532199 4

هشام ملحم/

بعد ظهر الأربعاء حين يصوت مجلس الشيوخ الأميركي على تبرئة الرئيس دونالد ترامب من تهمتي مجلس النواب بأنه أساء استخدام صلاحياته الدستورية وعرقل تحقيقات مجلس النواب بهذا الشأن، سوف يتخطى ترامب أسوأ تحد قانوني وسياسي واجهه في حياته وسيخرج منه أقوى مما كان عليه قبل محاكمته.

ويتوقع العديد من المراقبين أن يتصرف ترامب في سنته الرابعة بعد إخفاق الديمقراطيين في إقناع مجلس الشيوخ بعزله، وكأنه يتمتع بمناعة وحصانة كاملة ضد أي مسائلة أو محاسبة من أي مؤسسة أميركية سواء كانت تشريعية أو قضائية أو سياسية.

ورأى ترامب ومؤيدوه بداية نهاية محاكمته بقرار لصالحه يوم الجمعة حين رفض مجلس الشيوخ بأكثرية صوتين فقط طلب فريق الادعاء استدعاء شهود للمثول أمام المحكمة والحصول على الوثائق الحكومية التي رفض الرئيس ترامب توفيرها لمجلس النواب.

وهذه هي المرة الأولى التي يحاكم فيها رئيس أميركي (أو اي مسؤول على المستوى الفدرالي) دون مشاركة أي شاهد، ودون معاينة أي وثائق رسمية. قرار مجلس الشيوخ شكل نكسة كبيرة لفريق الادعاء الديمقراطي الذي اتهم الحزب الجمهوري بخلق سابقة خطيرة ستكون لها مضاعفات بعيدة المدى على الكونغرس وتوازن الصلاحيات في النظام الديمقراطي الأميركي.

سوف يستخدم ترامب محاكمته كسلاح في حملته الانتخابية ضد الديمقراطيين

قرار المجلس هذا أنهى أسابيع طويلة من محاولات الحزب الديمقراطي تأكيد التهم الموجهة للرئيس بأنه أساء استخدام صلاحياته حين علق تسليم صفقة أسلحة لأوكرانيا إلى حين فتح تحقيق قضائي ضد نائب الرئيس السابق جو بايدن ونجله، وكذلك عرقلة تحقيقات الكونغرس بهذا الشأن. ومنذ تلك اللحظة كل ما صدر عن ترامب من تصريحات وتغريدات عكس مزاجه الانتصاري وعزز من غطرسته.

لم يبالغ المؤرخ جون ميتشام حين قال يوم الجمعة الماضي خلال محاكمة ترامب "يمكن القول إنه الرئيس الأقوى سياسيا في تاريخ أميركا".

ويوم الأحد قال ترامب إنه يتوقع أن يفوز بولاية ثانية في نوفمبر المقبل. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي يحاكم فيها رئيس أميركي خلال ولايته الأولى، وهو يخوض معركة إعادة انتخابه. الرئيس أندرو جونسون الذي حوكم في 1868 والذي لم يعزله مجلس الشيوخ بصوت واحد كان في ولايته الثانية، كذلك كان الرئيس بيل كلينتون في ولايته الثانية حين رفض مجلس الشيوخ عزله في 1999. 

في مقابلته التلفزيونية يوم الأحد مع شبكة فوكس لم يبد ترامب أي مشاعر وفاقية تجاه خصومه الديمقراطيين أو أي استعداد للتعاون معهم، كما فعل بيل كلينتون بعد انتهاء محاكمته، وادعى أن الديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ لا يريدون التعاون معه. وكعادته تلذذ ترامب بتوجيه الإهانات لمنافسيه الديمقراطيين وكأنه لم يحاكم على الإطلاق. سئل ترامب: ما الذي يخطر ببالك حين تسمع اسم بيرني ساندرز؟ "شيوعي. ألم يتزوج في موسكو؟". جو بايدن؟ "النعسان". إليزابيث وارن؟ "حكاية خيالية".

وسخر ترامب من المرشح الرئاسي مايكل بلومبيرغ لأنه قصير القامة، وادعى أن بلومبيرغ سوف يطلب خلال مناظرات المرشحين الديمقراطيين صندوقا للوقوف عليه وراء المنبر لكي لا يبدو قصيرا جدا مقارنة بغيره من المرشحين. كما وصف ترامب رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي التي ستجلس وراءه حين تترأس اجتماع مجلسي النواب والشيوخ مساء الثلاثاء للاستماع للرئيس وهو يلقي الخطاب السنوي حول "حالة الاتحاد"، بأنها "امرأة مرتبكة وعصبية جدا".

