متظاهرون إسرائيليون، عربا ويهودا، ضد "قانون الدولة القومية"

532349 4

حسين عبدالحسين/

في مخيلة العرب ثلاثة حلول مختلفة للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي؛ أولها العودة إلى ما قبل العام 1948، و"إعادة الحق لأصحابه" بتدمير دولة إسرائيل وإعادة إحياء الدولة العربية (أو الإسلامية) الفلسطينية حسبما رسمتها الكولونيالية الأوروبية قبل قرن من الزمن؛ وثانيها العودة إلى تقسيم ما قبل العام 1967، وإقامة دولتين سيدتين مستقلتين ـ فلسطين وإسرائيل ـ تعيشان جنبا إلى جنب، وثالثهما إقامة دولة واحدة ثنائية القومية، يهودية وعربية، تمنح هويتها لكل اليهود والفلسطينيين في المعمورة.

الحل الأول، أي تدمير إسرائيل بالكامل، يتبناه الإسلام السياسي، وفي طليعته "محور الممانعة" الذي تقوده إيران وتنخرط فيه تنظيمات "حماس" الفلسطينية و"حزب الله" اللبناني، و"الحشد الشعبي" العراقي، وحتى "أنصار الله" الحوثيين اليمنيين.

هذا المحور المتطرف يعتقد أن زوال إسرائيل حتمي، وإن كان سيحصل بعد أجيال، وهو غالبا ما يعادي، لا إسرائيل فحسب، بل اليهودية كديانة، ويستعين بآيات قرآنية وأحاديث نبوية للدلالة على أن اليهود من المغضوب عليهم، وهو المحور نفسه الذي يشكك بمحارق الهولوكوست، التي أودت بحياة ستة ملايين يهودي.

قبل السلام مع إسرائيل، يحتاج المسلمون إلى سلام مع أنفسهم

من نافل القول إن هذا الحل المتطرف يرفضه الإسرائيليون، والمجتمع الدولي بأسره، فإسرائيل دولة قائمة بشرعية قرارات الأمم المتحدة، وباعتراف غالبية دول العالم بها، وباستثناء المتطرفين ـ من الإسلاميين أم النازيين الجدد من البيض ـ لا يوافق العالم على زوال دولة إسرائيل.

الحل الثاني للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي تتبناه "منظمة التحرير الفلسطينية" و"السلطة الفلسطينية"، وهو يشبه مبادرة بيروت العربية للسلام للعام 2002، ويربط سلام عربي شامل مع إسرائيل بتخليها عن الضفة الغربية كاملة، وقطاع غزة والقدس الشرقية، حسب قرارات الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين في العام 1948، وقيام دولة فلسطينية في هذه الأراضي.

إلى أن تتم هذه التسوية، يتمسك مناصرو هذا الحل بمعاداة إسرائيل ومقاطعتها، وأحيانا يتماهون مع "محور الممانعة" في المغالاة في معاداة إسرائيل، ويطلقون عبارة "فلسطين المحتلة"، لا على الضفة والقدس الشرقية فحسب، بل على كل دولة إسرائيل.

مثلا، عندما يتحدث الإعلام اللبناني عن شمال إسرائيل المحاذي لجنوب لبنان، يصفه بالأراضي المحتلة، ويصف القرى الإسرائيلية بالمستوطنات، مع أنها أراض إسرائيلية باعتراف دولي وغير خاضعة لمفاوضات أو جدال.

التماهي الخطابي بين معسكري "زوال إسرائيل" و"حل الدولتين" يمكن تجاهله. ما لا يمكن تجاهله هي التفاصيل التي يتركها معسكر "حل الدولتين" غامضة في حال قامت دولة فلسطينية في الضفة وغزة.

المشكلة الأولى تكمن في مطالبة هذا المعسكر بعودة الشتات الفلسطيني، لا إلى الدولة الفلسطينية فحسب، بل إلى إسرائيل أيضا، وهو ما يؤدي لقيام دولتين: فلسطين ذات غالبية عربية صرفة، وإسرائيل ذات غالبية عربية مع أقلية يهودية. حتى لو تجاوزنا مشكلة الشتات الفلسطيني بسماح العودة إلى فلسطين حصرا، لا يمكن التغاضي عن دعوات المعتدلين إلى "سلام شكلي" فحسب، أي علاقات ديبلوماسية بين العرب وإسرائيل بدون علاقات على مستوى شعبي، على غرار السلام البارد بين إسرائيل وجارتيها العربيتين، مصر والأردن. يعني السلام مع إسرائيل، حسب معسكر "حل الدولتين"، لا يوقف حملات مقاطعة إسرائيل وتخوين من يزورها أو من يتعاطى مع الإسرائيليين.

