاملين، وبالتالي تصرفهم بسلبية وتقاعس خشية من تحميلهم المسؤولية وإزاحتهم من مناصبهم بسبب مبادرة يراها مديرهم المتقلب في الرأي مرفوضة وفاشلة. تتضاعف المأساة من تقلب المزاج بحيث تعاني إدارة برمتها من التخبط والقلق وضياع المصداقية داخل المؤسسة نفسها وخارجها، كما لدى عموم الناس الذين استثمروا فيها واعتمدوا على حسن تصريفها لمصالحهم.

من وجهة نظر مغايرة، ربما يكون التقلب في الرأي ناجما عن رغبة مخلصة في إصلاح غلطة ما، أو تصحيحا لاستعجال في قرار أو لسوء اختيار لشخص تم ائتمانه على مسؤولية ثبت أنه غير أهل لها. هنا، يصدق المثل القائل "الرجوع عن الخطأ فضيلة". بالتالي، ربما يكون تغيير الرأي ـ سواء حول خطة عمل أو مشروع معين أو شخص من الأشخاص المعتمدين الذين أثبتوا فشلا عمليا ـ خطوة إيجابية وبناءة قبل أن يستفحل الداء ويعز إيجاد الدواء، وقبل أن يعتري الصدأ مفاصل وزارة من الوزارات أو إدارة من الإدارات. يتطلب تقلب الرأي في هذه الحالة شجاعة، لأنه يهدف إلى التحسين والإصلاح، وإن تطلب ذلك الهدف تضحية بعلاقة مع جهة خارجية أو شخص عزيز إلى القلب.

أما الثبات في الموقف، فربما تبدو له للوهلة الأولى مزايا خداعة، منها بث روح الطمأنينة والثقة لدى العاملين من مرؤوسين ورؤساء. تسري إيجابية هذه الثقة إلى المتعاملين مع المؤسسة من خارجها بوجه خاص، وتشجعهم على المضي قدما في التعامل معها إيمانا منهم باستقرار من يديرها ببصيرة تعوض عن قصر بصرهم.

لا أحد ينكر أن الثبات مفيد أحيانا، إنما شريطة أن يكون ثباتا على الحق، وموقفا واعيا ينبع من إحساسٍ بالمسؤولية. أما حين تحتدم الأزمات وتندلع الثورات، فتلك أوضاع تتطلب التخلي عن الثبات، والتأقلم مع ضرورات الموقف المستجد. وحده حسن التكيف مع مقتضيات الوضع والسعي لإيجاد حلول مبتكرة هو السبيل الناجع للخروج من أزمة من الأزمات بسلام قبل أن يستفحل الخطر ويبدأ التصدع، ومن ثم الانهيار.

يبدو أن الجماهير الثائرة لم تقتنع بأنها قدمت التضحيات من أجل أن تضطر لتقديم تنازلات

تبدأ المذابح بإراقة قطرة دم. يبدأ سقوط بناءٍ بصدع بسيط. تنهار الجيوش وتنسحب من مواقعها بثغرة صغيرة يخترق منها العدو ليصبح خلف الخطوط الحصينة. بالتالي، لا يفيد الثبات في هذه الأحوال، لأنه يصبح مكابرة وعنادا وتعنتا في الرأي، يتجاهل صاحبه تشخيص الحالة المرضية ليؤثر سلبا على الاستقرار والازدهار على المستوى البعيد، حتى لو أفلح في تهدئة الأوضاع وقتيا على المستوى المنظور. لا بد من المناورة للخروج من مأزق، في حين أن الثبات هنا أشبه بالوقوف أمام تيار جارف أو ريح عاتية، معرضا النفس أمام هكذا إعصار إلى الانكسار.

إذن، بين التقلب والثبات شجاعة أو سبات. من الملاحظ رفض جماهير كبيرة العدد، شديدة التنوع، للعبة "تغيير الطرابيش" في لبنان والعراق وعدة أقطار عربية أخرى، دون أن يجري سعي جاد من الدولة العميقة لتغيير نهجها الذي ثار الناس رافضين له وقد كفح بهم الكيل ونزلوا إلى الشوارع معرضين أنفسهم وأسرهم إلى القنص وأملاكهم إلى القصف، وواجهوا الضرب المبرح أو الاعتقال لمجرد أنهم رفعوا الصوت مطالبين بالعدالة والحرية وتحسين الأوضاع المعاشية والخروج بالبلاد من مأزقها الاقتصادي وتورطها في شؤون دول أخرى أو تدخل دول أخرى بسيادتها المشروعة.

ليس مستغربا أن الجماهير لن تقنع بما هو أقل من الاستحقاقات المتوجب تلبيتها، لأن الجماهير ـ مهما واجهت من وسائل قمع وترهيب ـ ستستمر في الاعتراض على تبديل الأقنعة ولمسات المكياج الخفيفة.

يقول المثل الإنكليزي القائل: "يمكنك أن تجبر الحصان على أن يذهب إلى النهر، لكنك لا تستطيع أن تجبره أن يشرب". كم من خيارة مرَّة أصر المسؤولون على الشعب أن يصبر ويقضمها إلى الآخر، متحملين مرارتها على أمل أن يتحسن طعمها وتحلو؟ حبذا لو يتذكر هؤلاء القول المأثور: "من يجرَّب المجرَّب، فعقله مخرَّب".

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.