مساء الثلاثاء سيخاطب ترامب الشعب الأميركي من القاعة ذاتها التي أصدر فيها مجلس النواب في ديسمبر الماضي لوائح الاتهامات ضده، ليحتفل بما وصفه مسؤول رفيع في حكومته "العودة الأميركية الكبيرة"، وسوف يعد الأميركيين بتخفيض جديد للضرائب، وتخفيض أسعار الأدوية ومواصلة المفاوضات التجارية مع الصين، وتشديد إجراءاته المناهضة للهجرة.

خاض ترامب معارك شرسة علنية وغير معهودة ضد النظام القضائي الأميركي

وسوف يستخدم ترامب محاكمته كسلاح في حملته الانتخابية ضد الديمقراطيين وسوف يكرر القول إنه ضحية مؤامرة ديمقراطية بدأت لحظة إعلانه عن ترشيح نفسه لمنصب الرئاسة في 2015، وإن هذه المؤامرة شملت تحقيقات وتقرير المحقق روبرت مولر بشأن التدخل الروسي في الانتخابات لصالح ترامب، وكيف أن محاكمته هي استمرار لهذه المؤامرة.

وأكثر ما يقلق الديمقراطيين والعديد من المحللين هو ما الذي يمكن أن يفعله ترامب في سنته الرابعة بعد "انتصاره" ضد خصومه الديمقراطيين في الكونغرس حيث سيشعر الآن بأنه يتمتع بمناعة ضد أي انتقاد أو مساءلة من المشرعين الديمقراطيين.

وحتى قبل محاكمته تصرف ترامب بأسلوب راديكالي ومخالف للأعراف وحتى للقوانين التي كانت تضبط جميع الرؤساء الأميركيين، وخاصة منذ استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون في 1974 في أعقاب فضيحة ووترغيت التي كشفت مدى استهتار نيكسون بالقوانين والدستور.

وفي السنوات الثلاثة الماضية خاض ترامب معارك شرسة علنية وغير معهودة ضد النظام القضائي الأميركي، حيث كان يرفض قرارات القضاء أو ينتقدهم علنا، كما هاجم بعنف أجهزة الاستخبارات الرئيسية في البلاد ومنها وكالة الاستخبارات المركزية (السي أي إيه) التي قارن ترامب سلوكها بسلوك النازيين، كما انتقد ترامب بحدة مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) وأقال مديره جيمس كومي، وهاجم الأجهزة والوكالات الحكومية والكونغرس وخاصة صلاحياته الدستورية كجهة تراقب الأداء الحكومي ووصف هذه الأجهزة بأنها جزء من "الدولة العميقة" العدو الوهمي الذي يدعي ترامب أنه يسعى للإطاحة به.

أكثر ما يرعب الديمقراطيين هو كيف سيتصرف ويحكم دونالد ترامب إذا أعيد انتخابه لولايته الثانية

وكما قال فريق الادعاء الديمقراطي خلال مداولاته ضد ترامب في مجلس الشيوخ، إنه إذا لم يحاسب ترامب قانونيا، أي إذا لم يعزله مجلس الشيوخ فإن ذلك سيخلق سابقة خطيرة لأي رئيس أميركي في المستقبل، إن كان ديمقراطيا أو جمهوريا، لكي يتصرف بغطرسة جامحة وخاصة إذا كان حزبه يسيطر على مجلسي الكونغرس أو حتى مجلس واحد.

ولكن هناك رأي ديمقراطي يقول إنه صحيح أن ترامب خرج من محاكمته منتصرا في واشنطن، ولكن ذلك لا يعني أن هذا الانتصار سوف يترجم بأصوات تبقيه في البيت الأبيض لأربع سنوات إضافية، لأن الادعاء ضد ترامب في مجلس النواب، ومحاكمته في مجلس الشيوخ، عدا عن انها وصمة عار لن يمحوها عدم عزله من منصبه، إلا أن المحاكمة دفعت ببعض أعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين للقول إن الادعاء قد أثبت أن ترامب قد أساء استخدام صلاحياته الدستورية، ولكن هذه الانتهاكات لا ترقى إلى مستوى يتطلب عزله عن منصبه.

ووفقا لهؤلاء الديمقراطيين، فإن هذه الانتقادات الجمهورية "المعتدلة" لترامب قد تساعدهم على كشف أو فضح سلوكه والمنفعي وانتهاكاته الموثقة ضد الدستور.