ومن الأمور المقلقة لإسرائيل هي غموض السياسة الإقليمية لدولة فلسطين المزمع قيامها: ماذا لو تحالفت فلسطين مع إيران؟ وماذا لو حطّ "قائد لواء القدس في الحرس الثوري الإيراني" الراحل قاسم سليماني في مطار عرفات الدولي في غزة، على غرار ما فعل في بغداد قبيل اغتياله؟ ومن يضمن ألا تسلح طهران ميليشيات معادية لإسرائيل داخل فلسطين، في حال غابت الرقابة الإسرائيلية عن المطارات والمرافئ الفلسطينية؟ ومن يضمن ألا يزود الفلسطينيون "حزب الله" بإحداثيات مواقع إسرائيلية حساسة، أو السماح له بإقامة قواعد في فلسطين؟ وحتى لو قامت فلسطين مع أجهزة أمنية قادرة على ضمان أمن إسرائيل، ماذا يحصل لو انهارت هذه الدولة أمام انقلاب عسكري أو ميليشيوي، كما طردت حماس السلطة من غزة؟ وماذا تفعل إسرائيل تجاه دولة فلسطينية فاشلة غارقة في حروب عصابات؟ تجتاح الدولة الفلسطينية وتحتلها مجددا؟

الحل الثالث للصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو الذي تصوره الأكاديمي الفلسطيني الأميركي الراحل إدوار سعيد، وتبناه طاغية ليبيا الراحل معمر القذافي بصورة كاريكاتورية، وهو حل يتبناه كثيرون في صفوف النخبة العربية، أي قيام دولة واحدة ثنائية القومية، أسماها القذافي إسراطين، مع حقوق متساوية لجميع المواطنين.

مشكلة هذه الدولة أن غير اليهود فيها سيشكلون غالبية، وسيتحول اليهود إلى أقلية، وبالنظر إلى تجارب الأقليات عبر التاريخ العربي والعثماني، لا يمكن العثور على تجربة تساويهم بالغالبية، مثل في حالات أكراد العراق وسوريا وتركيا، وأقباط مصر، ومسيحيي لبنان ودروزه ـ الذي تحولوا إلى "هنود حمر" حسب قول زعيم الدروز وليد جنبلاط ـ أي سكان أصليين يعانون من طغيان الغالبية، وإلى أن يقدم العرب المسلمون تجربة ناجحة واحدة في إقامة ديمقراطية علمانية، لن تأمن الأقليات للعيش بمساواة معهم في نفس الدولة.

في أسس الديبلوماسية وحل النزاعات ضرورة تفهم مخاوف الأطراف المتصارعة، وتذليلها، حتى تتخلى عن تمسكها بالعنف وسيلة للدفاع عن وجودها. في تاريخ العرب، لم يتقدم من يمسك بأيدي الأقلية اليهود، ليؤكد لهم أن حقوقهم ومصالحهم محفوظة، لا كذميين أو مواطني أقلية درجة ثانية، بل كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، بالضبط كما يتساوى اليهود والعرب في ديمقراطيات الشتات.

لن يكون سلام بين العرب والإسرائيليين بدون العفو عمّا مضى، والتطلع إلى مستقبل أفضل

وطالما أن السلام الموعود سيبقى جافا، تحته رماد الانتقام والمقاطعة والسعي إلى التفوق العددي السكاني لتدمير دولة اليهود، لن يقدم الإسرائيليون أكثر من الحد الأدنى الذي يسمح لهم بالتخلي عن حكم سبعة ملايين فلسطيني يعيشون بينهم.

لم يسقط جدار برلين باتفاقية، ولم تلغ دول أوروبا الحدود بينها بمفاوضات، بل كلها حواجز سقطت بعد ارتقاء الوعي بالمواطنية والمساواة بين الأوروبيين بغض النظر عن جنسهم أو دينهم أو تاريخهم، وهو وعي قابل للعودة إلى الوراء تحت ضغط القوميات الشوفينية التي تعصف بالقارة العجوز اليوم.

قبل السلام مع إسرائيل، يحتاج المسلمون إلى سلام مع أنفسهم، سلام بين السنة والشيعة، ومعهم العلويين والإسماعيليين والدروز والأيزيديين والأباضيين والأقباط والموارنة والأرمن والسريان والصابئة والفرس والترك والكرد والآخرين.

لن يكون سلام عربي إسرائيلي، ولن تقوم دولة فلسطينية، باتفاقيات مفصّلة وتواقيع وتحكيم، ولن يكون سلام بين العرب والإسرائيليين بدون العفو عمّا مضى، والتطلع إلى مستقبل أفضل، وانفتاح بين القلوب والعقول، ومساواة الآخر بالنفس، وإدراك أن الآخر ليس دينا ولا تاريخا ولا سياسة، بل إنسان يبحث عن السلام مع نفسه، وعن راحة البال، وعن مستقبل أفضل له ولعياله.

اقرأ للكاتب أيضا: ماذا يريد العرب من أميركا؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

لماذا تخشى إسرائيل فلسطين؟ CB2ADFFC-8000-4CDB-A7CA-30A6AFEEB87A.jpg AFP لماذا-تخشى-إسرائيل-فلسطين متظاهرون إسرائيليون، عربا ويهودا، ضد "قانون الدولة القومية" (أرشيف) 2020-02-04 13:50:39 1 2020-02-04 13:53:39 0

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.