وأخيرا، يشدد هؤلاء الديمقراطيون على أن ترامب الذي يميل في قراراته إلى المجازفة، سوف يواصل انتهاكاته ومجازفاته دون أن يتعظ من محاكمته. البلاد كانت منقسمة على بعضها البعض قبل محاكمة ترامب مع وجود أكثرية بسيطة تدعو لمحاكمته وعزله، وهذا الانقسام بقي على حاله بعد محاكمة ترامب. ولكن أكثر من يقلق، وربما الأصح القول أكثر ما يرعب الديمقراطيين وأكثرية من الأميركيين، هو كيف سيتصرف ويحكم دونالد ترامب إذا أعيد انتخابه لولايته الثانية.

اقرأ للكاتب أيضا: لقاء ترامب ـ نتانياهو والسلام المفقود

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
ترامب المنتصر؟ 9A88A6A3-1277-4EEB-9F0A-73EE8429F696.jpg AP ترامب-المنتصر لم يبالغ المؤرخ جون ميتشام حين قال يوم الجمعة الماضي خلال محاكمة ترامب "يمكن القول إنه الرئيس الأقوى سياسيا في تاريخ أميركا" 2020-02-03 13:44:52 1 2020-02-03 13:52:59 0

A view of the platform of the Leviathan natural gas field in the Mediterranean Sea is pictured from the Israeli northern…

حين أضاءت شعلة عملاقة سماء الليل قبالة ساحل إسرائيل في 23 مايو، كان ذلك بمثابة تذكير بثروات البلاد من الغاز الطبيعي ومخاوفها البيئية المستمرة. فقد تمّ إشعال فائض الغاز من منصة معالجة على عمق ستة أميال من الشاطئ فيما وصفته الحكومة بـ "إغلاق طارئ". 

وفي غضون ساعات قليلة تم استئناف الإنتاج من حقل "ليفياثان" ـ الواقع عميقا تحت قاع البحر على بعد خمسة وسبعين ميلا غربا ـ الذي يزوّد المنصة بالغاز؛ وفي وقت لاحق تمّ تفسير الحادثة على أنها إنذار كاذب ناجم عن فشل في كاشف الغاز.

وكانت هذه هي المرة الثانية الذي توجّب فيها إشعال الغاز لفترة وجيزة في المنصة منذ أن باشرت عملياتها في نهاية عام 2019 ـ على ما يبدو إجراء عادي في مرافق بدء التشغيل. (ولم تُشاهد مثل هذه الحوادث الجلية الواضحة في منشأة "تمار" العاملة منذ وقت طويل على بعد ثلاثة عشر ميلا من ساحل "أشكلون" ["عسقلان"] جنوبا، ويعود السبب في ذلك إلى تصميمها فقط، إذ أن إشعال الغاز الفائض قد يؤدي إلى إذابة المنصة). وكان حقل "ليفياثان" قد بدأ بضخ الغاز في الشبكة الإسرائيلية في يناير هذا العام. ويُلبّي غاز "تمار" أساسا الطلب المحلي، لذلك يتم إرسال الإمدادات من الحقل الأحدث والأكبر عبر الشبكة وإلى مصر والأردن.

تقع أفضل الاحتمالات قبالة سواحل مصر، التي يقل إجمالي احتياطاتها من النفط والغاز عن احتياطات إسرائيل

وفي الوقت الحالي، تستخدم مصر الغاز من حقل "ليفياثان" لتلبية حاجات السوق المحلي حصرا. وتأمل كل من القاهرة والقدس في أن يتم تصدير الأحجام المستقبلية للغاز إلى الأسواق الخارجية الأخرى عبر ناقلات الغاز الطبيعي المسال، لكن هذه الخطط معلقة لأن بيع الغاز بهذا الشكل غير قابل للتطبيق في ظل الأسعار الدولية الحالية. كما يعود السبب في التوقف المؤقت في خطط زيادة إنتاج الغاز من حقل "ليفياثان"، الذي تديره شركة "نوبل إنرجي" من ولاية هيوستن الأميركية، إلى انخفاض الأسعار. ويبدو أن أي محاولة لاستخراج النفط من المكامن الموجودة تحت الطبقات الجوفية الحاملة للغاز هي مجرد وهم في الوقت الحالي.

وفي ظل الظروف الراهنة، يعتبر الأردن العميل الرئيسي، حيث يستخدم الغاز الإسرائيلي لتشغيل شبكته لتوليد الكهرباء. ومع ذلك، فإن هذا العقد والترتيب الأصغر لإرسال غاز "تمار" إلى المنشآت الصناعية الأردنية في البحر الميت قد يتعرضان لخطر [توقف التنفيذ] بسبب التطورات السياسية القادمة. فقد أعلنت إسرائيل أن خطوات ضم الأراضي المحتملة في الضفة الغربية قد تبدأ في يوليو المقبل، الأمر الذي أثار تحذيرات شديدة من قبل الملك عبد الله.

وفي منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ككل، لم تؤد عمليات الاستكشاف الأولية للغاز التي تتزعمها فرنسا قبالة سواحل بيروت في وقت سابق من هذا العام سوى إلى إنتاج آثار للموارد الهيدروكربونية، في حين قد يتمّ إرجاء أي تنقيب مستقبلي في منطقة أقرب إلى الخط الملاحي المتنازع عليه بين لبنان وإسرائيل إلى أجل غير مسمى. 

ومن الناحية النظرية، تتمتع هذه المنطقة باحتمالات جيدة نسبيا للاكتشافات نظرا لقربها من حقلي "تمار" و "ليفياثان". ومع ذلك، تقع أفضل الاحتمالات قبالة سواحل مصر، التي يقل إجمالي احتياطاتها من النفط والغاز عن احتياطات إسرائيل (إلا أن احتياطات كلا الدولتين لا تزال ضئيلة مقارنة باحتياطات دول الخليج العربي).

وتضاءلت جاذبية مصر لشركات الطاقة الأجنبية في الآونة الأخيرة بسبب انخفاض الأسعار وضعف الطلب المحلي، إلا أن هذا الوضع يجب أن يتحسن خلال الصيف بسبب الحاجة الشديدة إلى أجهزة تكييف الهواء والمراوح.

وعبر البحر، لا يزال على تركيا العثور على الغاز في المناطق البحرية التي تطالب بها على الرغم من تعريفها الواسع لمدى امتدادها. وفي محادثة هاتفية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي، أفادت بعض التقارير أن القراءات التركية قالت إنهما وافقا على "مواصلة السعي لتحقيق الاستقرار في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط". وانصب تركيزهما الرئيسي في هذا الصدد على ليبيا، حيث تدعم تركيا الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس ووافقت على حدود بحرية متبادلة بين المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل بلد.

يُعتبر تطوير موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط لما فيه من المصلحة المتبادلة لبعض دول المنطقة على الأقل قصة نجاح سياسي

وفي الواقع، أضاف النزاع الليبي بُعدا آخر لثلاث منافسات شرق أوسطية متعددة الأوجه: مصر ضد تركيا، اليونان/قبرص في مواجهة تركيا، وإسرائيل ضد لبنان. ويبدو أن العديد من النزاعات المعنية مستعصية على الحل، ولكن هذا لا يعني بالضرورة استحالة حلها.

على سبيل المثال، في الوقت الذي تتمتع فيه إسرائيل بصداقتها مع اليونان وقبرص، إلا أنها لا تزال تحافظ على علاقات تجارية كبيرة مع تركيا، على الرغم من جو عام من التوتر السياسي بين البلدين. وتجلت إحدى الإشارات على الرغبة المتبادلة لأنقرة والقدس في الحفاظ على علاقات عمل بينهما الأسبوع الماضي، عندما غادرت طائرة شحن تابعة لشركة "إل عال" الإسرائيلية إلى إسطنبول لحمل معدات خاصة بفيروس كورونا لتسليمها إلى الولايات المتحدة. 

وكانت شركة الطيران الإسرائيلية قد أوقفت رحلاتها إلى تركيا في السنوات الأخيرة بسبب خلاف حول الترتيبات الأمنية، على الرغم من استمرار رحلات [شركات الطيران] التركية من إسرائيل وإليها (على الأقل إلى حين [بدء] إجراءات الإغلاق الأخيرة المتعلقة بانتشار الوباء).

وبشكل عام، يُعتبر تطوير موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط لما فيه من المصلحة المتبادلة لبعض دول المنطقة على الأقل قصة نجاح سياسي ـ تلك التي تُعزى إلى حد كبير إلى الدبلوماسية الأميركية. يجب استمرار الانخراط الأميركي إذا كان هناك رغبة في التغلب على الصعوبات الحالية واستفادة المزيد من الدول [من الوضع القائم].

المصدر: منتدى فكرة